الخلل في الإسلامدعوة الى الصحوة من أجل الأمانة والتغييرإرشاد منجيجميع حقوق الطبع محفوظة ويجوز استعمال هذا النص واقتباسه شريطة الإشارة بوضوح الى المصدر. |
شكر وتقدير
إني البسُ خاتمين ، خاتم يرمز الى حبي لله وخاتم للتعبير عن آصرة ارتباطي بشريكتي ميشيل دوغلاس. لذا سابدأ بشكر الله وأكثر ما اشكره عليه هو ميشيل. فمن بين كل ما منحتني اياه منحتني ايضا التولع بالعدو. وبسبب هذه الهواية انهيتُ نصف ماراثون في الايام الاولى من تأليف هذا الكتاب. وخلال تلك الساعتين اللتين توقف فيهما العقل رأيتُ اشجارا على يساري وشلال ماء على يميني ، وابنية امامي ، وشعرتُ من صميم قلبي بالتوحيد ـ بوحدة خلق الله ـ الذي يصدف كونه اول ركن من اركان الاسلام. ومن نواحي أكثر مما يتسنى لي تعدادها فان ميشيل هي صفحة الشكر والتقدير.
آن كولينز من دار راندوم هاوس Random House تأتي ايضا على رأس القائمة ، اولا لشجاعتها في نشر هذه الرسالة ـ الكتاب. ولكن هذا ليس كل شيء. فالأمانة التي تحدثتُ بها عن الاسلام قابَلَتها آن بأمانة مماثلة في كل ما يتعلق بالمخطوطة. وآن بوصفها حاضنة تحتاج الى ممارسة ، ولكن بوصفها محررة وناشرة ما كان لي ان اطمح بأفضل منها. كما يستحق بيل كامبل وفريقه في دار ماينستريم ببليشنغ Mainstream Publishing كل التقدير لموافقتهم على هذا النص في وقت ابتعد عنه ناشرون بريطانيون آخرون. وهذا تذكير في محله بأن "الاتجاه السائد" لا يعني بالضرورة اتجاها "تقليديا".
كان هناك آخرون مَنَّ الله عليّ بهم. فان بول مايكلز ساعدني على اقامة اتصالات ، وفي مجرى ذلك ، اصبح صديقا موثوقا. وأنا اعتزُ بصحبته المتألقة فكريا. والجوقة ذات القلوب الكبيرة في مركز هارت هاوس الطلابي بجامعة تورنتو وعلى رأسها مارغريت هانكوك ، وفرت لي مكتبا فاخرا ومكتبة للعمل منهما. وقد اتاح لي ما وهوبه من مكان ان انكبُّ على عملي في البحث والتنقيب مع الإبقاء على علاقتي في البيت سالمة. فشكرا هارت هاوس. أشكرُ ايضا ، على ما يبدو في ذلك من غرابة ، جهازي المحمول لاستخدام البريد الالكتروني ، بلاكبري Blackberry ، الذي سجلتُ وحفظتُ فيه ملاحظات مستفيضة وَجَدتْ طريقها الى نص الكتاب. بل اني حتى استخدمتُ جهازي هذا لكتابة مقطع نقدي لم يتحمل الانتظار الى ان أمتشقُ القلم والورق من اجل تسطيره. وفي اوقات كهذه أُهيمُ بتضافر التكنولوجيا والايمان.
رغم ان هذا الكتاب استغرق زمن حياة كاملة قبل ان يختمر فلم يكن لدي سوى عام لكتابته. وبمثل هذا الجدول الزمني الضيق اسهم كثيرون بسقطهم. فان فال روس وجون بيرس وكندال اندرسن ساعدوني على تشذيب الافكار من لحظة الانطلاق الاولى. ونشأ طابور دولي من المشاركين في مجال البحث ـ والذين تطوروا الى مساعدين هم سمارة حبيب وكارولين فيرنانديز وميكي سيراك. وكانت معونة ريك ماثيوز وصموئيل سيغيف كبيرة في تدقيق الحقائق. وان مداخلات فرانك كلارك واماندا ساسمان ولينساي هندرسن حققت لي لقاءات هامة في حين ان النقاشات المحتدمة مع جيرالدين شيرمان وروبرت فولفورد وانا بورتر وانا مورغان واماتزيا بارام ودوغ سوندرز ودون حبيبي وطارق ونرجس فتاح قادتني الى معارف هامة. ( ينبغي ان أُشير الى ان الزوجين فتاح يختلفان تماما مع وجهة النظر التي ابديتها عن فلسطين وكذلك مع ما أُوجهه من اتهام بوجود تواطؤ اسلامي مع الهولوكسوت ( المحرقة). ويفضي هذا الى سبب آخر للتعبير عن شكري لهما ـ على عدم سماحهما للاختلاف الحاد بأن يُفسد في الود قضية ). كما كان مهما في ثقافتي ، عملي مع منافذ اعلامية مختلفة بينها غلوب اند ميل Globe and Mail وستي تي في Citytv وماكلينز Maclean’s وفيشن تي في Vision TV وناشنال بوست National Post وغلوبال تي في
Global TV وهيئة الارسال الكندية وهورايزونز Horizons وفي المقام الاول تي في اونتاريو TVOntario حيث للأفكار الكبيرة أهميتها.
ان الدعم الذي ابداه الاصدقاء في لحظات هبوط المعنويات هو ما أُثمنه أعظم تثمين. وفي هذا المجال أخصُّ بالذكر سمانثا هايوود وادريانا سالفيا واندرو فيدوسوف وميشال لامورو ومايكل سافج وعصبة بوشكونغ لايك. اما الذين لا يجدون اسماءهم في هذه القائمة المختصرة فبامكانهم التعويل على وجبة عشاء على حسابي ( لم اذكر إلا أكثر الاصدقاء بذخا لكي لا ينتهي بي المطاف الى الافلاس ). وبمناسبة الحديث عن تفادي الافلاس فمنِّي اعمق التقدير لوكيل اعمالي مايكل لايفاين وساعده الأيمن ، ماكسين كوينغلي.
وأخيرا بودي ان اشكر والدتي على تحليها بالصلابة. فهي على الرغم من كونها مسلمة مؤمنة لم تطلب مني قط العدول عن تأليف هذا الكتاب. ولكنها حذرتني من إغضاب الله. وفي عصر ذات يوم فيما كنا أنا وهي نحضر مجلس العزاء بوفاة قريب قالت لي أن اتوجه بالسلام الى إمامها الذي حضر جوا للمناسبة. مددتُ له يدي تحيةً. لم يرفض الإمام ملامسة يدي فحسب بل رفض حتى الاعتراف بوجودها. وعندما سألتُه عن السبب تذرع بوجود "أحكام". اقترحتُ ان الانسانية ينبغي ان تكون لها اولوية اعلى من الالتزام بـ "أحكام". وشهقت امي لدى سماعها ذلك محذرة ، "رجائي انكِ لم تكوني فظة معه!" أُماه ، سواء أكنتُ "فظة" معه أو لم أكن في الصفحات السابقة ـ وأنت وحدك قادرة على الحكم بنفسك ـ فاني اطلبُ منكِ شيئا واحدا: ارجوك ان لا تخلطي بين إغضاب أئمة وإغضاب الله.
هاجرتْ عائلتي الى الغرب شأنها شأن ملايين المسلمين خلال السنوات الأربعين الماضية. وفي عام 1972 وصلنا الى ريتشموند ، وهي ضاحية من ضواحي الطبقة الوسطى في فانكوفر بمقاطعة بريتش كولومبيا. كنتُ في الرابعة من العمر. وفي الفترة الواقعة بين 1971 و1973 كان الوف من مسلمي جنوب آسيا غادروا اوغندا هربا بعدما أعلن الدكتاتور العسكري الجنرال عيدي أمين دادا أن افريقيا للسود. وأُمهل ذوي البشرة السمراء منا أسابيع لا أكثر للرحيل أو مواجهة الموت. وكان مسلمون قد أمضوا أعمارهم في شرق افريقيا بفضل البريطانيين الذين جاءوا بنا من جنوب آسيا للمساعدة في مد خطوط السكة الحديد في مستعمراتهم الأفريقية. وبعد أجيال قليلة ارتقى كثير من المسلمين الى مصاف التجار الموسورين. وكان والدي وأشقاؤه يديرون وكالة لبيع سيارات مرسيدس بنز قرب كمبالا مستثمرين الحراك الطبقي الذي اورثه البريطانيون لنا لكننا ، من جهتنا ، لم نمنحه للسكان الأصليين من السود الذين كانوا يشتغلون عندنا.
كان مسلمو شرق أفريقيا ، في الغالب ، يعاملون السود معاملة العبيد. وأذكرُ أن والدي كان يضرب خادمنا توماسي ضربا مبرحا حتى وَسْمِ اطرافه الفاحمة برضوض لامعة. ورغم أننا ، أنا وشقيقتيَّ وأمي ، كنا نحب توماسي فنحن أيضا كُنا نُعاقَب بالضرب إذا ما ضبطنا والدي نضمِّد اصاباته. كنتُ أعلم أن هذا يحدث في الكثير من بيوت المسلمين الأخرى ، وأن هذه العبودية استمرت زمنا طويلا بعد رحيل عائلتي. ولهذا السبب رفضتُ في سن المراهقة فرصة القيام بزيارة اقارب لي في شرق افريقيا. وحذرتُ والدتي قائلة: "إذا ذهبتُ معكِ تعرفين أنه سيتعين عليّ أن أسأل عماتَكِ وأعمامكِ السمان لماذا هم عمليا يستعبدون خدمهم".
كانت والدتي تريد ان تكون الزيارة توديعا للمسنين من ذوي القربى وليست حملة من اجل حقوق الانسان. ولتفادي إحراجها لم ارافقها في رحلتها خارج الوطن.
في غياب أمي أمعنتُ التفكير في ما يعني أن يكون المرء في "وطنه" فقررتُ أن الوطن حيث تكون كرامتي محفوظة وليس بالضرورة حيث نشأ أجدادي. وعندها أدركتُ لماذا إجتاحت القارة التي ولدتُ فيها حمى القومية الأفريقية ما بعد الحقبة الاستعمارية ممثلة بشعار "أفريقيا للسود!". فنحن المسلمين جعلنا الكرامة أمرا صعب المنال على مَنْ بشرتهم اكثر سمارا من بشرتنا. وقد عمدنا الى إستغلال السكان الأفارقة الأصليين أبشع استغلال. وأرجوكم أن لا تقولوا لي أننا تعلمنا القسوة الاستعمارية من البريطانيين لأن على هذا يترتب السؤال: لماذا لم نتعلم منهم أيضا أن نفسح في المجال للسود من ذوي المبادرات الفردية في عالم الأعمال مثلما فعل البريطانيون معنا؟ أنا لا أعتذر عما تلحقه فكرة امتلاك عبد بإسم توماسي من إساءة. واني لواثقة من أن غالبيتكم ايضا يناهضون العبودية. ولكن الإسلام لم يكن هو الذي ربَّى فيَّ الإيمان بكرامة الفرد بل البيئة الديمقراطية التي هاجرنا اليها أنا وعائلتي: ريتشموند حيث يمكن الأخذ حتى بيد طفلة مسلمة صغيرة ـ ولا أعني طلب يدها للزواج. دعوني أوضح.
