الخلل في الإسلامدعوة الى الصحوة من أجل الأمانة والتغييرإرشاد منجيجميع حقوق الطبع محفوظة ويجوز استعمال هذا النص واقتباسه شريطة الإشارة بوضوح الى المصدر. |
شكر وتقدير
إني البسُ خاتمين ، خاتم يرمز الى حبي لله وخاتم للتعبير عن آصرة ارتباطي بشريكتي ميشيل دوغلاس. لذا سابدأ بشكر الله وأكثر ما اشكره عليه هو ميشيل. فمن بين كل ما منحتني اياه منحتني ايضا التولع بالعدو. وبسبب هذه الهواية انهيتُ نصف ماراثون في الايام الاولى من تأليف هذا الكتاب. وخلال تلك الساعتين اللتين توقف فيهما العقل رأيتُ اشجارا على يساري وشلال ماء على يميني ، وابنية امامي ، وشعرتُ من صميم قلبي بالتوحيد ـ بوحدة خلق الله ـ الذي يصدف كونه اول ركن من اركان الاسلام. ومن نواحي أكثر مما يتسنى لي تعدادها فان ميشيل هي صفحة الشكر والتقدير.
آن كولينز من دار راندوم هاوس Random House تأتي ايضا على رأس القائمة ، اولا لشجاعتها في نشر هذه الرسالة ـ الكتاب. ولكن هذا ليس كل شيء. فالأمانة التي تحدثتُ بها عن الاسلام قابَلَتها آن بأمانة مماثلة في كل ما يتعلق بالمخطوطة. وآن بوصفها حاضنة تحتاج الى ممارسة ، ولكن بوصفها محررة وناشرة ما كان لي ان اطمح بأفضل منها. كما يستحق بيل كامبل وفريقه في دار ماينستريم ببليشنغ Mainstream Publishing كل التقدير لموافقتهم على هذا النص في وقت ابتعد عنه ناشرون بريطانيون آخرون. وهذا تذكير في محله بأن "الاتجاه السائد" لا يعني بالضرورة اتجاها "تقليديا".
كان هناك آخرون مَنَّ الله عليّ بهم. فان بول مايكلز ساعدني على اقامة اتصالات ، وفي مجرى ذلك ، اصبح صديقا موثوقا. وأنا اعتزُ بصحبته المتألقة فكريا. والجوقة ذات القلوب الكبيرة في مركز هارت هاوس الطلابي بجامعة تورنتو وعلى رأسها مارغريت هانكوك ، وفرت لي مكتبا فاخرا ومكتبة للعمل منهما. وقد اتاح لي ما وهوبه من مكان ان انكبُّ على عملي في البحث والتنقيب مع الإبقاء على علاقتي في البيت سالمة. فشكرا هارت هاوس. أشكرُ ايضا ، على ما يبدو في ذلك من غرابة ، جهازي المحمول لاستخدام البريد الالكتروني ، بلاكبري Blackberry ، الذي سجلتُ وحفظتُ فيه ملاحظات مستفيضة وَجَدتْ طريقها الى نص الكتاب. بل اني حتى استخدمتُ جهازي هذا لكتابة مقطع نقدي لم يتحمل الانتظار الى ان أمتشقُ القلم والورق من اجل تسطيره. وفي اوقات كهذه أُهيمُ بتضافر التكنولوجيا والايمان.
رغم ان هذا الكتاب استغرق زمن حياة كاملة قبل ان يختمر فلم يكن لدي سوى عام لكتابته. وبمثل هذا الجدول الزمني الضيق اسهم كثيرون بسقطهم. فان فال روس وجون بيرس وكندال اندرسن ساعدوني على تشذيب الافكار من لحظة الانطلاق الاولى. ونشأ طابور دولي من المشاركين في مجال البحث ـ والذين تطوروا الى مساعدين هم سمارة حبيب وكارولين فيرنانديز وميكي سيراك. وكانت معونة ريك ماثيوز وصموئيل سيغيف كبيرة في تدقيق الحقائق. وان مداخلات فرانك كلارك واماندا ساسمان ولينساي هندرسن حققت لي لقاءات هامة في حين ان النقاشات المحتدمة مع جيرالدين شيرمان وروبرت فولفورد وانا بورتر وانا مورغان واماتزيا بارام ودوغ سوندرز ودون حبيبي وطارق ونرجس فتاح قادتني الى معارف هامة. ( ينبغي ان أُشير الى ان الزوجين فتاح يختلفان تماما مع وجهة النظر التي ابديتها عن فلسطين وكذلك مع ما أُوجهه من اتهام بوجود تواطؤ اسلامي مع الهولوكسوت ( المحرقة). ويفضي هذا الى سبب آخر للتعبير عن شكري لهما ـ على عدم سماحهما للاختلاف الحاد بأن يُفسد في الود قضية ). كما كان مهما في ثقافتي ، عملي مع منافذ اعلامية مختلفة بينها غلوب اند ميل Globe and Mail وستي تي في Citytv وماكلينز Maclean’s وفيشن تي في Vision TV وناشنال بوست National Post وغلوبال تي في
Global TV وهيئة الارسال الكندية وهورايزونز Horizons وفي المقام الاول تي في اونتاريو TVOntario حيث للأفكار الكبيرة أهميتها.
ان الدعم الذي ابداه الاصدقاء في لحظات هبوط المعنويات هو ما أُثمنه أعظم تثمين. وفي هذا المجال أخصُّ بالذكر سمانثا هايوود وادريانا سالفيا واندرو فيدوسوف وميشال لامورو ومايكل سافج وعصبة بوشكونغ لايك. اما الذين لا يجدون اسماءهم في هذه القائمة المختصرة فبامكانهم التعويل على وجبة عشاء على حسابي ( لم اذكر إلا أكثر الاصدقاء بذخا لكي لا ينتهي بي المطاف الى الافلاس ). وبمناسبة الحديث عن تفادي الافلاس فمنِّي اعمق التقدير لوكيل اعمالي مايكل لايفاين وساعده الأيمن ، ماكسين كوينغلي.
وأخيرا بودي ان اشكر والدتي على تحليها بالصلابة. فهي على الرغم من كونها مسلمة مؤمنة لم تطلب مني قط العدول عن تأليف هذا الكتاب. ولكنها حذرتني من إغضاب الله. وفي عصر ذات يوم فيما كنا أنا وهي نحضر مجلس العزاء بوفاة قريب قالت لي أن اتوجه بالسلام الى إمامها الذي حضر جوا للمناسبة. مددتُ له يدي تحيةً. لم يرفض الإمام ملامسة يدي فحسب بل رفض حتى الاعتراف بوجودها. وعندما سألتُه عن السبب تذرع بوجود "أحكام". اقترحتُ ان الانسانية ينبغي ان تكون لها اولوية اعلى من الالتزام بـ "أحكام". وشهقت امي لدى سماعها ذلك محذرة ، "رجائي انكِ لم تكوني فظة معه!" أُماه ، سواء أكنتُ "فظة" معه أو لم أكن في الصفحات السابقة ـ وأنت وحدك قادرة على الحكم بنفسك ـ فاني اطلبُ منكِ شيئا واحدا: ارجوك ان لا تخلطي بين إغضاب أئمة وإغضاب الله.
هاجرتْ عائلتي الى الغرب شأنها شأن ملايين المسلمين خلال السنوات الأربعين الماضية. وفي عام 1972 وصلنا الى ريتشموند ، وهي ضاحية من ضواحي الطبقة الوسطى في فانكوفر بمقاطعة بريتش كولومبيا. كنتُ في الرابعة من العمر. وفي الفترة الواقعة بين 1971 و1973 كان الوف من مسلمي جنوب آسيا غادروا اوغندا هربا بعدما أعلن الدكتاتور العسكري الجنرال عيدي أمين دادا أن افريقيا للسود. وأُمهل ذوي البشرة السمراء منا أسابيع لا أكثر للرحيل أو مواجهة الموت. وكان مسلمون قد أمضوا أعمارهم في شرق افريقيا بفضل البريطانيين الذين جاءوا بنا من جنوب آسيا للمساعدة في مد خطوط السكة الحديد في مستعمراتهم الأفريقية. وبعد أجيال قليلة ارتقى كثير من المسلمين الى مصاف التجار الموسورين. وكان والدي وأشقاؤه يديرون وكالة لبيع سيارات مرسيدس بنز قرب كمبالا مستثمرين الحراك الطبقي الذي اورثه البريطانيون لنا لكننا ، من جهتنا ، لم نمنحه للسكان الأصليين من السود الذين كانوا يشتغلون عندنا.
كان مسلمو شرق أفريقيا ، في الغالب ، يعاملون السود معاملة العبيد. وأذكرُ أن والدي كان يضرب خادمنا توماسي ضربا مبرحا حتى وَسْمِ اطرافه الفاحمة برضوض لامعة. ورغم أننا ، أنا وشقيقتيَّ وأمي ، كنا نحب توماسي فنحن أيضا كُنا نُعاقَب بالضرب إذا ما ضبطنا والدي نضمِّد اصاباته. كنتُ أعلم أن هذا يحدث في الكثير من بيوت المسلمين الأخرى ، وأن هذه العبودية استمرت زمنا طويلا بعد رحيل عائلتي. ولهذا السبب رفضتُ في سن المراهقة فرصة القيام بزيارة اقارب لي في شرق افريقيا. وحذرتُ والدتي قائلة: "إذا ذهبتُ معكِ تعرفين أنه سيتعين عليّ أن أسأل عماتَكِ وأعمامكِ السمان لماذا هم عمليا يستعبدون خدمهم".
كانت والدتي تريد ان تكون الزيارة توديعا للمسنين من ذوي القربى وليست حملة من اجل حقوق الانسان. ولتفادي إحراجها لم ارافقها في رحلتها خارج الوطن.
في غياب أمي أمعنتُ التفكير في ما يعني أن يكون المرء في "وطنه" فقررتُ أن الوطن حيث تكون كرامتي محفوظة وليس بالضرورة حيث نشأ أجدادي. وعندها أدركتُ لماذا إجتاحت القارة التي ولدتُ فيها حمى القومية الأفريقية ما بعد الحقبة الاستعمارية ممثلة بشعار "أفريقيا للسود!". فنحن المسلمين جعلنا الكرامة أمرا صعب المنال على مَنْ بشرتهم اكثر سمارا من بشرتنا. وقد عمدنا الى إستغلال السكان الأفارقة الأصليين أبشع استغلال. وأرجوكم أن لا تقولوا لي أننا تعلمنا القسوة الاستعمارية من البريطانيين لأن على هذا يترتب السؤال: لماذا لم نتعلم منهم أيضا أن نفسح في المجال للسود من ذوي المبادرات الفردية في عالم الأعمال مثلما فعل البريطانيون معنا؟ أنا لا أعتذر عما تلحقه فكرة امتلاك عبد بإسم توماسي من إساءة. واني لواثقة من أن غالبيتكم ايضا يناهضون العبودية. ولكن الإسلام لم يكن هو الذي ربَّى فيَّ الإيمان بكرامة الفرد بل البيئة الديمقراطية التي هاجرنا اليها أنا وعائلتي: ريتشموند حيث يمكن الأخذ حتى بيد طفلة مسلمة صغيرة ـ ولا أعني طلب يدها للزواج. دعوني أوضح.
بعد عامين على استقرار عائلتي اكتشف والدي توافر خدمات مجانية للعناية بالاطفال أثناء غياب الوالدين ، في كنيسة روز اوف شارون المعمدانية
Rose of Sharon Baptist Church ( ما أن تقول كلمة "مجانا" للمهاجر حتى تتراجع الإنتماءات الدينية الى موقع ثانوي امام الصفقة المتاحة في اليد ). وكل اسبوع عندما كانت والدتي تغادر المنزل لبيع منتجات "ايفون" بالطواف على البيوت كان والدي الذي لا يكن حبا كبيرا للأطفال ، يترك صغاره في الكنيسة. وهناك كانت السيدة الجنوب آسيوية المشرفة على دراسة الكتاب المقدس تبدي من الصبر معي ومع شقيقتي الأكبر سنا ما تبديه مع ابنها الذي من دمها ولحمها.
وهي التي غرست فيّ القناعة بأن اسئلتي كانت جديرة بأن تُسأل. وبديهي ان الأسئلة التي كنتُ اطرحها طفلةً في السابعة من العمر ما كان لها إلا ان تكون أسلئة بسيطة. من أين أتى المسيح؟ متى عاش؟ ماذا كان يشتغل؟ ممَّ تزوج؟ هذه الأسئلة لم تضع أحدا في مأزق ، ولكن مقصدي ان فعل السؤال ـ ثم السؤال ـ كان دائما يلقى ابتسامة أخَّاذة.
لعل هذا هو الحافز وراء فوزي ، في الثامنة من العمر ، بجائزة "أفضل المسيحيين الواعدين لهذا العام". وكانت جائزتي: طبعة مصورة بألوان زاهية لمائة قصة وقصة من الكتاب المقدس. أنظرُ الى الماضي الآن وأحمدُ الله أن المطاف انتهى بي في عالم لا يتعين أن يكون القرآن كتابي الأول والأوحد فيه ، كأنه الغذاء الروحي الوحيد الذي تقدمه الحياة الى المؤمنين. زد على ذلك ان طبعة الـ 101 قصة من الكتاب المقدس سحرتني بصورها. كيف ستبدو 101 قصة من القرآن؟ في حينه لم أرَ شيئا من هذا القبيل. واليوم ليس هناك شح في كتب الأطفال التي تتناول الإسلام ، بما فيها كتاب "حرف الألف مفتاح لكلمة الله"(1) من تأليف يوسف إسلام ( المعروف سابقا باسم كات ستيفينز Cat Stevens ). فالمجتمعات الحرة تتيح اعادة اختراع الذات وتَطوُّر الديانات.
بعد فترة وجيزة على فوزي بلقب "أفضل المسيحيين الواعدين" ، اقتلعني والدي من الكنيسة. فان مدرسة دينية اسلامية جديدة ستُفتَح قريبا. وهذه المتشاطرة الصغيرة لا تستطيع الانتظار. وقياسا على تجربتي في مدرسة ايام الأحد ستكون المدرسة الإسلامية مسلِّية ، أو هكذا افترضتُ ببراءة.