بعد عامين على استقرار عائلتي اكتشف والدي توافر خدمات مجانية للعناية بالاطفال أثناء غياب الوالدين ، في كنيسة روز اوف شارون المعمدانية
Rose of Sharon Baptist Church ( ما أن تقول كلمة "مجانا" للمهاجر حتى تتراجع الإنتماءات الدينية الى موقع ثانوي امام الصفقة المتاحة في اليد ). وكل اسبوع عندما كانت والدتي تغادر المنزل لبيع منتجات "ايفون" بالطواف على البيوت كان والدي الذي لا يكن حبا كبيرا للأطفال ، يترك صغاره في الكنيسة. وهناك كانت السيدة الجنوب آسيوية المشرفة على دراسة الكتاب المقدس تبدي من الصبر معي ومع شقيقتي الأكبر سنا ما تبديه مع ابنها الذي من دمها ولحمها.
وهي التي غرست فيّ القناعة بأن اسئلتي كانت جديرة بأن تُسأل. وبديهي ان الأسئلة التي كنتُ اطرحها طفلةً في السابعة من العمر ما كان لها إلا ان تكون أسلئة بسيطة. من أين أتى المسيح؟ متى عاش؟ ماذا كان يشتغل؟ ممَّ تزوج؟ هذه الأسئلة لم تضع أحدا في مأزق ، ولكن مقصدي ان فعل السؤال ـ ثم السؤال ـ كان دائما يلقى ابتسامة أخَّاذة.
لعل هذا هو الحافز وراء فوزي ، في الثامنة من العمر ، بجائزة "أفضل المسيحيين الواعدين لهذا العام". وكانت جائزتي: طبعة مصورة بألوان زاهية لمائة قصة وقصة من الكتاب المقدس. أنظرُ الى الماضي الآن وأحمدُ الله أن المطاف انتهى بي في عالم لا يتعين أن يكون القرآن كتابي الأول والأوحد فيه ، كأنه الغذاء الروحي الوحيد الذي تقدمه الحياة الى المؤمنين. زد على ذلك ان طبعة الـ 101 قصة من الكتاب المقدس سحرتني بصورها. كيف ستبدو 101 قصة من القرآن؟ في حينه لم أرَ شيئا من هذا القبيل. واليوم ليس هناك شح في كتب الأطفال التي تتناول الإسلام ، بما فيها كتاب "حرف الألف مفتاح لكلمة الله"(1) من تأليف يوسف إسلام ( المعروف سابقا باسم كات ستيفينز Cat Stevens ). فالمجتمعات الحرة تتيح اعادة اختراع الذات وتَطوُّر الديانات.
بعد فترة وجيزة على فوزي بلقب "أفضل المسيحيين الواعدين" ، اقتلعني والدي من الكنيسة. فان مدرسة دينية اسلامية جديدة ستُفتَح قريبا. وهذه المتشاطرة الصغيرة لا تستطيع الانتظار. وقياسا على تجربتي في مدرسة ايام الأحد ستكون المدرسة الإسلامية مسلِّية ، أو هكذا افترضتُ ببراءة.
في غضون ذلك كان عالمي الجديد ينمو مع نموي. فقد افتُتح مجمع ضخم من الأسواق التجارية سيكون له دور محوري في تربيتي كمسلمة. انه مجمع لانزداون سنتر Lansdowne Centre وسرعان ما كانت الأسماء المتألقة على
اليافطات الخارجية لمؤسسي ريتشموند من الاسكتلنديين ـ أمثال بريغهاوس Brighouse وماكنير McNair وبرنت Burnett وستيفنسن Stevenson تتزاحم من أجل لفت الانتباه مع كلمات باللغات الهندية والبنجابية والاوردية والصينية بشقيها الماندارن والكانتونية ، والكورية واليابانية. كانت هذه اللغات تغطي داخل مركز ابردين Aberdeen Centre الذي شُيد بعد سنوات واعتُبر "أكبر مجمع أسواق آسيوي مغلق في أميركا الشمالية"(2).
قبل ذلك بزمن طويل كنتُ توصلتُ الى أن مكانا مثل ريتشموند يمكن أن يحتضن عمليا كل من يبدي روح مبادرة. ففي الصف العاشر رشحتُ لرئاسة الاتحاد الطلابي في مدرسة جي. أن. برنت الثانوية
J. N. Burnett Junior Secondary School. وقبل ذلك بعام كنتُ قد فشلتُ في محاولتي لأكون ممثلة طلاب الصف حيث أدلى بالصوت الحاسم ضدي مشاغب قذر لا يريد أن تكون "نكرة من باكستان" Paki مسؤولة صفِّه. بعد عام لا أكثر قرر غالبية الطلاب في المدرسة برمتها ان تكون هذه "النكرة من باكستان" قائدتهم المنتخَبَة حسب الأصول. في ريتشموند لم يكن على العنصرية أن تطوُّق طموحاتي اكثر مما كان على العرق نفسه أن يحدد هويتي.
بعد أشهر قليلة على انتخابي رئيسة للمنظمة الطلابية كان نائب مدير مدرستي ماراً بالخزانة التي احفظ فيها متعلقاتي فتوقف مذهولا عندما لمح ملصقا للثوار الايرانيين وضعتُه داخل الخزانة. كان الملصق الذي أرسله عمُّ لي في فرنسا يصوُّر نساء ملحفات بالشادور الأسود وهن يحطمن جناحي طائرة رُسم على الجناح الأيسر منها شعار المطرقة والمنجل السوفياتي وعلى الجناح الأيمن خطوط العلم الأميركي ونجومه.
حذرني نائب المدير قائلا "أن هذا ليس لائقا. أنزليه".
أشرتُ الى الخزانة المجاورة التي كان علم أميركي يتدلى منها وسألتُ "إذا كان بمقدور هذه الفتاة ان تعبر عن رأيها علنا لماذا ليس بمقدوري أنا أن افعل ذلك؟"
أجاب نائب المدير: "لأنك تحطِّين من قيمنا الديمقراطية. وبوصفِكِ رئيسة الطلاب كافة عليكِ أن تكوني أكثر حكمة من أن تفعلي ذلك".
أعترف بأني لم أدرك ان نظام آية الله الخميني كان يَقْطُرُ توتاليتارية. لم أكن على إطلاع كافٍ. فانا إذ أغوتني الدعاية من جهة والاعتزاز بالحياة في مجتمع حر من الجهة الأخرى ، أردتُ أن أُنادي بتنوع الآراء لكي لا تحجب ألوان العلم الأميركي ما هناك من ألوان أخرى. تلكم كانت مُحاجَّتي. "أأنا الذي يحطُّ من الديمقراطية؟ كيف يكون دعمكم للديمقراطية بأن تقولوا لي ان ليس في امكاني التعبير عن موقفي ولكن "سواي يمكن لهم" ، مشيرة الى الخزانة الملفوفة بالعلم"؟
كنا نحدق في وجه أحدنا الآخر. قال نائب المدير ، "إنكِ تقدِّمين مثلا سيئا". ثم شدَّ جذعه ومضى في سبيله.
لابد من الاعتراف له بفضل السماح لتنوع الآراء بالبقاء والاستمرار في مدرسة برنت الثانوية. ومما يزيد الاعجاب به انه من معتنقي المسيحية الانجيلية. وهو لم يخفِ معتقداته الشخصية لكنه ما كان ليفرضها على الطلاب ـ ليس حين كانت رئيسة المجلس الطلابي تبدو من مؤازري ثيوقراطية الخميني ، ولا حتى عندما تحرك الطلاب مطالبين بأزياء مدرسية تكشف من السيقان أكثر مما كان في نظره معقولا. وبعد نقاش ساخن معنا وبعض المماطلات المتعمدة استراتيجيا رضخ لمطلب الزي القصير حانقا لكنه حافظ على احترامه لإرادة الجماهير. كم من المتزمتين المسلمين تعرفون سيتخذون موقفا متسامحا مع التعبير عن وجهات نظر تكدِّر نفوسهم؟ بالطبع كان على نائب مدير مدرستي أن يتراجع عن موقفه
ملتزما بنظام المدارس الحكومية ولكن مثل هذا النظام لا يمكن أن ينهض إلا نتيجة إجماع على أن البشر على اختلاف معتقداتهم وأصولهم وتطلعاتهم ومواقعهم ينبغي ان يتباروا مع بعضهم بعضا. فكم من البلدان المسلمة تطيق مثل هذا التنافس؟
يا إلهي كم أحببتُ هذا المجتمع. أحببتُ فيه أنه كان يبدو في بحث دائم عن اجابات نهائية لا علم لأحد بها بعد ـ إن كانت هناك إجابات كهذه. أحببتُ فيه أن لمساهمات الأفراد أهميتها في عالم لا يني يتجدد.
ولكن في البيت كانت قبضة والدي الجاهزة دوما تتكفل بطاعة اسرته لقواعد منزلية اعتباطية. لا تضحك عند تناول الشعاء. عندما اسرق مدخراتك تخرس أنت. عندما أركل عجيزتك تذكَّر أن الركلة ستكون أقسى في المرة القادمة. عندما أنهال على أمك بالضرب لا تطلب الشرطة. وإذا جاءوا سأقنعهم بالعودة أدراجهم وانتم تعلمون ان هذا ما سيفعلون. وما أن يغادروا سأقلع أذنك. وإذا هددت بإخطار الخدمات الاجتماعية سأبتر الأذن الأخرى.
المرة التي طاردني فيها والدي بسكين حول الدار أفلحتُ في القفز من نافذة غرفتي والمبيت على السطح. لم تكن لدى أمي فكرة عن حالي لأن نوبة عملها لدى شركة طيران لم تكن تنتهي إلا في الساعات الأولى من الصباح. سيِّان ، فأنا لستُ متأكدة من أني كنتُ سأزحف نازلة نتيجة وعد لي منها بالأمان. كنتُ أحب السطح للسبب نفسه الذي دفعني الى حب مدرستي وكنيسة روز شارون المعمدانية ، وبعد سنوات ، مجمَّع اسواق ابردين سنتر. فهي نوافذي التي كنتُ أطل منهاُ على عالم من الاحتمالات المفتوحة. في عالم مسلمي شرق أفريقيا الذي تحدرتُ منه هل كان مباحا لي أن أحلم بتعليم رسمي؟ بالحصول على منحة دراسية؟ بالمشاركة في منافسات سياسية ، ناهيكم عن تولي منصب من جرائها؟ بناء على الصور الفوتوغرافية المحبَّبة بالابيض والأسود التي أظهر فيها وأنا في سن الثالثة
ألعب متقمصةً دور العروس ، رأسها مبرقع ، ويداها معقودتان ، وعيناها خفيضتان وساقاها متدليتان من الأريكة ، لا أملكُ سوى التهكن بأن تراتبية لا هوادة فيها كانت ستكون مآلي لو بقيتُ داخل أسوار اوغندا المسلمة. ما رأيكم في مثل هذا الفهم العميق لما هو بديهي؟
السؤال الأكبر هو لماذا كانت الأوتوقراطية خيار المدرسة الدينية الإسلامية في ريتشموند ، التي فتحها مهاجرون في بلاد الحقوق والحريات هذه؟ فمن سن التاسعة حتى سن الرابعة عشرة أمضيتُ كل يوم سبت في تلك المدرسة. كانت الحصص تُنظَّم في الدور العلوي لجامع حديث البناء أشبه ببيت ضخم من بيوت الضواحي منه بالعمارة الشرق اوسطية. ولكن في الداخل كان الإسلام المتزمت هو السائد في كل ركن. كان الرجال والنساء يدخلون الجامع من بابين مختلفين ويتخذون أماكنهم على الجانب المحدَّد لكل جنس من جدار أصم يشطر المبنى الى نصفين يُحجَر فيهما كلا الجنسين خلال التعبد. وشُيد في هذا الجدار باب يربط جانبي الرجال والنساء. كانت لهذا منافع عملية بعد أداء الشعائر عندما يطالب الرجال بمزيد من الطعام الذي يُعد في المطبخ الجماعي وذلك بمد صحونهم من خلال الباب ثم الطرق على الجدار والانتظار لحظات لا أكثر قبل ان تمتد ذراع امرأة مقدِّمة الصحون عامرة من جديد بالأكل. في الجامع لم يتعين ذات يوم على الرجال أن يروا النساء ، ولم يتعين ذات يوم على النساء أن يكنَّ مرئيات. وإذا كان هذا لا يعني الحكم علينا بحياة بائسة فثمة شيء كبير لا افقهه.
كانت المدرسة الدينية الإسلامية في الدور العلوي بديكورها الكئيب من البُسط ذات اللون البني الكابي والمصابيح الفلورية المشعة والحواجز المتنقلة التي تفصل البنات عن البنين. وحيثما كان الصف يلتئم بتلاميذه وتلميذاته في فضاء تلك الغرفة الفسيح كان حاجز يُنقل معهم. الأسوأ من ذلك كان الحاجز بين العقل والروح. وفي دروس يوم السبت التي كنتُ أحضرها تعلمتُ أن مَنْ كان روحانيا
لا يفكر وإذا فكر فهو ليس روحانيا. وقد اصطدمت هذه المعادلة التبسيطية بما في داخلي من فضول منعش كانت ريتشموند تداريه. سمُّوه صِدام الحضارات الذي كان يعتمل في نفسي.
الحل لم يكن الإقرار ببساطة بأن هناك عالما علمانيا وآخر غير علماني ، وان لكل منهما طُرُقَه في التعبير عن كينونته. فعملا بهذا المنطق كان على كنيسة روز اوف شارون المعمدانية ، اللاعلمانية قطعا ، أن تقمع ما لدي من اسئلة ولكن بدلا من ذلك كان فضولي مدعاة لإطرائي. وفي مدرسة برنت الثانوية ، وهي مدرسة علمانية ، كانت اسئلتي تصعِّد دم نائب مدير مدرستي الى درجة الغليان ولكن أحدا لم يعمد الى إسكاتي. ففي المكانين على السواء كانت السيادة لكرامة الفرد. تلك لم تكن هي الحال في المدرسة الدينية الإسلامية. فقد دخلتُ مبنى المدرسة وأنا ارتدي شادورا أبيض من البوليستر وغادرتُ بعد ساعات وشعري مكبوس وروحي مسحوقة كأن مانع الحمل الرجالي العملاق الذي غطيتُ به رأسي حصَّنني على الوجه المطلوب ضد أي نشاط فكري "غير مأمون".
قبل أن أنشرُ مزيدا من الغسيل دعوني أخصُّ بشيء من الإنصاف معلمي في المدرسة الدينية الذي سنطلق عليه اسم "السيد خاكي". فقد كان مسلما مؤمنا بحق. وكان هذا الأخ النحيل ذو اللحية المشذبة بدقة ( تعبيرا عن الطهارة) والسيارة من طراز "هوندا ميني كومبامت" ( إشارة الى التواضع ) يتبرع بخدماته في نهاية كل كل اسبوع ( دليلا على الصَدَقة ) لتسليح اطفال المهاجرين المسلمين بتربية دينية من دونها سيقعون ضحيةً لإباحية القيم في بلد متعدد الثقافات. وما هذه بالمهمة السهلة لأن المدرسة الدينية كانت تجتذب تلاميذ من كل الفئات العمرية: يافعون شديدو الوعي بذاتهم ، يصارعون حبَ الشباب ، ونماذج مقهقهة ، تحتمي بدورة المياه ، ومراهقون نبتت عليهم شوارب ـ وهؤلاء هم البنات فقط. كلا فإني امزح....بشكل ما.
غالبيتنا كانت تنظر الى المدرسة لا بوصفها مكانا لطلب العلم بقدر ما كانت بركة لاصطياد مَنْ سيكونوا اصحابنا لاحقا. ولأن البنات ذوات اللسان الطويل لن يُكتب لهن الزواج فان صديقاتي نادرا ما كنَّ يجادلن السيد خاكي. فماذا كانت مشكلتي؟ ألم أكن أريد الزواج ذات يوم؟
لا تستفزوني. كانت مشكلتي الآتي: إذ كنتُ مفتونة بذلك العالم متعدد الألوان خارج المدرسة الدينية فقد أصريتُ على التعلم لا التمذهب.
بدأت المتاعب مع "اعرف اسلامَك" Know Your Islam ، وهو كتاب ابتدائي كنتُ احشوه في حقيبتي المدرسية كل اسبوع. وبعد قراءته كنتُ بحاجة الى أن أعرف المزيد عن إسلامـ"ي". لماذا يتعين على الفتيات أن يلتفتن الى أساسيات مثل الصلاة خمس مرات في اليوم ، في عمر أبكر من الأولاد؟. لأن البنات ، كما أخبرني السيد خاكي ، ينضجن في وقت أسرع. وهن يبلغن "السن الإلزامي" للممارسة في التاسعة بالمقارنة مع سن الثالثة عشرة للأولاد.
سألتُ ، "إذاً ، لماذا لا نُكافأ نحن البنات على نضجنا هذا بالسماح لنا بإمامة الصلاة؟"
"لا يمكن للبنات أن يَئمَّن الصلاة"
"ماذا تعني؟"
"ليس مسموحا للبنات".
"لمَ لا؟"
"الله يقول ذلك".
"ما هي أسبابه؟"
"اقرأي القرآن".
حاولتُ القرآءة رغم الإحساس بالافتعال لأني لا أعرف العربية. هل اراكم تهزون رؤوسكم؟ غالبية المسلمين ليس لديهم أدنى فكرة عما نقول عندما نتلو القرآن بالعربية. وليس السبب أننا أغبياء بل لأن العربية واحدة من أكثر لغات العالم موسيقية ، والدروس الأسبوعية في المدرسة الدينية لا تتيح لنا استيعاب خفاياها. فان كلمة "حرام" مثلا يمكن أن تُشير الى شيء محرَّم أو "الحَرَم" بمعنى الشيء المقدس حسب التشديد على حرف الراء. المحرَّم في مواجهة الحرَم: ان الحديث لا يجري هنا عن تحولات دقيقة في المعنى. اضيفوا الى التحديات المتأصلة في هذه اللغة حقائق الحياة. وهي في حالتي أب عنيف يمارس الدين من باب المظاهر في الغالب وأم تفعل ما بوسعها لأن تكون تقية فيما هي تسعى الى إعالة الأسرة بالعمل في نوبات. ولكم أن تقدروا لماذا تخلفتْ دراسة العربية عن أن تكون من أولويات العائلة. وبصراحة فان رد السيد خاكي المبتذَل على اسئلتي ـ اقرأي القرآن ـ كان مهلهلا مثله مثل شعري المستور بالشادور.
بمرور الزمن تمخض هذا الرد بأن أقرأ القرآن عن مزيد من الاسئلة: لماذا عليّ أن اواصل اكذوبة قراءة القرآن إذا لم تكن هذه القرآءة ذات معنى عملي ولا تلامس أي وتر عاطفي؟ لماذا يجب ان نرتاب ظنا بأن كل ترجمة انجليزية للقرآن "تُفسد" النص الأصلي؟ قصدي أنه إذا كان القرآن كتابا مفتوحا كما يقول لنا الصفائيون فلماذا لا تُترجَم تعاليمه بسهولة الى ألف لسان آخر؟ وأخيرا ، لماذا تلاحق الوصمة الذين لم يُفطموا منا على العربية رغم الحقيقة الماثلة في أن العرب يشكلون 13 في المائة فقط من مسلمي العالم؟ ويعني هذا أن 87 في المائة منا ليسوا عربا. "أعرف إسلامَك" ، كما يقولون بكل خفة. إسلام مَنْ؟ أهذه ديانة أم باطنية؟
حسنا ، لنتوقف برهة.
لنأخذ سؤالي الأصلي الى السيد خاكي: لماذ لا يمكن للفتيات أن يئمَّن الصلاة؟ لقد حاولتُ استطلاع مكتبة المدرسة الدينية معتقدة بأن إجابة القرآن ستكون مكرَّرة في كتاب آخر يعينني على اكتساب ذرة من الفهم. ولكن اتضح ان ارتياد المكتبة رحلة محفوفة بالأهوال. إذ كانت المكتبة سلسلة من الرفوف تقع في نهاية السلَّم على الجانب المخصص للرجال من الجامع ـ الجانب المحظور على السيدات من دون موافقة مسبقة. ولأني كنتُ في الحادية عشرة وفي "السن الإلزامي" ، لم يكن بمقدوري التخالط مع ذكور بالغين فكان علي أن أُقنع صبيا قاصرا ـ في الثانية عشرة أو اصغر ـ للصعود نيابة عني واستحصال موافقة تجيز لي تصفح الكتب في أي وقت. وعلى افتراض حصولي على الضوء الأخضر فقد كان على جميع الرجال ان يغادروا المكان قبل أن أتمكن من صعود الدرج وتقليب مجموعة الكراسات الرخيصة المرصوفة على الرفوف. كان وقتي ، بالطبع ، محدَّدا بصرامة لأن الرجال ينتظرون العودة الى فضائهم. أفلحتُ في استعارة بعض الكراسات كل مرة ولكن مضامينها كانت أقرب الى الطلاسم ، ولا أدري في أي مدرسة تعلَّم مؤلفوها. عامان من المراوغة داخل الجامع اثبتا عدم جدواهما. وفي سن الثالثة عشرة أدركتُ ان عليّ الإلتفاف على السيد خاكي والمدرسة الدينية للتوصل الى إجابة عن سؤالي.