في غضون ذلك كان عالمي الجديد ينمو مع نموي. فقد افتُتح مجمع ضخم من الأسواق التجارية سيكون له دور محوري في تربيتي كمسلمة. انه مجمع لانزداون سنتر Lansdowne Centre وسرعان ما كانت الأسماء المتألقة على
اليافطات الخارجية لمؤسسي ريتشموند من الاسكتلنديين ـ أمثال بريغهاوس Brighouse وماكنير McNair وبرنت Burnett وستيفنسن Stevenson تتزاحم من أجل لفت الانتباه مع كلمات باللغات الهندية والبنجابية والاوردية والصينية بشقيها الماندارن والكانتونية ، والكورية واليابانية. كانت هذه اللغات تغطي داخل مركز ابردين Aberdeen Centre الذي شُيد بعد سنوات واعتُبر "أكبر مجمع أسواق آسيوي مغلق في أميركا الشمالية"(2).
قبل ذلك بزمن طويل كنتُ توصلتُ الى أن مكانا مثل ريتشموند يمكن أن يحتضن عمليا كل من يبدي روح مبادرة. ففي الصف العاشر رشحتُ لرئاسة الاتحاد الطلابي في مدرسة جي. أن. برنت الثانوية
J. N. Burnett Junior Secondary School. وقبل ذلك بعام كنتُ قد فشلتُ في محاولتي لأكون ممثلة طلاب الصف حيث أدلى بالصوت الحاسم ضدي مشاغب قذر لا يريد أن تكون "نكرة من باكستان" Paki مسؤولة صفِّه. بعد عام لا أكثر قرر غالبية الطلاب في المدرسة برمتها ان تكون هذه "النكرة من باكستان" قائدتهم المنتخَبَة حسب الأصول. في ريتشموند لم يكن على العنصرية أن تطوُّق طموحاتي اكثر مما كان على العرق نفسه أن يحدد هويتي.
بعد أشهر قليلة على انتخابي رئيسة للمنظمة الطلابية كان نائب مدير مدرستي ماراً بالخزانة التي احفظ فيها متعلقاتي فتوقف مذهولا عندما لمح ملصقا للثوار الايرانيين وضعتُه داخل الخزانة. كان الملصق الذي أرسله عمُّ لي في فرنسا يصوُّر نساء ملحفات بالشادور الأسود وهن يحطمن جناحي طائرة رُسم على الجناح الأيسر منها شعار المطرقة والمنجل السوفياتي وعلى الجناح الأيمن خطوط العلم الأميركي ونجومه.
حذرني نائب المدير قائلا "أن هذا ليس لائقا. أنزليه".
أشرتُ الى الخزانة المجاورة التي كان علم أميركي يتدلى منها وسألتُ "إذا كان بمقدور هذه الفتاة ان تعبر عن رأيها علنا لماذا ليس بمقدوري أنا أن افعل ذلك؟"
أجاب نائب المدير: "لأنك تحطِّين من قيمنا الديمقراطية. وبوصفِكِ رئيسة الطلاب كافة عليكِ أن تكوني أكثر حكمة من أن تفعلي ذلك".
أعترف بأني لم أدرك ان نظام آية الله الخميني كان يَقْطُرُ توتاليتارية. لم أكن على إطلاع كافٍ. فانا إذ أغوتني الدعاية من جهة والاعتزاز بالحياة في مجتمع حر من الجهة الأخرى ، أردتُ أن أُنادي بتنوع الآراء لكي لا تحجب ألوان العلم الأميركي ما هناك من ألوان أخرى. تلكم كانت مُحاجَّتي. "أأنا الذي يحطُّ من الديمقراطية؟ كيف يكون دعمكم للديمقراطية بأن تقولوا لي ان ليس في امكاني التعبير عن موقفي ولكن "سواي يمكن لهم" ، مشيرة الى الخزانة الملفوفة بالعلم"؟
كنا نحدق في وجه أحدنا الآخر. قال نائب المدير ، "إنكِ تقدِّمين مثلا سيئا". ثم شدَّ جذعه ومضى في سبيله.
لابد من الاعتراف له بفضل السماح لتنوع الآراء بالبقاء والاستمرار في مدرسة برنت الثانوية. ومما يزيد الاعجاب به انه من معتنقي المسيحية الانجيلية. وهو لم يخفِ معتقداته الشخصية لكنه ما كان ليفرضها على الطلاب ـ ليس حين كانت رئيسة المجلس الطلابي تبدو من مؤازري ثيوقراطية الخميني ، ولا حتى عندما تحرك الطلاب مطالبين بأزياء مدرسية تكشف من السيقان أكثر مما كان في نظره معقولا. وبعد نقاش ساخن معنا وبعض المماطلات المتعمدة استراتيجيا رضخ لمطلب الزي القصير حانقا لكنه حافظ على احترامه لإرادة الجماهير. كم من المتزمتين المسلمين تعرفون سيتخذون موقفا متسامحا مع التعبير عن وجهات نظر تكدِّر نفوسهم؟ بالطبع كان على نائب مدير مدرستي أن يتراجع عن موقفه
ملتزما بنظام المدارس الحكومية ولكن مثل هذا النظام لا يمكن أن ينهض إلا نتيجة إجماع على أن البشر على اختلاف معتقداتهم وأصولهم وتطلعاتهم ومواقعهم ينبغي ان يتباروا مع بعضهم بعضا. فكم من البلدان المسلمة تطيق مثل هذا التنافس؟
يا إلهي كم أحببتُ هذا المجتمع. أحببتُ فيه أنه كان يبدو في بحث دائم عن اجابات نهائية لا علم لأحد بها بعد ـ إن كانت هناك إجابات كهذه. أحببتُ فيه أن لمساهمات الأفراد أهميتها في عالم لا يني يتجدد.
ولكن في البيت كانت قبضة والدي الجاهزة دوما تتكفل بطاعة اسرته لقواعد منزلية اعتباطية. لا تضحك عند تناول الشعاء. عندما اسرق مدخراتك تخرس أنت. عندما أركل عجيزتك تذكَّر أن الركلة ستكون أقسى في المرة القادمة. عندما أنهال على أمك بالضرب لا تطلب الشرطة. وإذا جاءوا سأقنعهم بالعودة أدراجهم وانتم تعلمون ان هذا ما سيفعلون. وما أن يغادروا سأقلع أذنك. وإذا هددت بإخطار الخدمات الاجتماعية سأبتر الأذن الأخرى.
المرة التي طاردني فيها والدي بسكين حول الدار أفلحتُ في القفز من نافذة غرفتي والمبيت على السطح. لم تكن لدى أمي فكرة عن حالي لأن نوبة عملها لدى شركة طيران لم تكن تنتهي إلا في الساعات الأولى من الصباح. سيِّان ، فأنا لستُ متأكدة من أني كنتُ سأزحف نازلة نتيجة وعد لي منها بالأمان. كنتُ أحب السطح للسبب نفسه الذي دفعني الى حب مدرستي وكنيسة روز شارون المعمدانية ، وبعد سنوات ، مجمَّع اسواق ابردين سنتر. فهي نوافذي التي كنتُ أطل منهاُ على عالم من الاحتمالات المفتوحة. في عالم مسلمي شرق أفريقيا الذي تحدرتُ منه هل كان مباحا لي أن أحلم بتعليم رسمي؟ بالحصول على منحة دراسية؟ بالمشاركة في منافسات سياسية ، ناهيكم عن تولي منصب من جرائها؟ بناء على الصور الفوتوغرافية المحبَّبة بالابيض والأسود التي أظهر فيها وأنا في سن الثالثة
ألعب متقمصةً دور العروس ، رأسها مبرقع ، ويداها معقودتان ، وعيناها خفيضتان وساقاها متدليتان من الأريكة ، لا أملكُ سوى التهكن بأن تراتبية لا هوادة فيها كانت ستكون مآلي لو بقيتُ داخل أسوار اوغندا المسلمة. ما رأيكم في مثل هذا الفهم العميق لما هو بديهي؟
السؤال الأكبر هو لماذا كانت الأوتوقراطية خيار المدرسة الدينية الإسلامية في ريتشموند ، التي فتحها مهاجرون في بلاد الحقوق والحريات هذه؟ فمن سن التاسعة حتى سن الرابعة عشرة أمضيتُ كل يوم سبت في تلك المدرسة. كانت الحصص تُنظَّم في الدور العلوي لجامع حديث البناء أشبه ببيت ضخم من بيوت الضواحي منه بالعمارة الشرق اوسطية. ولكن في الداخل كان الإسلام المتزمت هو السائد في كل ركن. كان الرجال والنساء يدخلون الجامع من بابين مختلفين ويتخذون أماكنهم على الجانب المحدَّد لكل جنس من جدار أصم يشطر المبنى الى نصفين يُحجَر فيهما كلا الجنسين خلال التعبد. وشُيد في هذا الجدار باب يربط جانبي الرجال والنساء. كانت لهذا منافع عملية بعد أداء الشعائر عندما يطالب الرجال بمزيد من الطعام الذي يُعد في المطبخ الجماعي وذلك بمد صحونهم من خلال الباب ثم الطرق على الجدار والانتظار لحظات لا أكثر قبل ان تمتد ذراع امرأة مقدِّمة الصحون عامرة من جديد بالأكل. في الجامع لم يتعين ذات يوم على الرجال أن يروا النساء ، ولم يتعين ذات يوم على النساء أن يكنَّ مرئيات. وإذا كان هذا لا يعني الحكم علينا بحياة بائسة فثمة شيء كبير لا افقهه.
كانت المدرسة الدينية الإسلامية في الدور العلوي بديكورها الكئيب من البُسط ذات اللون البني الكابي والمصابيح الفلورية المشعة والحواجز المتنقلة التي تفصل البنات عن البنين. وحيثما كان الصف يلتئم بتلاميذه وتلميذاته في فضاء تلك الغرفة الفسيح كان حاجز يُنقل معهم. الأسوأ من ذلك كان الحاجز بين العقل والروح. وفي دروس يوم السبت التي كنتُ أحضرها تعلمتُ أن مَنْ كان روحانيا
لا يفكر وإذا فكر فهو ليس روحانيا. وقد اصطدمت هذه المعادلة التبسيطية بما في داخلي من فضول منعش كانت ريتشموند تداريه. سمُّوه صِدام الحضارات الذي كان يعتمل في نفسي.
الحل لم يكن الإقرار ببساطة بأن هناك عالما علمانيا وآخر غير علماني ، وان لكل منهما طُرُقَه في التعبير عن كينونته. فعملا بهذا المنطق كان على كنيسة روز اوف شارون المعمدانية ، اللاعلمانية قطعا ، أن تقمع ما لدي من اسئلة ولكن بدلا من ذلك كان فضولي مدعاة لإطرائي. وفي مدرسة برنت الثانوية ، وهي مدرسة علمانية ، كانت اسئلتي تصعِّد دم نائب مدير مدرستي الى درجة الغليان ولكن أحدا لم يعمد الى إسكاتي. ففي المكانين على السواء كانت السيادة لكرامة الفرد. تلك لم تكن هي الحال في المدرسة الدينية الإسلامية. فقد دخلتُ مبنى المدرسة وأنا ارتدي شادورا أبيض من البوليستر وغادرتُ بعد ساعات وشعري مكبوس وروحي مسحوقة كأن مانع الحمل الرجالي العملاق الذي غطيتُ به رأسي حصَّنني على الوجه المطلوب ضد أي نشاط فكري "غير مأمون".
قبل أن أنشرُ مزيدا من الغسيل دعوني أخصُّ بشيء من الإنصاف معلمي في المدرسة الدينية الذي سنطلق عليه اسم "السيد خاكي". فقد كان مسلما مؤمنا بحق. وكان هذا الأخ النحيل ذو اللحية المشذبة بدقة ( تعبيرا عن الطهارة) والسيارة من طراز "هوندا ميني كومبامت" ( إشارة الى التواضع ) يتبرع بخدماته في نهاية كل كل اسبوع ( دليلا على الصَدَقة ) لتسليح اطفال المهاجرين المسلمين بتربية دينية من دونها سيقعون ضحيةً لإباحية القيم في بلد متعدد الثقافات. وما هذه بالمهمة السهلة لأن المدرسة الدينية كانت تجتذب تلاميذ من كل الفئات العمرية: يافعون شديدو الوعي بذاتهم ، يصارعون حبَ الشباب ، ونماذج مقهقهة ، تحتمي بدورة المياه ، ومراهقون نبتت عليهم شوارب ـ وهؤلاء هم البنات فقط. كلا فإني امزح....بشكل ما.
غالبيتنا كانت تنظر الى المدرسة لا بوصفها مكانا لطلب العلم بقدر ما كانت بركة لاصطياد مَنْ سيكونوا اصحابنا لاحقا. ولأن البنات ذوات اللسان الطويل لن يُكتب لهن الزواج فان صديقاتي نادرا ما كنَّ يجادلن السيد خاكي. فماذا كانت مشكلتي؟ ألم أكن أريد الزواج ذات يوم؟
لا تستفزوني. كانت مشكلتي الآتي: إذ كنتُ مفتونة بذلك العالم متعدد الألوان خارج المدرسة الدينية فقد أصريتُ على التعلم لا التمذهب.
بدأت المتاعب مع "اعرف اسلامَك" Know Your Islam ، وهو كتاب ابتدائي كنتُ احشوه في حقيبتي المدرسية كل اسبوع. وبعد قراءته كنتُ بحاجة الى أن أعرف المزيد عن إسلامـ"ي". لماذا يتعين على الفتيات أن يلتفتن الى أساسيات مثل الصلاة خمس مرات في اليوم ، في عمر أبكر من الأولاد؟. لأن البنات ، كما أخبرني السيد خاكي ، ينضجن في وقت أسرع. وهن يبلغن "السن الإلزامي" للممارسة في التاسعة بالمقارنة مع سن الثالثة عشرة للأولاد.
سألتُ ، "إذاً ، لماذا لا نُكافأ نحن البنات على نضجنا هذا بالسماح لنا بإمامة الصلاة؟"
"لا يمكن للبنات أن يَئمَّن الصلاة"
"ماذا تعني؟"
"ليس مسموحا للبنات".
"لمَ لا؟"
"الله يقول ذلك".
"ما هي أسبابه؟"
"اقرأي القرآن".