أصبحتُ من القوارض المقيمة في مجمع الأسواق التجارية. مهمتي؟ اقتفاء نسخة من القرآن باللغة الانجليزية. وكان مجمع لانزداون بمستوى المهمة ، فبارك الله سوق المعتقدات في مدينتي. لعل حرية المعلومات كانت ستخيف السيد خاكي ولكن هذه الحرية على وجه التحديد هي التي اتاحت لواحدة من تلاميذه أن تعثر على معنى أكبر في دينها ـ معنى ما كانت المدرسة الدينية لتقدمه.
ماذا تعلمتُ عن السبب في عدم تمكن الفتيات من أن يئمَّن الصلاة؟ لا استطيع أن اقول لكم الآن ، لأنه حتى إذا قدم الملالي ومعلمو المدرسة الدينية إجابات تبسيطية فان القرآن لا يقدم مثل هذه الاجابات. ما أستطيع ان اقوله لكم هو أني ما بين الانتخابات والبروفات المسرحية والوظائف التي عملتُ فيها ساعات محدودة وتمارين الكرة الطائرة ـ حتى دخولي الجامعة وأثناء دراستي الجامعية وبعد التخرج من الجامعة ـ درستُ كتاب الله وفي ذهني "مسألة المرأة" على رأس كل الأفكار. وأنا ما زلتُ أقرأ. ولكن الكشف عما خلصتُ اليه في هذه المرحلة سيكون قفزة الى حياتي بعد سن البلوغ. وعليَّ ، اولا ، ان أتناول شيئا آخر.
اليهود. انه السؤال الآخر الذي كان يقلقني خلال سنواتي في المدرسة الدينية لأن اليهود كانوا هدفا ثابتا للذم. كان السيد خاكي يعلّمنا والجدُّ باد على محيّاه أن اليهود يعبدون المال ولا يعبدون الله ، وان وثنيتهم ستلوث ايماني إذا خالطتهم. فتساءلتُ أي كوكب هذا الذي يسكنه السيد خاكي؟ أكان يتعمد العمى عما يحيط بنا؟ فان ريتشموند ، وهي ضاحية تحت مستوى البحر ، كان احتمال غرقها في محيط من نفوذ الآسيويين التجاري أكبر من انهيارها تحت أي جبل من المال الذي يمكن ان يكدِّسه اليهود. وإذا كان في ريتشموند معبد يهودي واحد وقتذاك فأنا لم أكن على علم به.
ولكن من جهة اخرى ربما كنتُ عميلة من عملاء سطوتهم الشبحية لأني أفلحتُ بكل تأكيد في تعطيل دروس التاريخ التي كان السيد خاكي يعطيها بعاطفة متقدة من خلال طرحي أسئلة عن اليهود. وأذكر سؤالي لماذا كان النبي محمد سيأمر جيشه بإبادة قبيلة يهودية عن بكرة أبيها في حين المفروض ان القرآن نزل عليه رسالةً من أجل السلام. السيد خاكي لم يعد قادرا على التحمل فرمقني بنظرة ازدراء ولوَّح بيده علامة انزعاج ثم أوقف درس التاريخ للانتقال الى دراسة القرآن. ما كان هذا ليحدث لولا الحاحي بالسؤال.
بعد عام على شراء نسختي الانجليزية من القرآن وصلنا أنا والسيد خاكي الى طريق مسدود. إذ ما من شيء قرأته حتى ذلك الوقت أقنعني بوجود مؤامرة يهودية. أعترف بأن عاما فترة بالكاد تكفي لهضم القرآن ، وفي سن الرابعة عشرة لا يزال ثمة الكثير من النضج العقلي الذي يتعين بلوغه. ولم يكن بوسعي تماما صرف محاضرات السيد خاكي في معاداة السامية. فمن أنا حتى أحكم بأن الهراء ينز من كل مساماته قبل ان تتوافر عندي كل الأدلة؟ لذا تحديتَه أن يقدم برهانا على المؤامرة اليهودية. ولكن ما قدمه كان انذارا نهائيا: اما أن اصدِّق أو أُغادر المكان ، وإذا غادرتُ فهي مغادرة بلا رجعة.
أحقا ذلك؟ أهذه هي النهاية؟
هذه هي النهاية.
نهضتُ والدم يغلي في عروقي والعرق يتصبب من رقبتي تحت الشادور الذي يسبب الحكة لخشونة قماشته المصنوعة من مادة البولستر. وحين اجتزتُ الخط الفاصل عند الحاجز كان بمقدوري ان أكشف عن رأسي ليراه جميع الصبيان ولكني لم أرد المجازفة بالتعرض الى مهانة الطرد على يد السيد خاكي الذي كان حتى أكثر مني تأثرا بالفضيحة. كل ما استطعتُ التفكير في عمله هو فتح باب المدرسة الدينية الحديد ، الثقيل ، والصراخ ، "بحق اليسوع المسيح!". مغادرة مشهودة على ما كنتُ آمل. ولم أدرك كم كانت مشهودة إلا لاحقا. فقد كان المسيح يهوديا!
أتتساءلون لماذا ، بعد طردي من المدرسة الدينية ، لم ألعن الدين كله وأمضي الى الاحتفاء بروحي الشمال اميركية "المعتوقة"؟ من ضمن الأسباب أن حُكم الهوية
فَعَلَ مفعوله. وأنتم تعرفون ما أقصده. فان غالبيتنا نحن المسلمين لسنا مسلمين لأننا نفكر في الأمر بل لأننا نولد هكذا. والسؤال هو "مَنْ نكون!
نهاية أيامي في المدرسة الدينية أحرجتْ والدتي ولكنها عاشت معي زمنا أطول من ان يؤدي بها الى الاعتقاد أن بامكانها أن تأمرني بالخنوع طلبا للمغفرة من السيد خاكي. كان ذلك غير وارد بالمرة. ولا هي أكرهتني على الذهاب الى الجامع معها. ولكن لمدة عامين من الزمن كنتُ في الحقيقة اتردد على الجامع. فلقد كان المكان الوحيد الذي ظل مفتوحا لي على خريطة إسلامي الهش. أحببتُ الله ولم أكن بصدد تحميل الجامع وزر خطايا المدرسة الدينية ـ حتى توصلتُ شيئا فشيء الى الادراك بأن المدرسة الدينية التي أمقتها هي امتداد للجامع. ولعل التردد على الجامع أتاح لي تحديد هويتي كمسلمة ولكنه اجبرني ايضا على التضحية بذلك الجزء الذي لا يقل قدسية من هويتي: الانسان المفكر.
دعوني أروي لكم حكاية أخرى. فان من اركان الإسلام الخمسة ، الزكاة. لذا ساد الجو ذات مساء همس من الاستحسان عندما أعلن المكبر على الجانب المخصص للنساء من الجامع ، هاتفا بصوت الملا على الجانب المخصص للرجال ، عن تنظيم حملة لجمع التبرعات من أجل اخوتنا المسلمين وأخواتنا المسلمات في الخارج. وكان علينا إعداد الشيكات في غضون أيام قليلة. وخلال تلك الفترة سألتُ عضوا في فريق السيدات المساعدات أين ستذهب هذه التبرعات. فذكرت لي منظمة إسلامية ذات اسم كلاسيكي ثقيل. سألتُها لأي غرض سوف تُستخدَم الأموال فأجابت لإطعام اخوتنا واخواتنا المسلمين. وإذ تذكرتُ تقارير تلفزيونية عن اتهامات بالاحتيال وُجهت الى منظمات خيرية مسيحية سألتُ كيف نعرف ان التبرعات ستؤول الى الجهة التي نقصدها. فردت بنزق ، "انها ستذهب الى المسلمين وهذا كل ما تحتاجين الى معرفته".
هل تصدِّقون؟ أنا لم أُصدِّق. خلافي لم يكن مع الزكاة وانما مع اكتناز المعلومات. لماذا أشعرُ بالاطمئنان لمجرد أن اشخاصا يسمُّون أنفسهم مسلمين سيتلقون تبرعاتي؟ هل أن كل مسلم يعمل من أجل المعروف بحكم كونه مسلما؟ يا له من ايمان. أين هي الجريمة في استفساراتي؟ أم أن الاستفسارات نفسها هي الجريمة؟ والدتي المحاصرة لم تبدُ في صدمة تماما عندما شرحتُ بأني لم استطع الإسهام في تبرع العائلة لأنه مَنْ ذا الذي يكترث في الواقع أي ديانة يعتنقها الجائع ، فضلا عن احتراسي من تمرير مشروع الحملة علينا. قلتُ ان صَدَقاتي ستذهب بدلا من ذلك الى منظمة خيرية غير دينية سأتحرى عن مصداقيتها
كلما شعرتُ بأن الجامع أقرب الى المدرسة الدينية تناقص ترددي عليه. وبدأتُ في تفكيك مركزية ديانتي منميَّة علاقة شخصية مع الله عوضا عن الافتراض بوجد واسطة بيني وبينه من خلال الجماعة. وبهذه الروح رحتُ أصلي بتوحد راكعة بمفردي (3). كل يوم على امتداد سنوات كنتُ استيقظ في ساعة مبكرة واقصد مرتجفة غرفة حمام بلا تدفئة ـ والدتي اللاجئة كانت تؤمن بوجود فواتير منخفضة بقدر ايمانها بوجود قوة عليا. وبعد الوضوء كنتُ افرش سجادتي المخملية وأصوّبها باتجاه مكة وأضع التربة العربية التي ستلامسها جبهتي وأقضي الدقائق العشر التالية في الصلاة. انها تمرين في بناء الانضباط لا سيما وان المرء يغتسل مرتين اخريين في اليوم ويؤدي الصلاة اربع مرات أُخر.
ولكن الممارسة كلها في غسل اجزاء موصوفة من الجسم وتلاوة آيات بعينها والجثو بزاوية لا تحتمل المساومة ، كل ذلك في أوقات محدَّدة من اليوم ، يمكن أن تنحدر الى خضوع لا يقره العقل ـ والى استسلام مكرَّس بقوة العادة. وإذا لم تروا هذا النزوع لدى الآباء أو الأجداد فانكم يا أصدقائي تنتمون الى صنف نادر من المسلمين. أدركتُ أن ما بدأ دليلا الى مخافة الله أصبح ترديدا رتيبا حملني على الاستعاضة عن "روتين" الصلاة عندي بشيء أقرب الى الوعي الذاتي:
أحاديث صريحة غير مصطنعة مع خالقي طوال اليوم. قد يبدو هذا خارجا عن المألوف ولكني استطيع على الأقل أن اقول ان تلك الكلمات كانت كلماتي أنا.