حاولتُ القرآءة رغم الإحساس بالافتعال لأني لا أعرف العربية. هل اراكم تهزون رؤوسكم؟ غالبية المسلمين ليس لديهم أدنى فكرة عما نقول عندما نتلو القرآن بالعربية. وليس السبب أننا أغبياء بل لأن العربية واحدة من أكثر لغات العالم موسيقية ، والدروس الأسبوعية في المدرسة الدينية لا تتيح لنا استيعاب خفاياها. فان كلمة "حرام" مثلا يمكن أن تُشير الى شيء محرَّم أو "الحَرَم" بمعنى الشيء المقدس حسب التشديد على حرف الراء. المحرَّم في مواجهة الحرَم: ان الحديث لا يجري هنا عن تحولات دقيقة في المعنى. اضيفوا الى التحديات المتأصلة في هذه اللغة حقائق الحياة. وهي في حالتي أب عنيف يمارس الدين من باب المظاهر في الغالب وأم تفعل ما بوسعها لأن تكون تقية فيما هي تسعى الى إعالة الأسرة بالعمل في نوبات. ولكم أن تقدروا لماذا تخلفتْ دراسة العربية عن أن تكون من أولويات العائلة. وبصراحة فان رد السيد خاكي المبتذَل على اسئلتي ـ اقرأي القرآن ـ كان مهلهلا مثله مثل شعري المستور بالشادور.
بمرور الزمن تمخض هذا الرد بأن أقرأ القرآن عن مزيد من الاسئلة: لماذا عليّ أن اواصل اكذوبة قراءة القرآن إذا لم تكن هذه القرآءة ذات معنى عملي ولا تلامس أي وتر عاطفي؟ لماذا يجب ان نرتاب ظنا بأن كل ترجمة انجليزية للقرآن "تُفسد" النص الأصلي؟ قصدي أنه إذا كان القرآن كتابا مفتوحا كما يقول لنا الصفائيون فلماذا لا تُترجَم تعاليمه بسهولة الى ألف لسان آخر؟ وأخيرا ، لماذا تلاحق الوصمة الذين لم يُفطموا منا على العربية رغم الحقيقة الماثلة في أن العرب يشكلون 13 في المائة فقط من مسلمي العالم؟ ويعني هذا أن 87 في المائة منا ليسوا عربا. "أعرف إسلامَك" ، كما يقولون بكل خفة. إسلام مَنْ؟ أهذه ديانة أم باطنية؟
حسنا ، لنتوقف برهة.
لنأخذ سؤالي الأصلي الى السيد خاكي: لماذ لا يمكن للفتيات أن يئمَّن الصلاة؟ لقد حاولتُ استطلاع مكتبة المدرسة الدينية معتقدة بأن إجابة القرآن ستكون مكرَّرة في كتاب آخر يعينني على اكتساب ذرة من الفهم. ولكن اتضح ان ارتياد المكتبة رحلة محفوفة بالأهوال. إذ كانت المكتبة سلسلة من الرفوف تقع في نهاية السلَّم على الجانب المخصص للرجال من الجامع ـ الجانب المحظور على السيدات من دون موافقة مسبقة. ولأني كنتُ في الحادية عشرة وفي "السن الإلزامي" ، لم يكن بمقدوري التخالط مع ذكور بالغين فكان علي أن أُقنع صبيا قاصرا ـ في الثانية عشرة أو اصغر ـ للصعود نيابة عني واستحصال موافقة تجيز لي تصفح الكتب في أي وقت. وعلى افتراض حصولي على الضوء الأخضر فقد كان على جميع الرجال ان يغادروا المكان قبل أن أتمكن من صعود الدرج وتقليب مجموعة الكراسات الرخيصة المرصوفة على الرفوف. كان وقتي ، بالطبع ، محدَّدا بصرامة لأن الرجال ينتظرون العودة الى فضائهم. أفلحتُ في استعارة بعض الكراسات كل مرة ولكن مضامينها كانت أقرب الى الطلاسم ، ولا أدري في أي مدرسة تعلَّم مؤلفوها. عامان من المراوغة داخل الجامع اثبتا عدم جدواهما. وفي سن الثالثة عشرة أدركتُ ان عليّ الإلتفاف على السيد خاكي والمدرسة الدينية للتوصل الى إجابة عن سؤالي.
أصبحتُ من القوارض المقيمة في مجمع الأسواق التجارية. مهمتي؟ اقتفاء نسخة من القرآن باللغة الانجليزية. وكان مجمع لانزداون بمستوى المهمة ، فبارك الله سوق المعتقدات في مدينتي. لعل حرية المعلومات كانت ستخيف السيد خاكي ولكن هذه الحرية على وجه التحديد هي التي اتاحت لواحدة من تلاميذه أن تعثر على معنى أكبر في دينها ـ معنى ما كانت المدرسة الدينية لتقدمه.
ماذا تعلمتُ عن السبب في عدم تمكن الفتيات من أن يئمَّن الصلاة؟ لا استطيع أن اقول لكم الآن ، لأنه حتى إذا قدم الملالي ومعلمو المدرسة الدينية إجابات تبسيطية فان القرآن لا يقدم مثل هذه الاجابات. ما أستطيع ان اقوله لكم هو أني ما بين الانتخابات والبروفات المسرحية والوظائف التي عملتُ فيها ساعات محدودة وتمارين الكرة الطائرة ـ حتى دخولي الجامعة وأثناء دراستي الجامعية وبعد التخرج من الجامعة ـ درستُ كتاب الله وفي ذهني "مسألة المرأة" على رأس كل الأفكار. وأنا ما زلتُ أقرأ. ولكن الكشف عما خلصتُ اليه في هذه المرحلة سيكون قفزة الى حياتي بعد سن البلوغ. وعليَّ ، اولا ، ان أتناول شيئا آخر.
اليهود. انه السؤال الآخر الذي كان يقلقني خلال سنواتي في المدرسة الدينية لأن اليهود كانوا هدفا ثابتا للذم. كان السيد خاكي يعلّمنا والجدُّ باد على محيّاه أن اليهود يعبدون المال ولا يعبدون الله ، وان وثنيتهم ستلوث ايماني إذا خالطتهم. فتساءلتُ أي كوكب هذا الذي يسكنه السيد خاكي؟ أكان يتعمد العمى عما يحيط بنا؟ فان ريتشموند ، وهي ضاحية تحت مستوى البحر ، كان احتمال غرقها في محيط من نفوذ الآسيويين التجاري أكبر من انهيارها تحت أي جبل من المال الذي يمكن ان يكدِّسه اليهود. وإذا كان في ريتشموند معبد يهودي واحد وقتذاك فأنا لم أكن على علم به.
ولكن من جهة اخرى ربما كنتُ عميلة من عملاء سطوتهم الشبحية لأني أفلحتُ بكل تأكيد في تعطيل دروس التاريخ التي كان السيد خاكي يعطيها بعاطفة متقدة من خلال طرحي أسئلة عن اليهود. وأذكر سؤالي لماذا كان النبي محمد سيأمر جيشه بإبادة قبيلة يهودية عن بكرة أبيها في حين المفروض ان القرآن نزل عليه رسالةً من أجل السلام. السيد خاكي لم يعد قادرا على التحمل فرمقني بنظرة ازدراء ولوَّح بيده علامة انزعاج ثم أوقف درس التاريخ للانتقال الى دراسة القرآن. ما كان هذا ليحدث لولا الحاحي بالسؤال.
بعد عام على شراء نسختي الانجليزية من القرآن وصلنا أنا والسيد خاكي الى طريق مسدود. إذ ما من شيء قرأته حتى ذلك الوقت أقنعني بوجود مؤامرة يهودية. أعترف بأن عاما فترة بالكاد تكفي لهضم القرآن ، وفي سن الرابعة عشرة لا يزال ثمة الكثير من النضج العقلي الذي يتعين بلوغه. ولم يكن بوسعي تماما صرف محاضرات السيد خاكي في معاداة السامية. فمن أنا حتى أحكم بأن الهراء ينز من كل مساماته قبل ان تتوافر عندي كل الأدلة؟ لذا تحديتَه أن يقدم برهانا على المؤامرة اليهودية. ولكن ما قدمه كان انذارا نهائيا: اما أن اصدِّق أو أُغادر المكان ، وإذا غادرتُ فهي مغادرة بلا رجعة.
أحقا ذلك؟ أهذه هي النهاية؟
هذه هي النهاية.
نهضتُ والدم يغلي في عروقي والعرق يتصبب من رقبتي تحت الشادور الذي يسبب الحكة لخشونة قماشته المصنوعة من مادة البولستر. وحين اجتزتُ الخط الفاصل عند الحاجز كان بمقدوري ان أكشف عن رأسي ليراه جميع الصبيان ولكني لم أرد المجازفة بالتعرض الى مهانة الطرد على يد السيد خاكي الذي كان حتى أكثر مني تأثرا بالفضيحة. كل ما استطعتُ التفكير في عمله هو فتح باب المدرسة الدينية الحديد ، الثقيل ، والصراخ ، "بحق اليسوع المسيح!". مغادرة مشهودة على ما كنتُ آمل. ولم أدرك كم كانت مشهودة إلا لاحقا. فقد كان المسيح يهوديا!
أتتساءلون لماذا ، بعد طردي من المدرسة الدينية ، لم ألعن الدين كله وأمضي الى الاحتفاء بروحي الشمال اميركية "المعتوقة"؟ من ضمن الأسباب أن حُكم الهوية
فَعَلَ مفعوله. وأنتم تعرفون ما أقصده. فان غالبيتنا نحن المسلمين لسنا مسلمين لأننا نفكر في الأمر بل لأننا نولد هكذا. والسؤال هو "مَنْ نكون!
نهاية أيامي في المدرسة الدينية أحرجتْ والدتي ولكنها عاشت معي زمنا أطول من ان يؤدي بها الى الاعتقاد أن بامكانها أن تأمرني بالخنوع طلبا للمغفرة من السيد خاكي. كان ذلك غير وارد بالمرة. ولا هي أكرهتني على الذهاب الى الجامع معها. ولكن لمدة عامين من الزمن كنتُ في الحقيقة اتردد على الجامع. فلقد كان المكان الوحيد الذي ظل مفتوحا لي على خريطة إسلامي الهش. أحببتُ الله ولم أكن بصدد تحميل الجامع وزر خطايا المدرسة الدينية ـ حتى توصلتُ شيئا فشيء الى الادراك بأن المدرسة الدينية التي أمقتها هي امتداد للجامع. ولعل التردد على الجامع أتاح لي تحديد هويتي كمسلمة ولكنه اجبرني ايضا على التضحية بذلك الجزء الذي لا يقل قدسية من هويتي: الانسان المفكر.
دعوني أروي لكم حكاية أخرى. فان من اركان الإسلام الخمسة ، الزكاة. لذا ساد الجو ذات مساء همس من الاستحسان عندما أعلن المكبر على الجانب المخصص للنساء من الجامع ، هاتفا بصوت الملا على الجانب المخصص للرجال ، عن تنظيم حملة لجمع التبرعات من أجل اخوتنا المسلمين وأخواتنا المسلمات في الخارج. وكان علينا إعداد الشيكات في غضون أيام قليلة. وخلال تلك الفترة سألتُ عضوا في فريق السيدات المساعدات أين ستذهب هذه التبرعات. فذكرت لي منظمة إسلامية ذات اسم كلاسيكي ثقيل. سألتُها لأي غرض سوف تُستخدَم الأموال فأجابت لإطعام اخوتنا واخواتنا المسلمين. وإذ تذكرتُ تقارير تلفزيونية عن اتهامات بالاحتيال وُجهت الى منظمات خيرية مسيحية سألتُ كيف نعرف ان التبرعات ستؤول الى الجهة التي نقصدها. فردت بنزق ، "انها ستذهب الى المسلمين وهذا كل ما تحتاجين الى معرفته".
هل تصدِّقون؟ أنا لم أُصدِّق. خلافي لم يكن مع الزكاة وانما مع اكتناز المعلومات. لماذا أشعرُ بالاطمئنان لمجرد أن اشخاصا يسمُّون أنفسهم مسلمين سيتلقون تبرعاتي؟ هل أن كل مسلم يعمل من أجل المعروف بحكم كونه مسلما؟ يا له من ايمان. أين هي الجريمة في استفساراتي؟ أم أن الاستفسارات نفسها هي الجريمة؟ والدتي المحاصرة لم تبدُ في صدمة تماما عندما شرحتُ بأني لم استطع الإسهام في تبرع العائلة لأنه مَنْ ذا الذي يكترث في الواقع أي ديانة يعتنقها الجائع ، فضلا عن احتراسي من تمرير مشروع الحملة علينا. قلتُ ان صَدَقاتي ستذهب بدلا من ذلك الى منظمة خيرية غير دينية سأتحرى عن مصداقيتها
كلما شعرتُ بأن الجامع أقرب الى المدرسة الدينية تناقص ترددي عليه. وبدأتُ في تفكيك مركزية ديانتي منميَّة علاقة شخصية مع الله عوضا عن الافتراض بوجد واسطة بيني وبينه من خلال الجماعة. وبهذه الروح رحتُ أصلي بتوحد راكعة بمفردي (3). كل يوم على امتداد سنوات كنتُ استيقظ في ساعة مبكرة واقصد مرتجفة غرفة حمام بلا تدفئة ـ والدتي اللاجئة كانت تؤمن بوجود فواتير منخفضة بقدر ايمانها بوجود قوة عليا. وبعد الوضوء كنتُ افرش سجادتي المخملية وأصوّبها باتجاه مكة وأضع التربة العربية التي ستلامسها جبهتي وأقضي الدقائق العشر التالية في الصلاة. انها تمرين في بناء الانضباط لا سيما وان المرء يغتسل مرتين اخريين في اليوم ويؤدي الصلاة اربع مرات أُخر.
ولكن الممارسة كلها في غسل اجزاء موصوفة من الجسم وتلاوة آيات بعينها والجثو بزاوية لا تحتمل المساومة ، كل ذلك في أوقات محدَّدة من اليوم ، يمكن أن تنحدر الى خضوع لا يقره العقل ـ والى استسلام مكرَّس بقوة العادة. وإذا لم تروا هذا النزوع لدى الآباء أو الأجداد فانكم يا أصدقائي تنتمون الى صنف نادر من المسلمين. أدركتُ أن ما بدأ دليلا الى مخافة الله أصبح ترديدا رتيبا حملني على الاستعاضة عن "روتين" الصلاة عندي بشيء أقرب الى الوعي الذاتي:
أحاديث صريحة غير مصطنعة مع خالقي طوال اليوم. قد يبدو هذا خارجا عن المألوف ولكني استطيع على الأقل أن اقول ان تلك الكلمات كانت كلماتي أنا.
ما كان التخلي عن الإسلام جملة وتفصيلا والتبرؤ من هويتي المسلمة ليشكل تلك الطفرة الكبيرة وقتذاك. أتعرفون ما الذي منعني من الأقدم عليها؟ الوفاء للإنصاف. فلقد آمنتُ دائما بإنصاف الإسلام لأن الاستحقاق ينبغي ان تكون له أهميته ، بحسب مشاعري الغربية. وأنا كنتُ بحاجة الى اكتشاف شخصية الإسلام بدلا من مظهره. ومن باب المقارنة: عندما كنتُ في الثالثة عشرة أو نحو ذلك حضتني والدتي على أن أكون لطيفة مع قريبة لي خبيثة. علَّلت والدتي ذلك قائلة ، أنها جزء من العائلة ، انها من دمنا". وكان ردي ان قرابة الدم لا تعني شيئا عندي. وكان السؤال المناسب هو ما إذا كنتُ سأختار صداقتها في المدرسة لو لم نكن مرتبطتين بصلة قربى. ولكن هيهات مع شخصية كشخصيتها. وبذل مجهود من اجل "محبة" قريبتي سيكون تمثيلية سيئة الإخراج وأنا لدي اشياء أفضل افعلها في وقتي. ورغم ما ابدته والدتي من تفهم فانها لم توافق. إذ كانت الغلبة عندها للعائلة. أما عندي فلم يكن النَسَب معادلا للاستحاق ، بل الشخصية.
طبقتُ المعيار نفسه على الدين. وللبت في ما إذا كنتُ سأُمارس شعائر الإسلام كان علي أن اكتشف حسناته ـ أو عدمها. وكان علي ان اكتشف ذلك لنفسي مستعيضة عن الجامع وتقواه المبَرمَجة ببحثي أنا عن شخصية الإسلام. لعل القرآن حقا يجرد اليهود من انسانيتهم ويحكم على النساء بالخضوع. أو لعل السيد خاكي كان معلِّما سيئا. لعل الله يقضي بأن يكون الجميع ناطقين بالعربية. أو لعل ذلك حكم من صنع الانسان لإبقاء غالبية المسلمين تابعين لمن في الأعالي. لعل الخروج عن النص الروحي اهانة للعلي القدير. أو لعلنا نسبح بحمد الله على قواه الخلاقة عندما نستخدم قوانا نحن. ولكن بدون استقصاء البديل فان الانسحاب كان سيبدو هروبا.
النبأ الطيب هو معرفتي بأني عشتُ في رقعة من العالم أتاحت لي امكانية الاستكشاف. وبفضل الحريات المتوافرة لي في الغرب ـ ان افكر وأبحث واتكلم واتبادل واناقش واتحدى وأكون موضع تحدٍِ ، وأن اعيد التفكير ـ كنتُ مهيأة للحكم على ديني في ضوءٍ ما كنتُ لأتصوره في العالم الإسلامي المتخلف مجَسدا في المدرسة الدينية. لا ضرورة للاختيار بين الغرب والإسلام بل على العكس ، فان الغرب جعل من الممكن لي أن اختار الإسلام ، مهما كان هذا الاختيار أوليا. وكان بيد الإسلام أن يحتفظ بي في كنفه.
لم أكن مهووسة بالدين ولكن بين الفينة والأخرى كان سؤال يخطر وكنتُ ابحث عن إجابات في المكان الوحيد الذي كنتُ اعتقد بانه يمكن أن يقدم بعضا منها: المكتبة العامة في حقبة ما قبل الانترنت إبان الثمانينات ومطالع التسعينات. كان غالبية ما قرأتُ عن الإسلام ينضح بنبرة الكتب المدرسية. الكثير من المراجع والقليل من المخاطرة. ثم جاء 14 فبراير ( شباط ) ليصدر الخميني في ذلك اليوم فتواه ضد سلمان رشدي صاحب رواية "الآيات الشيطانية". فان هذه المزحة السمجة في يوم الحب ، كما قال رشدي لاحقا في وصف الفتوى ، طالبت الغربيين بأكثر من أن يحاذروا جماعيا حين يتعلق الأمر بالثيوقراطية. كثيرون في الغرب اتخذوا موقفا ضد حكم الموت الذي قضت به الفتوى ، وسأكون مخاتلةً إن أنا أنكرتُ ذلك. ولكن التعليقات التي تابعتُها في المكتبة العامة بدت قانعةً بمجرد شرح غضب المسلمين ، مبتعدة عن التساؤل ما إذا كان القرآن عفيفا ومقدسا كما أراد ان يوحي لنا به مَنْ خرجوا لإحراق دُمى تمثل الكاتب. ماذا جرى للغرب الذي وقعتُ في غرامه بما يكنه من احترام للأديان على ما فيه من لخبطة فكرية؟ هل أُصيب التعدد الثقافي بالجنون؟
بمعنى حاسم ، هذا ما أظن. وأقول ذلك لأن زيارتي للمكتبة تزامنت مع حقبة ادوارد سعيد ، المثقف العربي الأميركي الذي استخدم في عام 1979 كلمة "الاستشراق"(4) لوصف نزعة الغرب المفتَرَضة الى استعمار المسلمين بأبلَستهم في هيئة مسوخ غريبة من الشرق. وهذه نظرية لها ثقلها بكل تأكيد ولكن أليس تولي الغرب "الامبريالي" نشر كتاب سعيد وتوزيعه وتروجيه شهادة تسطِّر مجلدات لصالحه؟
في غضون عقد من الزمن كان سعيد آخر صرعة بين الشباب من الأكاديميين الذين تحولوا ناشطين في أميركا الشمالية واوروبا. وخنقت عبادتهم له ما هناك من أفكار اخرى عن الإسلام. وعندما طلع سلمان رشدي علينا بآياته الشيطانية ، وقف مريدو سعيد على أهبة الاستعداد لشجب كل ما يسيء الى مسلمي التيار السائد على أنه "استشراقي" ( اقرأ: عنصري). ومن خبرتي فان المكتبة العامة لم تنج من هذا الزمهرير.
بدأتُ استعيد إيماني بالغرب وبالإسلام على السواء في منتصف التسعينات. وأحمد الله على الانترنت في ذلك. فان هذا الشبكة إذ جعلت الرقابة الذاتية نافلة ـ كان من المحتم أن يقول غيرُك ما لن تقوله أنت ـ أضحت المكان الذي تألق فيه أخيرا مغامرو الفكر ، وأكدوا مجددا ما يجعل الغرب حاضنة أفكار لا تعرف الكلل وإن كانت قاصرة: حب الغرب للاستطلاع ، بما في ذلك استطلاع انحيازاته ذاتها. وفيما كان الناقدون يتحرَّون الإسلام ، أكتشفتُ أنا جوانب مذهلة من ديني.
كم منا يعرف الى أي حد كان الإسلام "هدية من اليهود" (5). فان وحدة خلق الله وعدالة الله المتأصلة ، والغامضة في أكثر الأحيان ، وكون حياتنا الدنيا وُجدت لغاية ، ولا نهائية الآخرة ـ هذه وغيرها من المبادئ الكبرى للديانة التوحيدية
جاءت الى المسلمين من اليهودية. وقد دوخني هذا الاكتشاف لكونه يفيد بأن لا داعي للمسلمين أن يكونوا غارقين في معاداة السامية ، بل أن لدينا سببا للامتنان الى اليهود بدلا من كرههم.
كما أني لم أُقدِّر ، قبل أن اثقف نفسي ، أن المسلمين يعبدون الإله نفسه تماما الذي يعبده اليهود والمسيحيون (6). والقرآن يؤكد هذه الحقيقة. ولكن كان عليّ ، صدقا ، أن أقرأ كتابا حديث العهد من تأليف المفكرة الدينية البريطانية كارين ارمسترونغ Karen Armstrong قبل أن تخترق هذه الحقيقة ذهني الذي قولبَتْه المدرسة الدينية (ماذا اقول لكم؟ فان التحرر من البَرمَجة أمر متعدد الإشراقات). تؤكد ارمسترونغ أن النبي محمد لم يدَّع الإتيان بإله جديد للعالم أجمع بل أن رسالته الشخصية كانت إدخال العرب الى أسرة ابراهيم "الرشيدة" ، وابراهيم كان أول نبي نزل عليه الوحي بأن لا إله إلا الله. وأنا خلال سنوات نموي ما سمعتُ قط اسم ابراهيم يُذكر في درس من دروس التاريخ. وتلك ثغرة صارخة إذا ما علمنا أن ذريته من بعده أنشأت الأمة اليهودية. وإذ كان اليهود أول المؤمنين بإله واحد فهم الذين مهدوا الطريق لظهور المسيحيين ثم المسلمين. وهكذا فان المسلمين ، كما ترون ، لم يخترعوا الواحد الأحد بل أعادوا تسميته ليكون الله ، الكلمة العربية للإله ـ إله اليهود والمسيحيين (7).
أين في منهج المدرسة الدينية يرد هذا الإقرار؟ كأن شيئا لم يكن قبل الإسلام. ومع ذلك ، إذا كانت كل الخبرة السابقة على الإسلام لا تساوي شيئا فان الأمر نفسه يصح على حشد من مبادئنا كمسلمين. ولو عرف المزيد منا أن الإسلام هو نتاج تواريخ متداخلة لا طريقة حياة أصلية بالكامل ـ إذا ادركنا أننا هجائن روحية ـ ألن يكون المزيد منا على استعداد لقبول "الآخر"؟ بدأتُ اتساءل لماذا نرفض بهذا العناد الإعتراف بوجود مؤثرات خارجية إلا عندما نحمِّل الغرب
مسؤولية جراح كولونيالية شتى. وكان هذا ، بدوره ، يطرح سؤالا أساسيا: هل الإسلام أضيق افقا من بقية أديان العالم؟
ثمة موضوع وظيفته الإفساد والتخريب. إذ ابتداء من سنوات الجامعة فلاحقا ، كلما اتفق أشخاص على اجراء مناظرة حول الجانب اللامتسامح من الإسلام ، كانوا يحذرونني من الخلط بين الدين والثقافة. وقالت امرأة بنبرة استاذية خلال مأدبة عشاء "أن رجم النساء وثيق الصلة بالعادات القَبَلية ولا يمت بأي صلة الى الإسلام". ظلتْ لديّ شكوكي. إذ لو كان الإسلام مرنا لأمكنه التكيف مع ما هو صالح وليس فقط ما هو طالح ، أليس كذلك؟ فلماذا لم يكن في جامعي أي وجه شبه بديمقراطية ريتشموند ـ الديمقراطية ذاتها التي أتاحت للمسلمين أن يشيدوا جامعا هناك؟
لم تكن المسلمة العصرية في داخلي وحدها التي تصطرع مع هذه القضايا. ذلك أن عملي صحافية تلفزيونية ومعلقة كان يضعني في الخطوط الأمامية لتلقي أسئلة الجمهور عن الإسلام. وإذ شاهدوا وجهي على الشاشة الصغيرة في غرفهم فان الناس الاعتياديين لا يشعرون بالتردد في الاقتراب مني في المتاجر والمطاعم وقطارات الانفاق للتعبير عن هاجس أساسي: إذا قررتِ أن تكوني مسلمة تحارب اللحى وتتحدى الشادور ، كان الله في عونك ونجَّاك. ولكن ما دمتِ تختارين التمسك بالاسلام كيف تفسرين كل هذا التعصب تحت رايته؟ بتعبير أدق ، أنهم كانوا يسألون: "هل يُسمح لك بأن تكوني مسلمة ونسوية؟" "ما المطلوب لتحويل مسلم مؤمن الى انتحاري؟" "لماذا لا يرفع مزيد من المسلمين أصواتهم؟" و "كيف أني لم اسمع قط نكتة عن قس أو حاخام أو مُلا؟" ومنذ أن صُفِعتْ بالسؤال المحيِّر الأخير رحتُ أنبش بجد ، وأحسب اني اكتسبتُ بصيرة من جراء ذلك. اسمحوا لي أن أخرج قليلا عن الموضوع.
من تعاليم الإسلام ذات الشعبية ، النهي عن "الإفراط في الضحك" (8). وما هذه بمزحة. ففي كتيب بعنوان "مشاكل وحلول" Problems and Solutions يأتي الشيخ محمد صالح المنجِّد على نص هذا الحكم. وعلى حين انه "ليس من المتوقع أن يكون المسلم عبوسا" لكن الإكثار من الضحك يثبت أننا نحن المسلمين وقعنا فريسة للسحر والفكاهة ، الأمر الذي يُضعف شخصيتنا وينال من ايماننا. وأذكر تحذيرَ عم لي بمحبة ولكن بحزم عشية رأس السنة الجديدة من الضحك عاليا لأن الهلاك سيأتي بعده لا محالة. وهنا يُصيبني عمي والشيخ بالإرباك والتشوش: إذا كان السحر الأسود للضحك مستقبحا الى هذا الحد فلماذا لا يُستجهن التأثير الغنائي المخدِّر للغة العربية لدى التجويد بها عاليا؟ (9)
بإزاء اللمحة التي القيتُها على هذا الجانب الأخطل من الإسلام لأن أحدهم أعرب عن الأمل بسماع نكتة عن قس وحاخام وملا ، علي أن اقول أني اعشق فضول الجمهور. فعلى امتداد سنوات ، عمل هذا الفضول على تغذية فضولي أنا. وكلما زادت الفرص التي اغتنمتها لأكون في دائرة الضوء رافعة صوتي حول هذه المشكلة الاجتماعية أو ذلك الاتجاه العالمي ، زادت حاجتي الى الآخرين لشحذ ذهني حول سبب تجشمي عناء الارتباط بدين يحتل موقع الصدارة في كل هذا الاحتقان الدولي والعذاب الفردي. من حق الناس أن يسألوا. وان سؤالين بصفة خاصة هزَّا عالمي ـ كلاهما الى الأحسن ولكن ليس من دون ألم في الحالتين.
السؤال الأول هو: "كيف يمكن التوفيق بين المثلية والإسلام؟" فأنا سحاقية بصراحة. وأختار "الافصاح" عن توجهي الجنسي لأني بعدما نشأتُ في بيت تعيس برعاية أب يحتقر الفرح ، لستُ الآن بصدد تخريب الحب المتبادل الذي يمنحني البهجة في سن البلوغ. التقيتُ اولى صديقاتي في العشرينات من عمري ، وبعد أسابيع أخبرتُ أمي بالعلاقة. استجابتْ كعهدي بها أما حنونا. وبالتالي فان مسألة ما إذا كان بمقدوري أن أكون مسلمة وسحاقية في الوقت نفسه بالكاد
كدَّرتني. فذاك دين وهذه سعادة. وكنتُ أعرف أيهما أحتاج أكثر. واصلتُ حياتي أدرس الإسلام بصورة متقطعة ، وأتعلم الفن الجميل لإقامة علاقات مع النساء ( موضوع كتاب آخر بحد ذاته ) ، وأنتج برامج للتلفزيون ، وأعيش على العموم الحياة متعددة الاتجاهات لشابة في العشرين ونيف في أميركا الشمالية.