ما كان التخلي عن الإسلام جملة وتفصيلا والتبرؤ من هويتي المسلمة ليشكل تلك الطفرة الكبيرة وقتذاك. أتعرفون ما الذي منعني من الأقدم عليها؟ الوفاء للإنصاف. فلقد آمنتُ دائما بإنصاف الإسلام لأن الاستحقاق ينبغي ان تكون له أهميته ، بحسب مشاعري الغربية. وأنا كنتُ بحاجة الى اكتشاف شخصية الإسلام بدلا من مظهره. ومن باب المقارنة: عندما كنتُ في الثالثة عشرة أو نحو ذلك حضتني والدتي على أن أكون لطيفة مع قريبة لي خبيثة. علَّلت والدتي ذلك قائلة ، أنها جزء من العائلة ، انها من دمنا". وكان ردي ان قرابة الدم لا تعني شيئا عندي. وكان السؤال المناسب هو ما إذا كنتُ سأختار صداقتها في المدرسة لو لم نكن مرتبطتين بصلة قربى. ولكن هيهات مع شخصية كشخصيتها. وبذل مجهود من اجل "محبة" قريبتي سيكون تمثيلية سيئة الإخراج وأنا لدي اشياء أفضل افعلها في وقتي. ورغم ما ابدته والدتي من تفهم فانها لم توافق. إذ كانت الغلبة عندها للعائلة. أما عندي فلم يكن النَسَب معادلا للاستحاق ، بل الشخصية.
طبقتُ المعيار نفسه على الدين. وللبت في ما إذا كنتُ سأُمارس شعائر الإسلام كان علي أن اكتشف حسناته ـ أو عدمها. وكان علي ان اكتشف ذلك لنفسي مستعيضة عن الجامع وتقواه المبَرمَجة ببحثي أنا عن شخصية الإسلام. لعل القرآن حقا يجرد اليهود من انسانيتهم ويحكم على النساء بالخضوع. أو لعل السيد خاكي كان معلِّما سيئا. لعل الله يقضي بأن يكون الجميع ناطقين بالعربية. أو لعل ذلك حكم من صنع الانسان لإبقاء غالبية المسلمين تابعين لمن في الأعالي. لعل الخروج عن النص الروحي اهانة للعلي القدير. أو لعلنا نسبح بحمد الله على قواه الخلاقة عندما نستخدم قوانا نحن. ولكن بدون استقصاء البديل فان الانسحاب كان سيبدو هروبا.
النبأ الطيب هو معرفتي بأني عشتُ في رقعة من العالم أتاحت لي امكانية الاستكشاف. وبفضل الحريات المتوافرة لي في الغرب ـ ان افكر وأبحث واتكلم واتبادل واناقش واتحدى وأكون موضع تحدٍِ ، وأن اعيد التفكير ـ كنتُ مهيأة للحكم على ديني في ضوءٍ ما كنتُ لأتصوره في العالم الإسلامي المتخلف مجَسدا في المدرسة الدينية. لا ضرورة للاختيار بين الغرب والإسلام بل على العكس ، فان الغرب جعل من الممكن لي أن اختار الإسلام ، مهما كان هذا الاختيار أوليا. وكان بيد الإسلام أن يحتفظ بي في كنفه.
لم أكن مهووسة بالدين ولكن بين الفينة والأخرى كان سؤال يخطر وكنتُ ابحث عن إجابات في المكان الوحيد الذي كنتُ اعتقد بانه يمكن أن يقدم بعضا منها: المكتبة العامة في حقبة ما قبل الانترنت إبان الثمانينات ومطالع التسعينات. كان غالبية ما قرأتُ عن الإسلام ينضح بنبرة الكتب المدرسية. الكثير من المراجع والقليل من المخاطرة. ثم جاء 14 فبراير ( شباط ) ليصدر الخميني في ذلك اليوم فتواه ضد سلمان رشدي صاحب رواية "الآيات الشيطانية". فان هذه المزحة السمجة في يوم الحب ، كما قال رشدي لاحقا في وصف الفتوى ، طالبت الغربيين بأكثر من أن يحاذروا جماعيا حين يتعلق الأمر بالثيوقراطية. كثيرون في الغرب اتخذوا موقفا ضد حكم الموت الذي قضت به الفتوى ، وسأكون مخاتلةً إن أنا أنكرتُ ذلك. ولكن التعليقات التي تابعتُها في المكتبة العامة بدت قانعةً بمجرد شرح غضب المسلمين ، مبتعدة عن التساؤل ما إذا كان القرآن عفيفا ومقدسا كما أراد ان يوحي لنا به مَنْ خرجوا لإحراق دُمى تمثل الكاتب. ماذا جرى للغرب الذي وقعتُ في غرامه بما يكنه من احترام للأديان على ما فيه من لخبطة فكرية؟ هل أُصيب التعدد الثقافي بالجنون؟
بمعنى حاسم ، هذا ما أظن. وأقول ذلك لأن زيارتي للمكتبة تزامنت مع حقبة ادوارد سعيد ، المثقف العربي الأميركي الذي استخدم في عام 1979 كلمة "الاستشراق"(4) لوصف نزعة الغرب المفتَرَضة الى استعمار المسلمين بأبلَستهم في هيئة مسوخ غريبة من الشرق. وهذه نظرية لها ثقلها بكل تأكيد ولكن أليس تولي الغرب "الامبريالي" نشر كتاب سعيد وتوزيعه وتروجيه شهادة تسطِّر مجلدات لصالحه؟
في غضون عقد من الزمن كان سعيد آخر صرعة بين الشباب من الأكاديميين الذين تحولوا ناشطين في أميركا الشمالية واوروبا. وخنقت عبادتهم له ما هناك من أفكار اخرى عن الإسلام. وعندما طلع سلمان رشدي علينا بآياته الشيطانية ، وقف مريدو سعيد على أهبة الاستعداد لشجب كل ما يسيء الى مسلمي التيار السائد على أنه "استشراقي" ( اقرأ: عنصري). ومن خبرتي فان المكتبة العامة لم تنج من هذا الزمهرير.
بدأتُ استعيد إيماني بالغرب وبالإسلام على السواء في منتصف التسعينات. وأحمد الله على الانترنت في ذلك. فان هذا الشبكة إذ جعلت الرقابة الذاتية نافلة ـ كان من المحتم أن يقول غيرُك ما لن تقوله أنت ـ أضحت المكان الذي تألق فيه أخيرا مغامرو الفكر ، وأكدوا مجددا ما يجعل الغرب حاضنة أفكار لا تعرف الكلل وإن كانت قاصرة: حب الغرب للاستطلاع ، بما في ذلك استطلاع انحيازاته ذاتها. وفيما كان الناقدون يتحرَّون الإسلام ، أكتشفتُ أنا جوانب مذهلة من ديني.
كم منا يعرف الى أي حد كان الإسلام "هدية من اليهود" (5). فان وحدة خلق الله وعدالة الله المتأصلة ، والغامضة في أكثر الأحيان ، وكون حياتنا الدنيا وُجدت لغاية ، ولا نهائية الآخرة ـ هذه وغيرها من المبادئ الكبرى للديانة التوحيدية
جاءت الى المسلمين من اليهودية. وقد دوخني هذا الاكتشاف لكونه يفيد بأن لا داعي للمسلمين أن يكونوا غارقين في معاداة السامية ، بل أن لدينا سببا للامتنان الى اليهود بدلا من كرههم.
كما أني لم أُقدِّر ، قبل أن اثقف نفسي ، أن المسلمين يعبدون الإله نفسه تماما الذي يعبده اليهود والمسيحيون (6). والقرآن يؤكد هذه الحقيقة. ولكن كان عليّ ، صدقا ، أن أقرأ كتابا حديث العهد من تأليف المفكرة الدينية البريطانية كارين ارمسترونغ Karen Armstrong قبل أن تخترق هذه الحقيقة ذهني الذي قولبَتْه المدرسة الدينية (ماذا اقول لكم؟ فان التحرر من البَرمَجة أمر متعدد الإشراقات). تؤكد ارمسترونغ أن النبي محمد لم يدَّع الإتيان بإله جديد للعالم أجمع بل أن رسالته الشخصية كانت إدخال العرب الى أسرة ابراهيم "الرشيدة" ، وابراهيم كان أول نبي نزل عليه الوحي بأن لا إله إلا الله. وأنا خلال سنوات نموي ما سمعتُ قط اسم ابراهيم يُذكر في درس من دروس التاريخ. وتلك ثغرة صارخة إذا ما علمنا أن ذريته من بعده أنشأت الأمة اليهودية. وإذ كان اليهود أول المؤمنين بإله واحد فهم الذين مهدوا الطريق لظهور المسيحيين ثم المسلمين. وهكذا فان المسلمين ، كما ترون ، لم يخترعوا الواحد الأحد بل أعادوا تسميته ليكون الله ، الكلمة العربية للإله ـ إله اليهود والمسيحيين (7).