وعندما جعلني عملي في التلفزيون شخصة عامة أكثر شهرة ، تطور أملي في التوفيق بين مثليتي والإسلام الى واحد من انشغالاتي. وكان المشاهدون يريدون مني أن أُبرر حالي الاستثنائية في الجمع بين هويتين. وقد دُفعتُ الى نوبة حادة من المراجعة بل راودتني حتى امكانية التخلي أخيرا عن الإسلام من أجل الحب. إسمعوا ، أي حافز أفضل من هذا الحافز للتضحية بأي شيء؟ ولكني كلما أصل الى حافة إقصاء نفسي كنتُ أتراجع ، لا بدافع الخوف وانما من باب الإنصاف ـ إنصاف نفسي. وكان سؤال واحد يتطلب مزيدا من التفكير: إذا كان الله العليم القدير لا يريد أن يجعلني سحاقية فلماذا خلقني سحاقية؟ هل خلق أحدا آخر بدلا مني؟
التحديات العدائية لـ"تبرير نفسي" اصبحت حدثا يكاد يكون يوميا بعد عام 1998. ففي ذلك العام بدأتُ استضيف برنامج "تلفزيون شاذ" Queer Television ، وهو مسلسل تلفزيوني يُبث على الانترنت ايضا عن ثقافَتَي المثليين والسحاقيات. وكان البرنامج يتعلق ببشر مثلنا بعيدا عن الإباحية والخلاعة ومع ذلك فان مسلمين أتقياء انضموا الى أصوليين مسيحيين في الاحتجاج ضد ظهوري على شاشات تلفزيوناتهم. وفي الواقع أني ما كنتُ أتوقع أقل من ذلك ، ولكن هل كنتُ من السذاجة كي أتوقع أكثر قليلا من ذلك ـ مناظرة بدلا من مجرد الإدانة.
صدقوني ، حاولتُ أن أفتح حوارا. وبوصفي من محبي التنوع ، بما في ذلك تنوع زوايا النظر فاني لم استهن ذات يوم برسائل خصومي بل في الحقيقة كنتُ
ابثها بانتظام في البرنامج. ومن الأمثلة على ذلك الرسالة التالية: "أكتبُ لابلاغكِ أن الله الواحد الأحد الحقيقي ، إله الكتاب المقدس ، يجعل من الواضح الى حد الألم أن اللواطيين كافة ( المقصود هم "المثليون" أو أشباههم من المنحرفين ) قد تخلوا عن انسانيتهم من أجل شهواتهم الدنيئة ، الفاسقة ، الشريرة. وبذلك اضحوا مخلوقات بغيضة لم تعد انسانية ، وينبغي اعدامهم على الفور بحسب سِفري اللاويين والتثنية..."
المسلمون الكثار الذين اتصلوا ببرنامج Queer Televisionوراسلوه بالبريد الالكتروني اتفقوا مع هؤلاء المسيحيين. ( باستثناء الجزء المتعلق بالله الواحد الأحد الحقيقي وتجييره لحساب الكتاب المقدس حصرا ). ولكن ما من مسلم واحد واجه التحدي المضاد الذي طرحته عليهم دعوتي المتكررة الى الحوار: كيف يمكن للقرآن ان يستنكر في آن واحد المثلية ويعلن أن الله يخلق كل شيء على أحسن تقويم (10). كيف يفسر مَنْ ينتقدونني حقيقة أن الله ، حسب الكتاب الذي يلتزمون به التزاما صارما ، خلق عن سابق إصرار ما في العالم من تعددية أخَّاذة؟ (11) ان السؤال الذي يضع المثلية في مواجهة الإسلام كان امتحانا لإيماني دون ريب. ولكن إمعان التفكير فيه جعلني أدركُ ان الحوار المتعافى أمر ممكن لو أبدينا من الاهتمام بما قد يكون موقف الله أكثر من اهتمامنا بموقفنا نحن.
والآن بالنسبة للسؤال الثاني الذي وعدتُكم بالحديث اليكم عنه. فقد طُرح عليّ قبل أشهر قليلة من 11 سبتمبر ( ايلول ) ، وأدى الى أكبر اختبار لإيماني.
في ديسمبر ( كانون الأول ) 2000 وصل ظِرف من داخل المكتب الى منضدتي في استوديوهات "تلفزيون شاذ". كان الظرف من مديري ، موسيس زنايمر Moses Znaimer . وإذ كنتُ في عجلة لانجاز أكبر عدد ممكن من حلقات البرنامج بحلول عطلة عيد الميلاد ، شعرتُ فورا بأني مستنزَفَة وبحاجة الى ما يلهيني.
ففتحتُ الظرف وأخرجتُ قصاصة جريدة مادتها الرئيسية تقرير موجز من وكالة الصحافة الفرنسية:
180 جلدة لفتاة مارست الجنس بالإكراه(12)
ـ تسافي (نيجيريا). ذكرت عائلة فتاة حامل في السابعة عشرة من العمر حكمت عليها محكمة إسلامية بـ 180 جلدة لممارستها الجنس خارج رباط الزوجية ، أنها ستضع مولودها في غضون أيام.
وقالت بارية ابراهيم مغازو امام المحكمة في سبتمبر ( ايلول ) أنها أُجبرت على ممارسة الجنس مع ثلاثة رجال من أصحاب والدها. واستدعت الفتاة سبعة شهود. وقالت أسرة الفتاة أن من المنتَظَر ان تلد في غضون يومين ومن المتوقع ان تنال عقابها بعد 40 يوما على الأقل. ( و ص ف )
وبحبر أحمر قانٍ رسم موسيس دائرة حول كلمة "اسلامية" وشدد مرتين على الرقم 180 وكتب تعليقا على الهامش باسلوب تلمودي قال فيه:
إرشاد
في يوم من الأيام
ستقولين لي
كيف توفِّقين
بين هذا النوع
من الجنون
وتشويه أعضاء الأنثى
التناسلية
مع عقيدتك
الإسلامية.
م
يا ويلي. ألا يكفي ان مشاهدي برنامج Queer Television كانوا يحضونني على الاختيار بين توجهي الجنسي وتوجهي الروحاني؟ هل كان لزاما على مديري أن يثقل كاهلي اخلاقيا كذلك؟ وخاصة في وقت حافل بالمواعيد المضنية التي عليّ الالتزام بها.
نحيتُ الظرف جانبا وواصلتُ العمل لحساب هذا الرجل. ولكن خلال الساعات التالية اهتز ضميري بما طرحه موسيس من تحدٍ. وأحسبُ أن الشيء نفسه كان سيحدث لكم. فان قصة هذه الشابة التي راحت ضحية جريمة اغتصاب لا بد أن تلاحق كل انسان شريف لأنه أيا تكن تفاصيل قضيتها فان حقيقة واحدة مما ورد ما كان ليمكن تبريرها بأي حال من الأحوال: أن هذه المرأة التي انتُهكت كرامتها حرصت على جمع سبعة شهود ، نعم سبعة! ومع ذلك واجهت حكما بأن تنال 180 جلدة! كيف بحق الجحيم يُنتظر مني أن أُوفق بين مثل هذا الظلم الصارخ وعقيدتي الإسلامية؟
كنتُ اعتزم مواجهة السؤال من دون لف ودوران ، لا بموقف دفاعي ولا بالنظريات بل بأمانة مطلقة. وقبل أن يختض كثير من العالم بما حدث في 11 سبتمبر ( ايلول ) بأقل من عام ، تهيأتُ لولوج الفصل التالي من حياتي كمسلمة رافضة.
هوامش الفصل الأول
1 ـ على غرار كتاب "مائة قصة وقصة من الكتاب المقدس"
101 Bible Stories هناك الآن كتاب "أحسن القصص القرآنية"
The Best Quranic Stories من تأليف كمال سيد. اذهب الى الموقع
www.fadabooks.com وانقر على Books for Children .
2 ـ البرت ورسن Albert Warson في موضوع حول :لقاء الشرق والغرب في سوق تجارية جديدة" اشار فيه الى اعادة بناء المركز الآسيوي في بريتش كولومبيا بالكامل لاجتذاب مزيد من الزبائن. صحيفة غلوب اند ميل
Globe and Mail ، 10 سبتمبر ( ايلول ) ، 2002.
3 ـ ثمة تورية هنا لتشابه كلمة "يركع" التي هي bow بالانجليزية وكلمة "بولنغ" التي تفيد اسم اللعبة bowling وذلك في اشارة الى الكتاب الشهير الذي نشره العالم السوسيولوجي من جامعة هارفارد ، روبرت بتنام Robert Putnam بعنوان
Bowling Alone من اصدار Simon & Schuster ، نيويورك ، 2000 ، حول انحسار روح الجماعة في أميركا.
4 ـ انظر Edward said, Orientalism (New York: Vintage Books, 1979)
5 ـ هذا التعبير البليغ مستقى من
Thomas Cahill, The Gifts of the Jews: How a Tribe of Desert Nomads Changed the Way Everyone Thinks and Feels (New York: Nan Talese/Anchor books, 1998)
6 ـ القرآن يؤكد ذلك ، انظر الآية 29: 46 وكذلك الآية 2: 136.
7 ـ Karen Armstrong, A History of God: The 4,000-Year Quest of Judaism, Christianity and Islam (New York: A. A. Knopf, 1994), p. 141.
انظر ايضا القرآن ، 29: 61 ـ 63.
8 ـ عنوان الكتيب الأصلي هو "شكاوى وحلول". ويمكن الحصول عليه من الموقع www.islam-qa.com . ويذهب هذ الموقع الى ان الشيخ المنجِّد "محاضر ومؤلف اسلامي معروف" "يهدف الى تقديم اجابات ذكية ومسنودة بالحجة عن أي اسلئة حول الاسلام...والمساعدة في حل مشاكل اجتماعية عامة وشخصية".
9 ـ لا تنسوا أن كلمة قرآن مشتقة من القراءة وتأتي ايضا بمعنى التلاوة
The Recitation التي تفيد القراءة بصوت عال.
10 ـ القرآن: 32: 6-7 وتقول الآيتان: ذلك عالِم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلَقَه وبدأ خلق الانسان من طين". انظر ايضا الآية 38: 26 التي تقول: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظنُ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار". وثمة آيات مماثلة منها 3:191 و 3: 48 التي تقول: "قالت ربي أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ، قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون".
11 ـ من أشد خصومي ضراوة وحيدة فاليانت ، نائبة رئيس المؤتمر الاسلامي الكندي. وهي حين تُسأل عني تنفي هويتي الاسلامية لأن لا وجود لشيء اسمه "مثلي" في الاسلام. ولكنها في ندوة تلفزيونية اعترفت بأن "مَنْ نكون وماذا نكون" انما هو انعكاس لله الخالق وان من الأسرار العصية أن يفهم المرء خلق الله في كليته.( Faith Journal, Christian Television Station ، 23 نوفمبر/ تشرين الثاني ، 2002 ). ازاء هذا الاعتراف كيف يمكن لها ان تكون واثقة بأني مخلوق مشوه؟ وحيدة ، ماذا حدث للأسرار العصية في خلق الله؟
12 ـ صحيفة غلوب اند ميل Globe and Mail ، 7 ديسمبر ( كانون الأول ) ، 2000.
الفصل الثاني
سبعون حورية
منذ أن اصبحتُ ضحية من ضحايا المدرسة الدينية وأنا اصطرع مع السؤال الذي يعلو على كل سؤال سواه: هل أُودِّع الإسلام؟ للإجابة عن هذه السؤال كان عليّ أن أُعالج مسألة إن كان ثمة شيء رئيسي ، شيء جوهري على نحو متأصل في الإسلام يجعله أكثر جمودا اليوم من نظيريه الروحيين ، المسيحية واليهودية.
ما أصابني بالغم ليس مجرد قصة الفتاة النيجيرية التي كانت ضحية اغتصاب. خذوا بلدا مسلما ، أي بلد مسلم ، وستقطِّع نياط قلوبكم أشد المهانات وحشية. ففي باكستان تُقتَل في المتوسط امرأتان يوميا في "جرائم شرف" غالبا ما تُرتَكب بإسم الله على لسان السفاحين (1). وفي مالي وموريتانيا يقوم نصابون مسلمون بإغواء صبيان صغار لإيقاعهم في اسار العبودية (2). وفي السودان يُمارس الرق على أيدي ميليشيات اسلامية(3). وفي اليمن والاردن قُتل رميا بالرصاص من مسافة قريبة موظفون مسيحيون يعملون في منظمات انسانية. وفي بنغلاديش سُجن فنانون لدفاعهم عن حقوق الأقليات الدينية أو طُردوا من البلاد أصلا (4). وهذا كله موثَّق.
آه ، أجل ، فأنا اخلط مرة اخرى بين الثقافة والدين. ولكن أحقا أني افعل ذلك!. فحتى في تورنتو التي تختلف ثقافتها اختلافا ظاهرا عن ثقافة بنغلاديش ينتعش إسلام قاس وفظ. أبقوا معي لأقول لكم كيف أعرفُ ذلك.
بعد تسلمي ظرف موسيس بوقت قصير أنتجتُ حلقة من برنامج "تلفزيون شاذ"
Queer Television كان محورها واقع المسلمين المثليين والمسلمات السحاقيات. وكان نجوم أحداث الحلقة مثلي غادر باكستان للإقامة في لندن ، وسحاقية هربت من وطنها ايران الى فانكوفر.
الشرطة الدينية في وطن مريم السحاقية الصقت بها وصمة "المفسدين في الأرض". وقد عرضتُ في البرنامج شريط فيديو مهربا من ايران لإثبات ما كان سيحدث لها لو انها بقيت وتعرضت الى الإعتقال. عرض الشريط امرأتين مكفَّنتين وهما على قيد الحياة ، يجري انزالهما في قبرين حُفرا حديثا. تجمَّع حشد من الرجال والأولاد حولهما وشرعوا يرجمون رأسي المرأتين بأحجار بحجم قبضة اليد (5). كانت غالبية الأحجار تصيب هدفها وترتد لتكشف عن دفق قرمزي اللون من وراء قماش الكفن. أوضحتْ مريم أن القانون ينص على أن كل راجم يُفترَض به أن يضع نسخة من القرآن تحت ابطه للتخفيف من قوة الرمية. وكان هذا القانون لا يُراعى دائما. وإذ كانت مريم لم تزل خائفة على حياتها فانها روت قصتها في الظل دون أن يظهر وجهها.