أين في منهج المدرسة الدينية يرد هذا الإقرار؟ كأن شيئا لم يكن قبل الإسلام. ومع ذلك ، إذا كانت كل الخبرة السابقة على الإسلام لا تساوي شيئا فان الأمر نفسه يصح على حشد من مبادئنا كمسلمين. ولو عرف المزيد منا أن الإسلام هو نتاج تواريخ متداخلة لا طريقة حياة أصلية بالكامل ـ إذا ادركنا أننا هجائن روحية ـ ألن يكون المزيد منا على استعداد لقبول "الآخر"؟ بدأتُ اتساءل لماذا نرفض بهذا العناد الإعتراف بوجود مؤثرات خارجية إلا عندما نحمِّل الغرب
مسؤولية جراح كولونيالية شتى. وكان هذا ، بدوره ، يطرح سؤالا أساسيا: هل الإسلام أضيق افقا من بقية أديان العالم؟
ثمة موضوع وظيفته الإفساد والتخريب. إذ ابتداء من سنوات الجامعة فلاحقا ، كلما اتفق أشخاص على اجراء مناظرة حول الجانب اللامتسامح من الإسلام ، كانوا يحذرونني من الخلط بين الدين والثقافة. وقالت امرأة بنبرة استاذية خلال مأدبة عشاء "أن رجم النساء وثيق الصلة بالعادات القَبَلية ولا يمت بأي صلة الى الإسلام". ظلتْ لديّ شكوكي. إذ لو كان الإسلام مرنا لأمكنه التكيف مع ما هو صالح وليس فقط ما هو طالح ، أليس كذلك؟ فلماذا لم يكن في جامعي أي وجه شبه بديمقراطية ريتشموند ـ الديمقراطية ذاتها التي أتاحت للمسلمين أن يشيدوا جامعا هناك؟
لم تكن المسلمة العصرية في داخلي وحدها التي تصطرع مع هذه القضايا. ذلك أن عملي صحافية تلفزيونية ومعلقة كان يضعني في الخطوط الأمامية لتلقي أسئلة الجمهور عن الإسلام. وإذ شاهدوا وجهي على الشاشة الصغيرة في غرفهم فان الناس الاعتياديين لا يشعرون بالتردد في الاقتراب مني في المتاجر والمطاعم وقطارات الانفاق للتعبير عن هاجس أساسي: إذا قررتِ أن تكوني مسلمة تحارب اللحى وتتحدى الشادور ، كان الله في عونك ونجَّاك. ولكن ما دمتِ تختارين التمسك بالاسلام كيف تفسرين كل هذا التعصب تحت رايته؟ بتعبير أدق ، أنهم كانوا يسألون: "هل يُسمح لك بأن تكوني مسلمة ونسوية؟" "ما المطلوب لتحويل مسلم مؤمن الى انتحاري؟" "لماذا لا يرفع مزيد من المسلمين أصواتهم؟" و "كيف أني لم اسمع قط نكتة عن قس أو حاخام أو مُلا؟" ومنذ أن صُفِعتْ بالسؤال المحيِّر الأخير رحتُ أنبش بجد ، وأحسب اني اكتسبتُ بصيرة من جراء ذلك. اسمحوا لي أن أخرج قليلا عن الموضوع.
من تعاليم الإسلام ذات الشعبية ، النهي عن "الإفراط في الضحك" (8). وما هذه بمزحة. ففي كتيب بعنوان "مشاكل وحلول" Problems and Solutions يأتي الشيخ محمد صالح المنجِّد على نص هذا الحكم. وعلى حين انه "ليس من المتوقع أن يكون المسلم عبوسا" لكن الإكثار من الضحك يثبت أننا نحن المسلمين وقعنا فريسة للسحر والفكاهة ، الأمر الذي يُضعف شخصيتنا وينال من ايماننا. وأذكر تحذيرَ عم لي بمحبة ولكن بحزم عشية رأس السنة الجديدة من الضحك عاليا لأن الهلاك سيأتي بعده لا محالة. وهنا يُصيبني عمي والشيخ بالإرباك والتشوش: إذا كان السحر الأسود للضحك مستقبحا الى هذا الحد فلماذا لا يُستجهن التأثير الغنائي المخدِّر للغة العربية لدى التجويد بها عاليا؟ (9)
بإزاء اللمحة التي القيتُها على هذا الجانب الأخطل من الإسلام لأن أحدهم أعرب عن الأمل بسماع نكتة عن قس وحاخام وملا ، علي أن اقول أني اعشق فضول الجمهور. فعلى امتداد سنوات ، عمل هذا الفضول على تغذية فضولي أنا. وكلما زادت الفرص التي اغتنمتها لأكون في دائرة الضوء رافعة صوتي حول هذه المشكلة الاجتماعية أو ذلك الاتجاه العالمي ، زادت حاجتي الى الآخرين لشحذ ذهني حول سبب تجشمي عناء الارتباط بدين يحتل موقع الصدارة في كل هذا الاحتقان الدولي والعذاب الفردي. من حق الناس أن يسألوا. وان سؤالين بصفة خاصة هزَّا عالمي ـ كلاهما الى الأحسن ولكن ليس من دون ألم في الحالتين.
السؤال الأول هو: "كيف يمكن التوفيق بين المثلية والإسلام؟" فأنا سحاقية بصراحة. وأختار "الافصاح" عن توجهي الجنسي لأني بعدما نشأتُ في بيت تعيس برعاية أب يحتقر الفرح ، لستُ الآن بصدد تخريب الحب المتبادل الذي يمنحني البهجة في سن البلوغ. التقيتُ اولى صديقاتي في العشرينات من عمري ، وبعد أسابيع أخبرتُ أمي بالعلاقة. استجابتْ كعهدي بها أما حنونا. وبالتالي فان مسألة ما إذا كان بمقدوري أن أكون مسلمة وسحاقية في الوقت نفسه بالكاد
كدَّرتني. فذاك دين وهذه سعادة. وكنتُ أعرف أيهما أحتاج أكثر. واصلتُ حياتي أدرس الإسلام بصورة متقطعة ، وأتعلم الفن الجميل لإقامة علاقات مع النساء ( موضوع كتاب آخر بحد ذاته ) ، وأنتج برامج للتلفزيون ، وأعيش على العموم الحياة متعددة الاتجاهات لشابة في العشرين ونيف في أميركا الشمالية.
وعندما جعلني عملي في التلفزيون شخصة عامة أكثر شهرة ، تطور أملي في التوفيق بين مثليتي والإسلام الى واحد من انشغالاتي. وكان المشاهدون يريدون مني أن أُبرر حالي الاستثنائية في الجمع بين هويتين. وقد دُفعتُ الى نوبة حادة من المراجعة بل راودتني حتى امكانية التخلي أخيرا عن الإسلام من أجل الحب. إسمعوا ، أي حافز أفضل من هذا الحافز للتضحية بأي شيء؟ ولكني كلما أصل الى حافة إقصاء نفسي كنتُ أتراجع ، لا بدافع الخوف وانما من باب الإنصاف ـ إنصاف نفسي. وكان سؤال واحد يتطلب مزيدا من التفكير: إذا كان الله العليم القدير لا يريد أن يجعلني سحاقية فلماذا خلقني سحاقية؟ هل خلق أحدا آخر بدلا مني؟
التحديات العدائية لـ"تبرير نفسي" اصبحت حدثا يكاد يكون يوميا بعد عام 1998. ففي ذلك العام بدأتُ استضيف برنامج "تلفزيون شاذ" Queer Television ، وهو مسلسل تلفزيوني يُبث على الانترنت ايضا عن ثقافَتَي المثليين والسحاقيات. وكان البرنامج يتعلق ببشر مثلنا بعيدا عن الإباحية والخلاعة ومع ذلك فان مسلمين أتقياء انضموا الى أصوليين مسيحيين في الاحتجاج ضد ظهوري على شاشات تلفزيوناتهم. وفي الواقع أني ما كنتُ أتوقع أقل من ذلك ، ولكن هل كنتُ من السذاجة كي أتوقع أكثر قليلا من ذلك ـ مناظرة بدلا من مجرد الإدانة.
صدقوني ، حاولتُ أن أفتح حوارا. وبوصفي من محبي التنوع ، بما في ذلك تنوع زوايا النظر فاني لم استهن ذات يوم برسائل خصومي بل في الحقيقة كنتُ
ابثها بانتظام في البرنامج. ومن الأمثلة على ذلك الرسالة التالية: "أكتبُ لابلاغكِ أن الله الواحد الأحد الحقيقي ، إله الكتاب المقدس ، يجعل من الواضح الى حد الألم أن اللواطيين كافة ( المقصود هم "المثليون" أو أشباههم من المنحرفين ) قد تخلوا عن انسانيتهم من أجل شهواتهم الدنيئة ، الفاسقة ، الشريرة. وبذلك اضحوا مخلوقات بغيضة لم تعد انسانية ، وينبغي اعدامهم على الفور بحسب سِفري اللاويين والتثنية..."
المسلمون الكثار الذين اتصلوا ببرنامج Queer Televisionوراسلوه بالبريد الالكتروني اتفقوا مع هؤلاء المسيحيين. ( باستثناء الجزء المتعلق بالله الواحد الأحد الحقيقي وتجييره لحساب الكتاب المقدس حصرا ). ولكن ما من مسلم واحد واجه التحدي المضاد الذي طرحته عليهم دعوتي المتكررة الى الحوار: كيف يمكن للقرآن ان يستنكر في آن واحد المثلية ويعلن أن الله يخلق كل شيء على أحسن تقويم (10). كيف يفسر مَنْ ينتقدونني حقيقة أن الله ، حسب الكتاب الذي يلتزمون به التزاما صارما ، خلق عن سابق إصرار ما في العالم من تعددية أخَّاذة؟ (11) ان السؤال الذي يضع المثلية في مواجهة الإسلام كان امتحانا لإيماني دون ريب. ولكن إمعان التفكير فيه جعلني أدركُ ان الحوار المتعافى أمر ممكن لو أبدينا من الاهتمام بما قد يكون موقف الله أكثر من اهتمامنا بموقفنا نحن.
والآن بالنسبة للسؤال الثاني الذي وعدتُكم بالحديث اليكم عنه. فقد طُرح عليّ قبل أشهر قليلة من 11 سبتمبر ( ايلول ) ، وأدى الى أكبر اختبار لإيماني.
في ديسمبر ( كانون الأول ) 2000 وصل ظِرف من داخل المكتب الى منضدتي في استوديوهات "تلفزيون شاذ". كان الظرف من مديري ، موسيس زنايمر Moses Znaimer . وإذ كنتُ في عجلة لانجاز أكبر عدد ممكن من حلقات البرنامج بحلول عطلة عيد الميلاد ، شعرتُ فورا بأني مستنزَفَة وبحاجة الى ما يلهيني.
ففتحتُ الظرف وأخرجتُ قصاصة جريدة مادتها الرئيسية تقرير موجز من وكالة الصحافة الفرنسية:
180 جلدة لفتاة مارست الجنس بالإكراه(12)
ـ تسافي (نيجيريا). ذكرت عائلة فتاة حامل في السابعة عشرة من العمر حكمت عليها محكمة إسلامية بـ 180 جلدة لممارستها الجنس خارج رباط الزوجية ، أنها ستضع مولودها في غضون أيام.
وقالت بارية ابراهيم مغازو امام المحكمة في سبتمبر ( ايلول ) أنها أُجبرت على ممارسة الجنس مع ثلاثة رجال من أصحاب والدها. واستدعت الفتاة سبعة شهود. وقالت أسرة الفتاة أن من المنتَظَر ان تلد في غضون يومين ومن المتوقع ان تنال عقابها بعد 40 يوما على الأقل. ( و ص ف )
وبحبر أحمر قانٍ رسم موسيس دائرة حول كلمة "اسلامية" وشدد مرتين على الرقم 180 وكتب تعليقا على الهامش باسلوب تلمودي قال فيه:
إرشاد
في يوم من الأيام
ستقولين لي
كيف توفِّقين
بين هذا النوع
من الجنون
وتشويه أعضاء الأنثى
التناسلية
مع عقيدتك
الإسلامية.