عدنان ، المثلي المسلم ، وافق على الظهور أمام الكاميرا. كان يؤمن بأن القرآن يحرِّم المثلية ولكنه عقد مصالحة بينه وبين هذا الحكم. إذ لم يكن في نية عدنان تقديم صديقه الى المسلمين كافة وانما فقط الى والدته في باكستان. والتزكية الدينية في الوقت الذي يكون توافرها خيرا على خير فانها ليست لازمة ـ ليس على أية حال في لندن المتحررة حيث كان وصاحبه يعيشان. انتهت الحلقة بتعليق من مستشار لدى المركز الثقافي الاسلامي في لندن على ضرورة التحلي بالتواضع عند الحكم على المثليين والسحاقيات. وقال ان الاسلام وإن كان لا يطيق المثلية ، على ما يبدو ، فان "كل شيء جائز" ، مع الله جلّ جلاله(6).
أتعرفون ما حدث بعد بث البرنامج؟ من بين كل الشكاوى التي تلقيتها من المسلمين القاطنين في منطقة تورنتو كانت الشكوى الأكثر تواردا أن هؤلاء "الخنازير" و"الكلاب" المثليين الذين عرضتُهم في برنامجي كانوا ـ حضِّروا أنفسكم لما هو آت ـ يهودا بلا أدنى شك. دعكم من شريط الفيديو المريع عن ممارسة الرجم في ايران ، أو استعداد عدنان لقبول حكم لاهوتي ضد توجهه الجنسي ، أو دعوة المستشار الديني الى تواضع الجميع أمام الله ، فهذه كلها لم تترك أثرا في المستائين من المسلمين الذين كتبوا واتصلوا هاتفيا. الشيء الوحيد الذي رسخ في الأذهان هو ان المثليين والسحاقيات لا يمكن بأي حال أن يكونوا من "طينتنا". فالمثليون نتوءات ناشزة على نحو صارخ في نظر "هم". وهذا كله بين ظهراني حاضرة من حواضر القرن الحادي والعشرين.
شعرتُ بالغثيان. فاياً تكن الثقافة التي يعيش المسلمون في كنفها ، ريفية أو رقمية ، وبصرف النظر عن الجيل ، أكان ممثلا بجامع للمهاجرين من عقد السبعينات أو بمدينة مربوطة اعلاميا لمواكبة الألفية الجديدة ، فقد برز الإسلام قبَليَّا الى حد اليأس. لم نكن ذات يوم بهذه الحاجة الماسة الى الإصلاح.
ولكن ما معنى ذلك ـ قلتم "إصلاح"؟ الحقيقة لم تكن لديّ إلا فكرة في منتهى الضبابية. ما كنتُ أعرفه أن المؤمنين في الديانات التي خضعت تاريخيا للاصلاح لا يتصرفون قطعا بعقلية القطيع كما يتصرف المسلمون. فالقادة المسيحيون يدركون التنوع الفكري في صفوفهم. وفي حين ان لكل منهم أن ينفي صلاحية التأويلات الاخرى ـ والكثير منهم ينفونها ـ فلا أحد منهم ينكر وجود جملة كاملة من التأويلات. اما اليهود فهم متقدمون بمسافة بعيدة عن الباقين. والحق ان اليهود يشيعون الاختلافات القائمة بإحاطة نصوصهم المقدسة بالتعليقات ودمج المناظرات بالتلمود نفسه. وعلى النقيض من ذلك فان غالبية المسلمين يتعاملون مع القرآن على أنه وثيقة تُحاكى ولا تؤوَّل ، خانقا قدرتنا على التفكير المستقل.
حتى في الغرب يجري بصورة اعتيادية تعليم المسلمين بأن القرآن هو البيان النهائي لمشيئة الله حالا محل الكتاب المقدس والتوراة. وبوصفه البيان النهائي فهو "النص الكامل" ـ الذي يقف فوق الشبهة أو التحليل أو حتى التأويل بل ينبغي الإيمان به فحسب. والحق أن اول كلمة سمعها النبي محمد من الملاك جبرائيل الذي كان يتحدث بإسم ربه ، كانت "إقرأ!" وتُترجم أحيانا الى الانجليزية بكلمة
Recite! التي تفيد معنى التلاوة. وفي كلا الحالتين فان تلفظ الكلمات لغرض ترديدها هو أقصى ما تذهب اليه الغالبية منا. وأي شيء أكثر سيكون...حسنا ، أنه سيكون تأويلا.
ويصح الشيء نفسه على مصدر آخر من مصادر اللاهوت الإسلامي هو "الحديث". والحديث عبارة عن تقارير "ذات مرجعية" تسجل أقوال النبي محمد وأفعاله طيلة حياته. وأي سؤال لا يقدم القرآن إجابة جاهزة عنه ـ لاحظوا كلمة جاهزة ـ تقدمها الأحاديث النبوية على ما يُفتَرَض. وعلى مر القرون اضطلع فقهاء أجلاء بجمع هذه الأحاديث وتصنيفها لاستهلاكنا نحن. وكل ما علينا ان نفعله هو أن نحيلها عليهم ( أو بالاحرى على الفقهاء الذين ينتقيهم لنا أئمتنا ). أوه ، وماذا بشأن القضية البسيطة المتمثلة في ان النبي محمد كان بشرا على نحو متميز وعرضة لارتكاب أخطاء غير مقصودة في احكامه؟ سكوت! فبما أن الأحاديث تعكس حياة خاتم الأنبياء الذين ارسلهم الله الى البشر فان التشكيك فيها شر مستطير.
هل ترون الى أين يمضي بنا في الواقع قطار الخير السريع هذا؟ الى وجهة اسمُها "موت العقل". فعندما يحدث خرق برعاية الإسلام ، لا يعرف غالبية المسلمين كيف يُجادلون أو يُعيدون التقويم أو يُصلحون. ويُقال لنا أن هذا من حسن الحظ لأن الخرق لا يمكن أن يقع طالما بقينا أوفياء للنص الكامل. آه! يا له من منطق هروبي! أن قولبة الذهن مثل هذه القولبة الدائرية تكفي لتحويل ألمع العقول الى رؤوس فارغة ، بل ورؤوس خطرة بسبب خوائها.
لكل عقيدة ، بالطبع ، مريدون مقلدون. والفارق الوحيد ان الترديد الببغاوي في الإسلام هو الاتجاه السائد. بروس فايلر Bruce Feiler كاتب أميركي وقع على هذا الفارق خلال البحث الذي كان يجريه لتأليف كتابه الموسوم
Abraham: A Journey into the Heart of Three Faiths ( ابراهيم: رحلة في قلب ثلاث ديانات). ففي القدس التقى فايلر بإمام المسجد الأقصى الشيخ يوسف ابو سنينة. وأكد الإمام كمال الإسلام المفتَرَض. وبلغة انجليزية مصقولة في لندن قال لفايلر "أن عليك ان تهتدي بخاتم الأنبياء" الذين أرسلهم الله (7) ، وإلا فان "الموت مصيرك" بنار الله مثلما اقدم هتلر على "شي اليهود أحياء" بموافقة إلهية. شعر فايلر بالاشمئزاز بعد انتهاء المقابلة وروى الحادث فيما بعد لصحافي متخصص بالدين. وقال الصحافي ، "الحقيقة المنكودة أن [ الشيخ سنينة ] يمثل التيار السائد في الإسلام حاليا. قد تجد يهودا لديهم رسالة مماثلة في القومية اليهودية ولكن بأعداد صغيرة. قد تجد مسيحيين يبشرون بيوم الدينونة ولكن عددهم يبقى محدودا. اما إمامُك فهو يمثل الغالبية العظمى من المسلمين ، في هذا المكان على أقل تقدير"(8).
سنينة يجسد ذهنية الكثير من المسلمين ، لا في القدس فحسب وانما في المهاجر ايضا. دعوني استشهد بتقرير صادر عام 2002 عن "أكاديمية تعلم الإسلام"
Academy for Learning Islam الكائنة في مدينتي ، ريتشموند. فالأكاديمية تزعم ان هناك الكثير مما هو مشترك بين اصحاب المذهبين الرئيسيين في الاسلام ، السنة والشيعة. كيف ذلك؟ لأن "كلاهما يؤمنان بالحقيقة المطلقة للقرآن المجيد وبكماله. وكلاهما يعتبران محمدا خاتم الأنبياء المرسلين من الله ويكافحان من اجل تقليد أحاديثه وأعماله"(9). وعندما يصبح التقليد هو الاتجاه السائد فان غالبيتنا سنعجز عن استقصاء ما لدينا من أحكام مسبَقة ـ أو الإقرار بأن لدينا أحكاما كهذه. فنحن نؤمن بما يُفتَرَض بنا أن نؤمن به ، وكان الله يحب المؤمنين.
رسائل الاستنكار التي اتلقاها بوصفي مقدِّمة برنامج "تلفزيون شاذ"
Queer Television توضح ما أقصده. فكلما كنتُ أبث تعليقات معادية للمثليين من مسيحيين يستشهدون بالكتاب المقدس ، كان من المحتم أن يعقبهم مسيحيون آخرون بتأويلات متسامحة ، مضادة. هذا لم يحدث قط عندما كان مسلمون يتهجمون عليّ. إذ لم يكن هناك شك ، على ما يبدو ، في أن المتهجمين ينطقون بإسم الإسلام ، كل الإسلام. ولا يعني هذا ان المسلمين كافة ، دون استئناء ، يعترضون على المثليين. فان "الفاتحة" ( من الافتتاح الذي يفيد معنى الصدارة في الطليعة ) هو أسم مجموعة من المثليين المسلمين لديها فروع في مدن كبرى في عموم أميركا الشمالية وأوروبا. وفي تورنتو على الأقل يحقق حفل عشائها السنوي حضور بعض الآباء والأمهات المسلمين. ولكن حتى إذا كان الكثير من المسلمين لا يشاطرون اسلام الاتجاه السائد أحكامه المتحاملة فاننا لسنا بالعدد الكافي لفتح حوارات مع الاتجاه السائد. وإلا كيف نفسر السبب في انه ما من مسلم واحد كتب الى برنامج "تلفزيون شاذ" أو اتصل به ليسوق تأويلا بديلا ـ رحيما ـ للقرآن؟
على هذه الخلفية شعرتُ أني مستعدة لا لمواجهة التحدي الذي طرحه موسيس فحسب بل والتوسع فيه ايضا. وللشروع في التوثق مما إذا كان الإسلام جامدا على نحو لا رجاء فيه كان عليّ أن اتعامل مع مسألة "الآخر" في الإسلام ـ النساء ، أجل ، ولكن ايضا اليهود ، والمسيحيين ، والعبيد ، وكل من تجسد معاناتُه الوحشيةَ المتفشية في العالم الإسلامي اليوم. ماذا يقول القرآن عن هذه المخلوقات التي صنعها الله؟ هل يؤيد بلا تحفظ ، أو حتى من باب الاحتمال ، جلد امرأة مغتَصَبة رغم كثرة الشهود على الجريمة المرتكبة بحقها؟ وما دمنا نخوض في الموضوع فهل حقا أن القرآن يحظر على المرأة أن تؤم الصلاة؟
خلال الأشهر التالية على ذلك أعدتُ قراءة كتاب الإسلام المقدس بأعين مفتوحة وروح اقتحامية أكثر من أي وقت سابق في حياتي.
بادئ ذي بدء كانت هناك مسألة المرأة. ايهما خلق الله أولا ـ آدم أو حواء؟ القرآن يلتزم صمتا مطبقا عن هذه التمايز. فان الله نفخ الروح في "نفس واحدة(10) وخلق منها زوجها. فأيهما النفس وأيهما الزوج؟ سؤال خارج عن الصدد(11).
زد على ذلك أنه ليس ثمة ذكر لضلع آدم الذي خُلقَت منه حواء ، بحسب الكتاب المقدس. كما لا يوحي القرآن بأن حواء أغرت آدم بقطف الثمرة المحرَّمة وتذوقها. خلاصة الأمر أنه ليس ثمة هنا ما ينطوي على حجة لصالح تفوق الذّكر ، بل العكس في حقيقة الأمر. فالقرآن يحذر المسلمين مشددا عليهم أن يتذكروا أنهم ليسوا بمنزلة الرب وبالتالي على الرجال والنساء ان يكونوا منصفين في المطالبة بحقوقهم من بعضهم بعضا. وتكليلا لهذا المقطع ثمة ما يبدو أنه صورة من صور البلاغة في الاعتزاز بالمرأة: "واتقوا الله الذي تساءلون والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا"(12).
الغريب انه في السورة نفسها ـ بعد اسطر قليلة لا أكثر ـ ينقلب القرآن في موقفه بالاتجاه المعاكس تماما. ويقول "الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحاتُ قانتاتُ حافظاتُ للغيب ...والتي تخافون نشوزهم فعِظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن..."(13)
لنكن واضحين: لكي تستحق المرأة الضرب لا يتعين عليها ان تعصي احدا بل يكفي ان يخاف الرجل نشازها أو عصيانها. فان هواجس الرجل تصبح مشكلة المرأة. لطيف. أعلم أني أُغالي في التبسيط ولكن التبسيط يسري معربدا في تشريع قوانين ما أنزل الله بها من سلطان. سأعطيكم مثالا ملموسا. ان مقطعا واحدا من القرآن ـ يقول فيه ان الرجال قوَّامون على النساء "بما أنفقوا من أموالهم" لإعالتهن ـ ترك أثره في "اعلان القاهرة" ، الميثاق المزعوم لحقوق الانسان الذي اقرته الدول الإسلامية في عام 1990. نعم ، أن فقرة من الميثاق تؤكد ان "المرأة مساوية للرجل في الكرامة الانسانية"(14) ولكن الفقرة التالية تنيط بالرجل رعاية الأسرة. وهي لا تعبر عن "تفضيل" الرجل في موقع رب العائلة بل تعلن جهارا ان على "الرجل عبء الانفاق على الأسرة ومسؤولية رعايتها". وبما ان القرآن يقول ان الرجال قوَّامون على النساء بما ينفقون لإعالتهن فان بإمكانكم أن تستنتجوا الباقي.