م
يا ويلي. ألا يكفي ان مشاهدي برنامج Queer Television كانوا يحضونني على الاختيار بين توجهي الجنسي وتوجهي الروحاني؟ هل كان لزاما على مديري أن يثقل كاهلي اخلاقيا كذلك؟ وخاصة في وقت حافل بالمواعيد المضنية التي عليّ الالتزام بها.
نحيتُ الظرف جانبا وواصلتُ العمل لحساب هذا الرجل. ولكن خلال الساعات التالية اهتز ضميري بما طرحه موسيس من تحدٍ. وأحسبُ أن الشيء نفسه كان سيحدث لكم. فان قصة هذه الشابة التي راحت ضحية جريمة اغتصاب لا بد أن تلاحق كل انسان شريف لأنه أيا تكن تفاصيل قضيتها فان حقيقة واحدة مما ورد ما كان ليمكن تبريرها بأي حال من الأحوال: أن هذه المرأة التي انتُهكت كرامتها حرصت على جمع سبعة شهود ، نعم سبعة! ومع ذلك واجهت حكما بأن تنال 180 جلدة! كيف بحق الجحيم يُنتظر مني أن أُوفق بين مثل هذا الظلم الصارخ وعقيدتي الإسلامية؟
كنتُ اعتزم مواجهة السؤال من دون لف ودوران ، لا بموقف دفاعي ولا بالنظريات بل بأمانة مطلقة. وقبل أن يختض كثير من العالم بما حدث في 11 سبتمبر ( ايلول ) بأقل من عام ، تهيأتُ لولوج الفصل التالي من حياتي كمسلمة رافضة.
هوامش الفصل الأول
1 ـ على غرار كتاب "مائة قصة وقصة من الكتاب المقدس"
101 Bible Stories هناك الآن كتاب "أحسن القصص القرآنية"
The Best Quranic Stories من تأليف كمال سيد. اذهب الى الموقع
www.fadabooks.com وانقر على Books for Children .
2 ـ البرت ورسن Albert Warson في موضوع حول :لقاء الشرق والغرب في سوق تجارية جديدة" اشار فيه الى اعادة بناء المركز الآسيوي في بريتش كولومبيا بالكامل لاجتذاب مزيد من الزبائن. صحيفة غلوب اند ميل
Globe and Mail ، 10 سبتمبر ( ايلول ) ، 2002.
3 ـ ثمة تورية هنا لتشابه كلمة "يركع" التي هي bow بالانجليزية وكلمة "بولنغ" التي تفيد اسم اللعبة bowling وذلك في اشارة الى الكتاب الشهير الذي نشره العالم السوسيولوجي من جامعة هارفارد ، روبرت بتنام Robert Putnam بعنوان
Bowling Alone من اصدار Simon & Schuster ، نيويورك ، 2000 ، حول انحسار روح الجماعة في أميركا.
4 ـ انظر Edward said, Orientalism (New York: Vintage Books, 1979)
5 ـ هذا التعبير البليغ مستقى من
Thomas Cahill, The Gifts of the Jews: How a Tribe of Desert Nomads Changed the Way Everyone Thinks and Feels (New York: Nan Talese/Anchor books, 1998)
6 ـ القرآن يؤكد ذلك ، انظر الآية 29: 46 وكذلك الآية 2: 136.
7 ـ Karen Armstrong, A History of God: The 4,000-Year Quest of Judaism, Christianity and Islam (New York: A. A. Knopf, 1994), p. 141.
انظر ايضا القرآن ، 29: 61 ـ 63.
8 ـ عنوان الكتيب الأصلي هو "شكاوى وحلول". ويمكن الحصول عليه من الموقع www.islam-qa.com . ويذهب هذ الموقع الى ان الشيخ المنجِّد "محاضر ومؤلف اسلامي معروف" "يهدف الى تقديم اجابات ذكية ومسنودة بالحجة عن أي اسلئة حول الاسلام...والمساعدة في حل مشاكل اجتماعية عامة وشخصية".
9 ـ لا تنسوا أن كلمة قرآن مشتقة من القراءة وتأتي ايضا بمعنى التلاوة
The Recitation التي تفيد القراءة بصوت عال.
10 ـ القرآن: 32: 6-7 وتقول الآيتان: ذلك عالِم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلَقَه وبدأ خلق الانسان من طين". انظر ايضا الآية 38: 26 التي تقول: "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظنُ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار". وثمة آيات مماثلة منها 3:191 و 3: 48 التي تقول: "قالت ربي أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ، قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون".
11 ـ من أشد خصومي ضراوة وحيدة فاليانت ، نائبة رئيس المؤتمر الاسلامي الكندي. وهي حين تُسأل عني تنفي هويتي الاسلامية لأن لا وجود لشيء اسمه "مثلي" في الاسلام. ولكنها في ندوة تلفزيونية اعترفت بأن "مَنْ نكون وماذا نكون" انما هو انعكاس لله الخالق وان من الأسرار العصية أن يفهم المرء خلق الله في كليته.( Faith Journal, Christian Television Station ، 23 نوفمبر/ تشرين الثاني ، 2002 ). ازاء هذا الاعتراف كيف يمكن لها ان تكون واثقة بأني مخلوق مشوه؟ وحيدة ، ماذا حدث للأسرار العصية في خلق الله؟
12 ـ صحيفة غلوب اند ميل Globe and Mail ، 7 ديسمبر ( كانون الأول ) ، 2000.
الفصل الثاني
سبعون حورية
منذ أن اصبحتُ ضحية من ضحايا المدرسة الدينية وأنا اصطرع مع السؤال الذي يعلو على كل سؤال سواه: هل أُودِّع الإسلام؟ للإجابة عن هذه السؤال كان عليّ أن أُعالج مسألة إن كان ثمة شيء رئيسي ، شيء جوهري على نحو متأصل في الإسلام يجعله أكثر جمودا اليوم من نظيريه الروحيين ، المسيحية واليهودية.
ما أصابني بالغم ليس مجرد قصة الفتاة النيجيرية التي كانت ضحية اغتصاب. خذوا بلدا مسلما ، أي بلد مسلم ، وستقطِّع نياط قلوبكم أشد المهانات وحشية. ففي باكستان تُقتَل في المتوسط امرأتان يوميا في "جرائم شرف" غالبا ما تُرتَكب بإسم الله على لسان السفاحين (1). وفي مالي وموريتانيا يقوم نصابون مسلمون بإغواء صبيان صغار لإيقاعهم في اسار العبودية (2). وفي السودان يُمارس الرق على أيدي ميليشيات اسلامية(3). وفي اليمن والاردن قُتل رميا بالرصاص من مسافة قريبة موظفون مسيحيون يعملون في منظمات انسانية. وفي بنغلاديش سُجن فنانون لدفاعهم عن حقوق الأقليات الدينية أو طُردوا من البلاد أصلا (4). وهذا كله موثَّق.
آه ، أجل ، فأنا اخلط مرة اخرى بين الثقافة والدين. ولكن أحقا أني افعل ذلك!. فحتى في تورنتو التي تختلف ثقافتها اختلافا ظاهرا عن ثقافة بنغلاديش ينتعش إسلام قاس وفظ. أبقوا معي لأقول لكم كيف أعرفُ ذلك.
بعد تسلمي ظرف موسيس بوقت قصير أنتجتُ حلقة من برنامج "تلفزيون شاذ"
Queer Television كان محورها واقع المسلمين المثليين والمسلمات السحاقيات. وكان نجوم أحداث الحلقة مثلي غادر باكستان للإقامة في لندن ، وسحاقية هربت من وطنها ايران الى فانكوفر.
الشرطة الدينية في وطن مريم السحاقية الصقت بها وصمة "المفسدين في الأرض". وقد عرضتُ في البرنامج شريط فيديو مهربا من ايران لإثبات ما كان سيحدث لها لو انها بقيت وتعرضت الى الإعتقال. عرض الشريط امرأتين مكفَّنتين وهما على قيد الحياة ، يجري انزالهما في قبرين حُفرا حديثا. تجمَّع حشد من الرجال والأولاد حولهما وشرعوا يرجمون رأسي المرأتين بأحجار بحجم قبضة اليد (5). كانت غالبية الأحجار تصيب هدفها وترتد لتكشف عن دفق قرمزي اللون من وراء قماش الكفن. أوضحتْ مريم أن القانون ينص على أن كل راجم يُفترَض به أن يضع نسخة من القرآن تحت ابطه للتخفيف من قوة الرمية. وكان هذا القانون لا يُراعى دائما. وإذ كانت مريم لم تزل خائفة على حياتها فانها روت قصتها في الظل دون أن يظهر وجهها.
عدنان ، المثلي المسلم ، وافق على الظهور أمام الكاميرا. كان يؤمن بأن القرآن يحرِّم المثلية ولكنه عقد مصالحة بينه وبين هذا الحكم. إذ لم يكن في نية عدنان تقديم صديقه الى المسلمين كافة وانما فقط الى والدته في باكستان. والتزكية الدينية في الوقت الذي يكون توافرها خيرا على خير فانها ليست لازمة ـ ليس على أية حال في لندن المتحررة حيث كان وصاحبه يعيشان. انتهت الحلقة بتعليق من مستشار لدى المركز الثقافي الاسلامي في لندن على ضرورة التحلي بالتواضع عند الحكم على المثليين والسحاقيات. وقال ان الاسلام وإن كان لا يطيق المثلية ، على ما يبدو ، فان "كل شيء جائز" ، مع الله جلّ جلاله(6).
أتعرفون ما حدث بعد بث البرنامج؟ من بين كل الشكاوى التي تلقيتها من المسلمين القاطنين في منطقة تورنتو كانت الشكوى الأكثر تواردا أن هؤلاء "الخنازير" و"الكلاب" المثليين الذين عرضتُهم في برنامجي كانوا ـ حضِّروا أنفسكم لما هو آت ـ يهودا بلا أدنى شك. دعكم من شريط الفيديو المريع عن ممارسة الرجم في ايران ، أو استعداد عدنان لقبول حكم لاهوتي ضد توجهه الجنسي ، أو دعوة المستشار الديني الى تواضع الجميع أمام الله ، فهذه كلها لم تترك أثرا في المستائين من المسلمين الذين كتبوا واتصلوا هاتفيا. الشيء الوحيد الذي رسخ في الأذهان هو ان المثليين والسحاقيات لا يمكن بأي حال أن يكونوا من "طينتنا". فالمثليون نتوءات ناشزة على نحو صارخ في نظر "هم". وهذا كله بين ظهراني حاضرة من حواضر القرن الحادي والعشرين.
شعرتُ بالغثيان. فاياً تكن الثقافة التي يعيش المسلمون في كنفها ، ريفية أو رقمية ، وبصرف النظر عن الجيل ، أكان ممثلا بجامع للمهاجرين من عقد السبعينات أو بمدينة مربوطة اعلاميا لمواكبة الألفية الجديدة ، فقد برز الإسلام قبَليَّا الى حد اليأس. لم نكن ذات يوم بهذه الحاجة الماسة الى الإصلاح.