في ضوء قضية المرأة التي اغتُصبت في نيجيريا ، صعقني مقطع آخر من القرآن يقول فيه "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله.."(15) ها؟ انحكوا نساءكم أنَّى شئتم ، ثم قدموا لأنفسكم؟ هل النساء شريكات أم قطعة أرض تُستملك؟ انهن شريكات ، كما يصر جمال بدوي ، العالم الشهير في دراسة القرآن. وهو يؤكد لي ان هذه الآية "المستنيرة جنسيا" تعتبر دفاعا عن المداعبات الجنسية التي تسبق المضاجعة تمهيدا لها(16). والمرأة مثلها مثل الحقل بحاجة الى عناية تقوم على الحب والحنان لتحويل الحيوانات المنوية الى كائنات بشرية. فـ "ان بذور الزارع لا قيمة لها من دون تربة خصبة تنمو فيها" ، كما يقول بدوي مقتنعا كل الاقتناع ، كما تدل سيماؤه ، بتفسيره التقدمي. بيد انه لم يتناول إلا عبارة "فأتوا حرثكم". ولكن ماذا عن "أنىَّ شئتم". إلا تمنح هذه الكلمات المحدِّدة سلطة لا مبرر لها الى الرجل؟ ويبقى السؤال: أي نموذج يدعو الله الى الاقتداء به ـ آدم وحواء بوصفهما رجلا وامرأة متساويين أو المرأة بوصفها حقلا يُحرث ( العفو ، تُلاطَف ) حسب الرغبة.
الحقيقة هي أني كنتُ أعرف اياً من التفسيرين ابتغي ولكني لم أعلم علم اليقين ( وما زلت لا أعلم ) أياً منها يريد الله. وبهذا الحجم من التناقضات المتلاطمة لا أحد يعلم. فمَنْ يريد ان يجلد المرأة بأتفه التُهم يستطيع أن يجد ما يلزم من الإسناد في القرآن. وكذلك مَنْ لا يريد للفتيات أن يئمَّن الصلاة. ومن الجهة الثانية فان الباحث عن المساواة يمكن هو الآخر أن يجد سلواه.
في محاولتي الإجابة عن كيفية التوفيق بين عقيدتي الإسلامية والجلد الهمجي لضحية اغتصاب خلصتُ الى أني لا استطيع التوفيق بينهما بثقة مطلقة. وما كان بوسعي أن أقول متحذلقة ، كما سمعتُ العديد من النسويات المسلمات يفعلن ، أن القرآن ذاته يكفل العدالة. وما كان في مقدوري أن اقول بفروسية ان اولئك الفقهاء النيجيريين المخبولين الذين يطبقون الشريعة لاطوا في ديانتي المساواتية بكل شفافية. والقرآن ليس مساواتيا على نحو شفاف بالنسبة للمرأة. وهو ليس شفافا إلا في غموضه وإبهامه. ومع اعتذاراتي الى نعوم تشومسكي فان المسلمين هم الذين يصدرون صكوك الغفران بإسم الله. والقرارات التي نتخذها على أساس القرآن لا تُملَى علينا من السماء بل نتخذها نحن بملء ارادتنا الانسانية.
يبدو هذا بديهيا للمسيحي أو اليهودي من المنتمين الى الاتجاه السائد ولكنه ليس بديهيا للمسلم الذي تربى على الإيمان ـ مثلما تربت غالبيتنا ـ بأن القرآن يضع كل شيء أمامنا في "سراط مستقيم" وان واجبنا الوحيد ، بل وحقنا ، أن نتبعه. وهذه اكذوبة كبيرة. أو لا تسمعون؟ اكذوبة كبرى ملتحية الوجه.
ان القرآن بدلا من أن يكون كاملا ، انما يخوض حربا لا هوادة فيها مع نفسه حتى أن المسلمين الذين "يعيشون بموجب الكتاب" لا خيار عندهم سوى انتقاء ما ينبغي التشديد عليه وما يتعين تمييعه. ولعل هذا هو الجزء السهل ـ فان أياً منا يستطيع أن يبرر مواقفنا المنحازة بتسليط الضوء على آية معينة وإغفال أخرى. وهذا ، بالمناسبة ، ما يفعله الليبراليون بقدر المتزمتين مخففين من وطأة ضوضاء القرآن السلبية على الأقل مثلما يحذف خصومنا نصوصه الايجابية. فنحن جميعا لدينا أجنداتنا ، التي بعضها أكثر مساواة من البعض الآخر.
ولكن ما دمنا عالقين في هذا الشوط الأخير من لعبة اثبات ان عقيدتـ"نا" الجامدة متفوقة على عقيدتـ"هم" الجامدة ، فان التحدي الأكبر يغيب عن انظارنا ، أي وضع كمال القرآن موضع تساؤل لكي تخفَّ حمى السباق على التوصل الى استنتاج صائب عما "حقا" يقوله القرآن ، ويصبح ، بمرور الوقت ، تمرينا في المعرفة بدلا من النصية. وفي هذه المرحلة فان الإصلاح لا يعني القول لعامة المسلمين ما ينبغي أن لا يفكروا فيه وانما اعطاء البليون مؤمن ممن نذروا أنفسم للإسلام إذنا بالتفكير.
وللمضي أبعد بهذه الفكرة كان عليّ أن أرى ما إذا كان هناك نمط يسري خيطه في متناقضات القرآن الصارخة. وبتعبير بسيط هل ان كتاب الإسلام المقدس يتسم بالابهام أو التناقض حول قضايا اخرى ايضا تتعلق بحقوق الانسان مثل الرق؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يتوافر المجال لإقدام مسلمي القرن الحادي والعشرين على خيارات تنمتي الى القرن الحادي والعشرين؟ فكرتُ في السودان ثم قرأتُ عن حجم تجارة الرقيق فيه. ففي الخرطوم يخوض نظام حكم اسلامي أشبه بنظام طالبان جهادا أعلنه بنفسه على المسيحيين والوثنيين وغير المسلمين ، وذلك بحسب تشارلز جايكوبس Charles Jacobs رئيس المجموعة الأميركية المناهضة للعبودية ومدير الحملة السودانية. ويلحظ جايكوبس ان "هجمة الخرطوم أحيت تجارة العبيد السود التي اوقفها ( تقريبا) المستعمرون البريطانيون قبل قرن من الزمان...[ و] بعد نحر الرجال تتعرض النساء والفتيات والصبيان الى عمليات اغتصاب جماعية ـ أو يُذبحون لمقاومتهم. ويُقاد الناجون المرعوبون شمالا حيث يوزَّعون على أسياد عرب لتصبح النساء جواري والفتيات خادمات في البيوت والأولاد رعاة"(17).
فكرتُ مرة أخرى في شمال نيجيريا وهو مكان آخر فيه حكومات اسلامية تشجع استعباد المسيحيين. حسنا ، أقرُ بأن الحرب الأهلية في نيجيريا أوثق صلة بالسياسة من الدين. ولكن هذه السياسة المتخلفة كلها ما كانت لتُمارَس دون مساعدة ما من القرآن. وكان سؤالي هو ما حجم هذه المساعدة. عدتُ الى المصدر واكتشفتُ هذا المقطع: "...والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا...(18)
واو! كان عليّ أن اتوقف لتحليل هذه الآية. إقرؤها بعناية وستجدوا أن القرآن لا يوجهنا الى عتق جميع العبيد بل فقط اولئك الذين يقرر أسيادهم أن لديهم امكانية الارتقاء بمكانتهم. أين هذا من مناشدة مشاعرنا الذاتية وموقفنا الأخلاقي وحريتنا في الاختيار؟ بكلمات أخرى يستطيع المسلمون اليوم أن يخلِّفوا القرن السابع وراءهم من خلال المراوغة ، بموافقة القرآن ـ إذا شئنا. فالقرآن يمنح المشرِّعين النيجيريين خيار تحديث آفة الرق ، أو بكلمات أخرى القضاء عليها. فكما المرأة كذلك الرقيق: القرارات التي يتخذها المسلمون هي قراراتنا وحدنا ، ولا يمكن أن توضع على عتبة الله.
هل من الجائز أن الإسلام لا يتسامح مع المسلمين الأفراد الذين يفسرون القرآن لأنفسهم فحسب بل وأن مثل هذا العمل والاستطلاع ربما كان حتى الطريقة الوحيدة لأن "تعرف إسلامك"؟
إذ شعرتُ بنفحة من النشاط انتقلتُ الى ملف ضخم آخر من ملفات حقوق الانسان: معاملة الذميين. فبسبب التقاليد اليهودية ـ المسيحية التي يتحدر منها الإسلام فان لدى القرآن الكثير مما يقوله عن اليهود والمسيحيين. وهو يكيل المديح على إبراهيم ، أب الديانات التوحيدية الثلاث. وُيطري عيسى بوصفه "المسيح" أكثر من مرة(19). ويأتي على ذكر مريم أم عيسى اليسوع إيجابا عدة مرات. يضاف الى ذلك أن القرآن يذكِّرنا بكون اليهود ينتمون الى أمة "مُفَضَّلة" هي بنو اسرائيل(20)! مفَضَّلون؟ اليهود؟ دققتُ في بعض الترجمات الانجليزية للتوثق. إزاء هذه العواطف الحارة تجاه أجدادنا الروحيين يكون من المنطقي ان يشير القرآن على اليهود والمسيحيين بأن يطمئنوا ، أن "لاخوف عليهم ولا هم يحزنون"(21) ما داموا مؤمنين بالله واليوم الآخر ، كما تنص عليه كتبهم المقدسة.
من جهة اخر يعتبر القرآن بصراحة أن لا دين إلا الإسلام(22). غريب. أم يا تُرى أهو حقا غريب؟ فثمة فكرة في غاية الأهمية هنا ـ لا شيء يفوقها أهمية في اوقاتنا المشتتة ـ وهي تتعلق بسبب ظهور الإسلام أصلا.
كل ما ينبغي ان يؤمن به المسلمون نزل على اليهود قبلنا بآلاف السنين. وقد حدث ذلك عندما سار بعض اليهود في طريق الضلال عن الحقيقة المنزَّلة ، بتحولهم الى عبادة الأصنام ، مثل العجل الذهبي ، فاستثاروا عليهم غضب الله. ( أدري ، أدري: أي خالق هذا الذي يغار من مولود بقرة؟ أحسبُ أنه خالق يسعى الى الصلح بين قبائل في احتراب دائم مع بعضها بعضا من خلال المحور الجوهري المتمثل في ديانة مشتركة ). نعود الى البقرة. فان انبعاث الوثنية اقتضى ارسال واحد آخر من أبناء ابراهيم لتذكير عالم الساميين بحقيقة ربه. فكان مجيء اليهود. وكذلك نزول الكتاب المقدس الذي يجمع كتب موسى العبرانية (تُعرَف عند المسيحيين بإسم العهد القديم ). ولكن في النهاية بدأ بعض المسيحيين يدَّعون أن المسيح هو الله فضلا عن كونه إبن الله وليس رسولا آدميا اصطفاه الله الواحد الأحد. لقد كانت الوثنية تهدد برفع رأسها ( أو رؤوسها ) من جديد.
لذا في حوالي سنة 610 ميلادية عاد الله الى قائمة المرشحين للنبوة واختار محمدا ، وهو حفيد آخر من أحفاد ابراهيم ، لتطهير كلامه المنزَّل من الفساد الذي اعاثه فيه اليهود والمسيحيون. واينما فتحتُ القرآن لم أكن قط بعيدة عن رسالة كثيرا ما تتكرر بأن ما سبقه من كتب مقدسة جدير بالتبجيل.
مرحبا بكم الى الفكرة ذات الأهمية البالغة التي لمَّحتُ اليها قبل لحظات: أن الجهل القَبَلي لا يمكن أن يكون حقيقة. وعندما أعدتُ قراءة القرآن للتبصر في "الآخر" وجدتُ أن اليهود ليسوا كلهم الذين يُقال للمسلمين أن يجتنبوهم بل فقط اولئك الذين يسخرون من الإسلام بوصفه دينا كاذبا على نحو متأصل. وينبغي على المسلمين أن لا ينكروا صحة الديانة اليهودية وإلا فانهم يسيئون الى دينهم ذاته.
ولكن إذا كانت اليهودية والإسلام ديانة واحدة فما هي الحكمة في جعلهما كيانين منفصلين؟ وعلى الغرار نفسه ما الحكمة من الإبقاء على المسيحية؟ أو الهندوسية؟ أو البوذية؟ أو السيخية؟ ، ولكم أن تملأوا الفراغات التي تلي ذلك. لماذا لا نتخلى عن احساسنا الدفين بالتفوق وننظر الى بعضنا بعضا على أننا من صنع خالق واحد؟ القرآن لا يتهرب من هذا السؤال الأكثر تنكيدا من الأسئلة الأخرى كلها. فهو يقول أن الله جعل لكل قوم شرعة(23) لحفزهم على التسابق من أجل عمل الخير معترفا أن عمل الخير لن يكون ممكنا إذا اشتبكنا في خلافات على مَنْ هو "الأحق" في تنفيذ مشيئة الله. أنا وأنتم لا علم لنا ، وعلينا أن نتخطى هذه المعضلة. والقرآن يؤكد لنا أن الله سيتكفل بتسوية خلافاتنا المذهبية حين اليه نعود. في هذه الأثناء فان التسابق على عمل الخير انما هو دعوة تحولت من الشطارة في عالم المال والأعمال الى الإبداع الفني في تناول الطينة المقدسة ذاتها والدأب على تحسين جمال ما صُنع منها. ويتلازم مع هذه الممارسة الدافع الآخر لقرار الله ان يخلقنا أقواما ومللا شتى: لكي نشعر بوجود حافز يغرينا بالتعارف على بعضنا بعضا. فالأمر كما لو أن الخالق يريد لنا أن نستخدم الاختلاف كاسحة جليد بدلا من استخدامه ذريعة للانكفاء الى زوايا متقابلة.
أقر بأن هذا ما بودي أن يكون المعنى من الألف الى الياء. ولكن كل شيء مطروح للتأويل لأن القرآن يشير على المسلمين بأن لا يتخذوا من اليهود والمسيحيين اصدقاء لهم كيلا لا نصبح "منهم". وهو يتحدث عنـ"هم" بوصفهم من "القوم الظالمين" الذين لا يهديهم الله. وثمة كلام عن انزال أذى شديد وضرب رقاب وفرض الجزية على أهل الكتاب أتاوة لقاهريهم المسلمين(24). كلام مخيف بحق ، وهذه المقاطع تضفي صدقية على اولئك المسلمين الذين يديرون ظهورهم الى الوئام بين الأديان. وعند هؤلاء يجوز للذميين أن يوجدوا ولكن قطعا ليس على اساس من التكافؤ مع المسلمين ، وقطعا ليس على مستوى واحد معهم لأن الإسلام ليس مجرد دين آخر يضاف الى بقية الأديان بل يعلو عليها جميعا بحكم كونه دين الحق ورسوله خاتم الأنبياء في خدمة الواحد الأحد. أنه لخيار ان يُقرأ القرآن على هذا النحو ، أو ليس كذلك؟ ولكننا لسنا واعين بهذا الخيار.
لعل احدكم يحتج قائلا: "تمهلي ، فأنا لا أختار هذا التأويل بالمرة. وأنا لا أُريد أن اضرب جاري لاحتفاله بعيد هانوكا فلا تحسبيني على كارهي اليهود. إني انسان حسن الطوية ، بحق السماء". نعم ، انك على الأرجح حسن الطوية. فلتسأل نفسك من باب هذه الطيبة: هل اخترتُ أن اتحدى الاعتقاد الشائع بين مسلمي الاتجاه السائد بأن الإسلام متفوق على المسيحية واليهودية؟ اننا غارقون في نرجسيتنا الروحية حتى أن غالبية المسلمين لا يفكرون مرتين ، أو حتى مرة ، في الضرر الذي يمكن أن يلحقه هذا الموقف بالعالم. نحن نتقبله فطريا مطلين بين حين وآخر من تحت الرمال حيث دفنَّا رؤوسنا لنلحظ وجود "المتطرفين" ، وأحيانا لا نلحظ وجودهم حتى وقتذاك.
هل أُبالغ؟ قولوا لي بعد قراءة هذه القصة. قبل اسابيع قليلة من 11 سبتمبر ( ايلول ) انضممتُ الى فريق من المسلمين على شاشة التلفزيون الوطني في ندوة حول "صور العالم الإسلامي"(25). وإذ إعتَبَر زملائي المشاركون في الندوة ان هذه الدعوة الموجهة بصيغة مؤدبة هي تعبير ملطَّف عن اتاحة الفرصة "لإبداء شكوانا من الغرب" ، راحوا يوجهون سهام الاستنكار المعهودة الى ثقافة البوب ( الشعبية ) في اميركا الشمالية: هوليود تصورنا جميعا متعصبين ، والمتعصبون دائما يبدون ذوي بشرة داكنة ، وغير ذلك من المفردات النمطية المستقاة من قاموس الضحية. وإذ شعرتُ بالملل من الجدال بهذه الاسطوانة المشروخة ، اقترحتُ زاوية نظر مغايرة هي أننا المسلمين لا نعطي الآخرين حافزا يُذكر ليغيِّروا رأيهم فينا القائل بأننا ذوو تفكير أحادي جامد. وتساءلتُ ، أين كان المسلمون في تورنتو أو فانكوفر أو مونتريال عندما طوح طالبان تماثيل بوذا التي يعود تاريخها الى ما قبل الإسلام ، من حيث كانت تطل على وادي باميان في افغانستان؟ ان القرآن يقول "لا إكراه في الدين"(26). ولم يكن بوسعنا ان نتوقع من حركة طالبان أن تغنِّي هذه المعزوفة ولكن لماذا لم يختر مسلمو الغرب غناءها بدلا من البقاء صامتين في الغالب؟ لماذا كانت الاحتجاجات الجماهيرية الاسلامية غائبة في شوارعنا؟
ورحتُ أنتظر.
الرد الوحيد جاء من مسلمة اخرى ـ وهي فوق ذلك نسوية ناشطة. قالت دون أن تفكر في ما تقول ، "منجي ، أو لا تعرفين ما يحدث للمسلمين في فلسطين؟" العفو ، ماذا قلتِ؟ أعيدوني الى أرض الواقع أو انقلوا عجيزتي الى مكان آخر من المنظومة الشمسية حيث نستطيع التمييز بين العدالة والتبرير. بيد أني أقر لها بالآتي: من الواضح أن هناك علاقة ما بين صعود التوتاليتارية الاسلامية وتعقيدات السياسة في الشرق الأوسط. ولكن كيف لهذه العلاقة المركبة أن تبرر صمت المسلمين في الغرب على نظام طالبان الذي يدعي التفوق العرقي على سُنَّة الله وينسف تماثيل بوذا ويظلم المرأة ويمنع الطائرات الورقية ويستطيب الإعدام؟.
ان هذا ليس تبريرا. وردُّ "اختي" كان تهربا. ورغم كل تفكيرها النقدي تجاه الغرب فانها إرتَدَتْ إسلامها الذي لا يفكر ، كالبرقع الحاجب من قمة الرأس الى أخمص القدمين. وإذا كان هذا أفضل ما لدى امرأة اعلنت نفسها ناشطة نسوية فإن فرائصي ترتعد من تصور الى أين نحن سائرون.
الجميع يركز على تاريخ 11 سبتمبر ( أيلول ). أنا أريد ان اركز على الأيام التالية من بعده. ماذا أكدنا نحن المسلمين لوسائل الاعلام والسياسيين ولأنفسنا عن الإسلام؟ قلنا واجمين أن ديننا تعرض الى "الاختطاف"(27). نعم يا أميركا ، تعرض الى الاختطاف. واننا معك في خندق واحد يا ألمانيا. نحن ايضا نحب حريتنا يا استراليا. اننا في هذا الموقف معا يا بريطانيا. فنحن ، وانتم معنا ، تعرضنا الى الاختطاف.
لم أحتمل هذه الاستعارات المجازية. فهي تعني ان الإسلام نفسه كان طائرة تحلق نحو مهبط ما لحقوق الانسان ، وانه لولا 11 سبتمبر ( ايلول ) لوصل المسافرون على طائرة الخطوط الجوية القرآنستانية الى وجهتهم الرائعة بلا أي مطبات ، وكان الله يحب المحسنين. الإسلام تعرض الى الاختطاف! وكأن ديننا كان عابر سبيل بريئا في عنف المسلمين. اختطاف. كلمة مشحونة عاطفيا تعفي مسلمي الاتجاه السائد من مسؤولية النقد الذاتي. أولا وقبل كل شيء ، أن النقد الذاتي يعني الإقرار بالجانب الفظيع من القرآن ، وكيف أنه يرفد الارهاب.
بعد 11 سبتمبر ( ايلول ) كنتُ اسمع باستمرار هذه اللازمة من المسلمين: أن القرآن يجعل من الواضح تماما متى يكون الجهاد ممكنا ومتى لا يكون ممكنا ، وان الارهابيين خرقوا هذه الضوابط بلا أدنى ريب. وعلى حد قول واحد من مثل هؤلاء الشيوخ فان الله "يقول بمفردات لا تقبل اللبس أن من قتل نفسا بريئة كأنما قتل البشرية كلها"(28). وأنا أقول ، أن هذا تزيين رغائبي. أتعرفون مفردات السورة والآية المذكورتين على انها "لا تقبل اللبس"؟ انها في الحقيقة تتيح مجالا للمناورة. واليكم نص الآية: "من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه مَنْ قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا"(29). المحزن أن المسلمين المتطرفين يستطيعون استغلال الاستثناء الوارد في "بغير نفس أو فساد في الأرض" لإذكاء جهادهم.
اسامة بن لادن ، على سبيل المثال ، أعلن الجهاد ضد الولايات المتحدة كلها في اواخر التسعينات. والقرآن ساعده في ذلك. عودوا الى عبارة "بغير نفس أو فساد في الأرض". ألم تسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة ، ولكنها فرضتها امتثالا لمطالبة الولايات المتحدة ، ضد العراق هلاك نصف مليون طفل وما زال العدد آخذ في الارتفاع؟ هذا ما يعتقده بن لادن. هل تُعد الآثار التي تتركها جزم الجنود الأميركيين على الأرض السعودية "فسادا في الأرض"؟ بلا أدنى شك عند بن لادن. أما المدنيون الأميركيون فهل يمكن أن يكونوا أبرياء من القتل أو الفساد والضرائب التي يدفعونها تساعد اسرائيل على شراء دبابات لتسوية بيوت الفلسطينيين مع الأرض؟ هذه مسألة بديهية عند بن لادن. وكما صرح لشبكة "سي ان ان" في عام 1997 فان حكومة الولايات المتحدة "ارتكبت افعالا ظالمة وفظيعة واجرامية للغاية سواء مباشرة أو عبر دعمها للاحتلال الاسرائيلي" في فلسطين. "وبسبب خضوعها لليهود فان غطرسة الولايات المتحدة بلغت حدا احتلوا معه الجزيرة العربية ، أقدس مقدسات المسلمين. لهذا ولأعمال عدوانية وظالمة اخرى فقد أعلنا الجهاد ضد الولايات المتحدة"(30).
أنا وأنتم يمكن أن نتفق على أن اسامة بن لادن ، من الناحية الأخلاقية ، ينتمي الى انسان النيندرتال لتبنيه هذا الشكل من أشكال الجهاد. ولكن هل يمكن لنا أن نتفق على أنه ومرتزقته كانوا مدعومين بنصوص مقدسة أيضا؟ كل ما أطلب هو الصدق.
ما هذا؟ هل عليّ أن افهم السياق الذي نزلت فيه آيات العنف في القرآن؟ تأكدوا أني قرأتُ الفقه الذي يفسر هذه الآيات "في سياقها" ، وأعتقد أن هناك لعبة متقَنَة تجري لممارسة التهرب والمناورة. أنها ليست من إخراج مؤامرة مدبَّرة وانما نتاج افتراض عميق الجذور بأن القرآن كامل لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه ، وبالتالي لا بد من وجود اسباب وجيهة تماما للكراهية التي كثيرا ما يُبشر بها.
خذوا محاجَّة بارزة واحدة تدافع عن الإسلام "الحق" بوصفه دين سلام(31). تذهب هذه المحاجَّة الى ان الله كان يشير على محمد في السراء والضراء ولذا فان آيات الشر في القرآن لا تعكس سوى اوقات الشدة التي واجهها محمد في السنوات الخمس والعشرين أو نحو ذلك التي امضاها في نشر الإسلام. فقد بدأ محمد التبشير برسالته في مكة حيث تعلق العبيد والأرامل واليتامى والفقراء الكادحون برسالته غير التقليدية التي تدعو الى الرحمة. والله يعلم أن هؤلاء المنبوذين كانوا بأمس الحاجة الى جرعة من الشفقة في العاصمة التجارية للجزيرة العربية بتقسيماتها الطبقية على اساس اقتصادي وتحللها الأخلاقي. إذاً ـ في البداية نزلت آيات القرآن مشدِّدة على الرحمة.
ولكن سرعان ما شعرت طبقة التجار المكية بالخطر الداهم الذي يهددها ـ فأخذت تتوعد بدورها. شدَّ محمد وأتباعه الرحال وهاجروا الى المدينة لحماية أنفسهم. وهنا ، من حيث الأساس ، تتحول رسالة القرآن الرحمانية الى رسالة قصاص وعقاب. في المدينة رحب قسم من السكان بالمسلمين المهاجرين فيما كان للبعض الآخر موقف مغاير قطعا. ومن بين الذين لم يرحبوا بهم أكبر القبائل اليهودية في المدينة ، التي تواطأت مع المشركين في مكة على اغتيال محمد وإبادة الذين اشهروا إسلامهم. وقد فشلوا في مخططهم لأن الله أوعز الى محمد بتوجيه ضربة استباقية. وتذهب المحاجَّة الى أن هذا هو مصدر القسوة في القرآن. ولكن ، كما تمضي المحاجَّة ، ان المسلمين لم يبدأوا بروح القصاص هذه بل لجأوا اليها من أجل الحفاظ على أنفسهم ، ولبعض الوقت فقط. ورسالة الإسلام "الحق" الأولى هي الرسالة التي دشن محمد دينه بها. وهي رسالة عدل ومساواة ووحدة ـ وسلام.
يا لها من سلوى عاطفية. وفي حين كنتُ أتمنى أن اصدِّق هذا الطرح فإني كلما أمعنتُ في القراءة والتفكير تناقص فهمي لمعناه. وابتداء ليس واضحا أي الآيات نزلت على محمد في هذا الوقت أو ذاك(32). إذ يبدو القرآن مرتبا حسب حجم الآيات ـ من الأطول الى الأقصر ـ لا حسب التسلسل الزمني لنزولها. كيف يمكن لأحد أن يعزل الآيات "الأبكر" ناهيكم عن أن يقرأ فيها الرسالة "الحق" التي ينطق بها الإسلام؟ علينا أن نعترف بحقيقة ان رسالة القرآن مبثوثة في كل ركن من أركان عالمنا التعيس. الرحمة والاحتقار يتعايشان جنبا الى جنب. أنظروا الى موقفه من المرأة. فان آيات مفعمة بالأمل واخرى مشبعة بالكراهية لا تبعد إلا اسطرا عن بعضها بعضا ، والشيء نفسه يصح على التنوع الديني. وليس هناك اتجاه واحد يمكن تشخيصه في هذا النص الذي يُزعم أنه كامل ، لا مراء فيه ولا لبس. ان كمال القرآن هو في نهاية المطاف كمال مشكوك فيه.
ياه ، هل تجاوزتُ الحد؟ ان تجاوزي أنا الحد يتوارى خجلا بالمقارنة مع تجاوز ارهابيي "القاعدة". فهؤلاء ، بخلافي أنا ، يخرجون سعيا الى القتل. وإذا كنا صادقين بشأن محاربة الاستبداد الخانق الذي يمثلونه فلا يمكن ان نخشى من السؤال: وإذا لم يكن القرآن كاملا؟ وإذا لم يكن برمته كلام الله؟ وإذا كان ملغوما بالاحكام البشرية المنحازة؟
لنتعامل برهة مع هذا الاحتمال. كتب محمد عطا ، قائد الانتحاريين الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر ( ايلول ) وصية قاتلة باسم عصابته. وقال في الوصية: "يكفينا أن [ آيات القرآن ] هي كلمات خالق الأرض والأجرام السماوية..." ليس مرة واحدة وانما ثلاث مرات اشار عطا الى انه يجد عزاءه في "كل ما وعد الله به الشهداء" ، وبخاصة:"