ولكن ما معنى ذلك ـ قلتم "إصلاح"؟ الحقيقة لم تكن لديّ إلا فكرة في منتهى الضبابية. ما كنتُ أعرفه أن المؤمنين في الديانات التي خضعت تاريخيا للاصلاح لا يتصرفون قطعا بعقلية القطيع كما يتصرف المسلمون. فالقادة المسيحيون يدركون التنوع الفكري في صفوفهم. وفي حين ان لكل منهم أن ينفي صلاحية التأويلات الاخرى ـ والكثير منهم ينفونها ـ فلا أحد منهم ينكر وجود جملة كاملة من التأويلات. اما اليهود فهم متقدمون بمسافة بعيدة عن الباقين. والحق ان اليهود يشيعون الاختلافات القائمة بإحاطة نصوصهم المقدسة بالتعليقات ودمج المناظرات بالتلمود نفسه. وعلى النقيض من ذلك فان غالبية المسلمين يتعاملون مع القرآن على أنه وثيقة تُحاكى ولا تؤوَّل ، خانقا قدرتنا على التفكير المستقل.
حتى في الغرب يجري بصورة اعتيادية تعليم المسلمين بأن القرآن هو البيان النهائي لمشيئة الله حالا محل الكتاب المقدس والتوراة. وبوصفه البيان النهائي فهو "النص الكامل" ـ الذي يقف فوق الشبهة أو التحليل أو حتى التأويل بل ينبغي الإيمان به فحسب. والحق أن اول كلمة سمعها النبي محمد من الملاك جبرائيل الذي كان يتحدث بإسم ربه ، كانت "إقرأ!" وتُترجم أحيانا الى الانجليزية بكلمة
Recite! التي تفيد معنى التلاوة. وفي كلا الحالتين فان تلفظ الكلمات لغرض ترديدها هو أقصى ما تذهب اليه الغالبية منا. وأي شيء أكثر سيكون...حسنا ، أنه سيكون تأويلا.
ويصح الشيء نفسه على مصدر آخر من مصادر اللاهوت الإسلامي هو "الحديث". والحديث عبارة عن تقارير "ذات مرجعية" تسجل أقوال النبي محمد وأفعاله طيلة حياته. وأي سؤال لا يقدم القرآن إجابة جاهزة عنه ـ لاحظوا كلمة جاهزة ـ تقدمها الأحاديث النبوية على ما يُفتَرَض. وعلى مر القرون اضطلع فقهاء أجلاء بجمع هذه الأحاديث وتصنيفها لاستهلاكنا نحن. وكل ما علينا ان نفعله هو أن نحيلها عليهم ( أو بالاحرى على الفقهاء الذين ينتقيهم لنا أئمتنا ). أوه ، وماذا بشأن القضية البسيطة المتمثلة في ان النبي محمد كان بشرا على نحو متميز وعرضة لارتكاب أخطاء غير مقصودة في احكامه؟ سكوت! فبما أن الأحاديث تعكس حياة خاتم الأنبياء الذين ارسلهم الله الى البشر فان التشكيك فيها شر مستطير.
هل ترون الى أين يمضي بنا في الواقع قطار الخير السريع هذا؟ الى وجهة اسمُها "موت العقل". فعندما يحدث خرق برعاية الإسلام ، لا يعرف غالبية المسلمين كيف يُجادلون أو يُعيدون التقويم أو يُصلحون. ويُقال لنا أن هذا من حسن الحظ لأن الخرق لا يمكن أن يقع طالما بقينا أوفياء للنص الكامل. آه! يا له من منطق هروبي! أن قولبة الذهن مثل هذه القولبة الدائرية تكفي لتحويل ألمع العقول الى رؤوس فارغة ، بل ورؤوس خطرة بسبب خوائها.
لكل عقيدة ، بالطبع ، مريدون مقلدون. والفارق الوحيد ان الترديد الببغاوي في الإسلام هو الاتجاه السائد. بروس فايلر Bruce Feiler كاتب أميركي وقع على هذا الفارق خلال البحث الذي كان يجريه لتأليف كتابه الموسوم
Abraham: A Journey into the Heart of Three Faiths ( ابراهيم: رحلة في قلب ثلاث ديانات). ففي القدس التقى فايلر بإمام المسجد الأقصى الشيخ يوسف ابو سنينة. وأكد الإمام كمال الإسلام المفتَرَض. وبلغة انجليزية مصقولة في لندن قال لفايلر "أن عليك ان تهتدي بخاتم الأنبياء" الذين أرسلهم الله (7) ، وإلا فان "الموت مصيرك" بنار الله مثلما اقدم هتلر على "شي اليهود أحياء" بموافقة إلهية. شعر فايلر بالاشمئزاز بعد انتهاء المقابلة وروى الحادث فيما بعد لصحافي متخصص بالدين. وقال الصحافي ، "الحقيقة المنكودة أن [ الشيخ سنينة ] يمثل التيار السائد في الإسلام حاليا. قد تجد يهودا لديهم رسالة مماثلة في القومية اليهودية ولكن بأعداد صغيرة. قد تجد مسيحيين يبشرون بيوم الدينونة ولكن عددهم يبقى محدودا. اما إمامُك فهو يمثل الغالبية العظمى من المسلمين ، في هذا المكان على أقل تقدير"(8).
سنينة يجسد ذهنية الكثير من المسلمين ، لا في القدس فحسب وانما في المهاجر ايضا. دعوني استشهد بتقرير صادر عام 2002 عن "أكاديمية تعلم الإسلام"
Academy for Learning Islam الكائنة في مدينتي ، ريتشموند. فالأكاديمية تزعم ان هناك الكثير مما هو مشترك بين اصحاب المذهبين الرئيسيين في الاسلام ، السنة والشيعة. كيف ذلك؟ لأن "كلاهما يؤمنان بالحقيقة المطلقة للقرآن المجيد وبكماله. وكلاهما يعتبران محمدا خاتم الأنبياء المرسلين من الله ويكافحان من اجل تقليد أحاديثه وأعماله"(9). وعندما يصبح التقليد هو الاتجاه السائد فان غالبيتنا سنعجز عن استقصاء ما لدينا من أحكام مسبَقة ـ أو الإقرار بأن لدينا أحكاما كهذه. فنحن نؤمن بما يُفتَرَض بنا أن نؤمن به ، وكان الله يحب المؤمنين.
رسائل الاستنكار التي اتلقاها بوصفي مقدِّمة برنامج "تلفزيون شاذ"
Queer Television توضح ما أقصده. فكلما كنتُ أبث تعليقات معادية للمثليين من مسيحيين يستشهدون بالكتاب المقدس ، كان من المحتم أن يعقبهم مسيحيون آخرون بتأويلات متسامحة ، مضادة. هذا لم يحدث قط عندما كان مسلمون يتهجمون عليّ. إذ لم يكن هناك شك ، على ما يبدو ، في أن المتهجمين ينطقون بإسم الإسلام ، كل الإسلام. ولا يعني هذا ان المسلمين كافة ، دون استئناء ، يعترضون على المثليين. فان "الفاتحة" ( من الافتتاح الذي يفيد معنى الصدارة في الطليعة ) هو أسم مجموعة من المثليين المسلمين لديها فروع في مدن كبرى في عموم أميركا الشمالية وأوروبا. وفي تورنتو على الأقل يحقق حفل عشائها السنوي حضور بعض الآباء والأمهات المسلمين. ولكن حتى إذا كان الكثير من المسلمين لا يشاطرون اسلام الاتجاه السائد أحكامه المتحاملة فاننا لسنا بالعدد الكافي لفتح حوارات مع الاتجاه السائد. وإلا كيف نفسر السبب في انه ما من مسلم واحد كتب الى برنامج "تلفزيون شاذ" أو اتصل به ليسوق تأويلا بديلا ـ رحيما ـ للقرآن؟
على هذه الخلفية شعرتُ أني مستعدة لا لمواجهة التحدي الذي طرحه موسيس فحسب بل والتوسع فيه ايضا. وللشروع في التوثق مما إذا كان الإسلام جامدا على نحو لا رجاء فيه كان عليّ أن اتعامل مع مسألة "الآخر" في الإسلام ـ النساء ، أجل ، ولكن ايضا اليهود ، والمسيحيين ، والعبيد ، وكل من تجسد معاناتُه الوحشيةَ المتفشية في العالم الإسلامي اليوم. ماذا يقول القرآن عن هذه المخلوقات التي صنعها الله؟ هل يؤيد بلا تحفظ ، أو حتى من باب الاحتمال ، جلد امرأة مغتَصَبة رغم كثرة الشهود على الجريمة المرتكبة بحقها؟ وما دمنا نخوض في الموضوع فهل حقا أن القرآن يحظر على المرأة أن تؤم الصلاة؟
خلال الأشهر التالية على ذلك أعدتُ قراءة كتاب الإسلام المقدس بأعين مفتوحة وروح اقتحامية أكثر من أي وقت سابق في حياتي.
بادئ ذي بدء كانت هناك مسألة المرأة. ايهما خلق الله أولا ـ آدم أو حواء؟ القرآن يلتزم صمتا مطبقا عن هذه التمايز. فان الله نفخ الروح في "نفس واحدة(10) وخلق منها زوجها. فأيهما النفس وأيهما الزوج؟ سؤال خارج عن الصدد(11).
زد على ذلك أنه ليس ثمة ذكر لضلع آدم الذي خُلقَت منه حواء ، بحسب الكتاب المقدس. كما لا يوحي القرآن بأن حواء أغرت آدم بقطف الثمرة المحرَّمة وتذوقها. خلاصة الأمر أنه ليس ثمة هنا ما ينطوي على حجة لصالح تفوق الذّكر ، بل العكس في حقيقة الأمر. فالقرآن يحذر المسلمين مشددا عليهم أن يتذكروا أنهم ليسوا بمنزلة الرب وبالتالي على الرجال والنساء ان يكونوا منصفين في المطالبة بحقوقهم من بعضهم بعضا. وتكليلا لهذا المقطع ثمة ما يبدو أنه صورة من صور البلاغة في الاعتزاز بالمرأة: "واتقوا الله الذي تساءلون والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا"(12).
الغريب انه في السورة نفسها ـ بعد اسطر قليلة لا أكثر ـ ينقلب القرآن في موقفه بالاتجاه المعاكس تماما. ويقول "الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحاتُ قانتاتُ حافظاتُ للغيب ...والتي تخافون نشوزهم فعِظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن..."(13)
لنكن واضحين: لكي تستحق المرأة الضرب لا يتعين عليها ان تعصي احدا بل يكفي ان يخاف الرجل نشازها أو عصيانها. فان هواجس الرجل تصبح مشكلة المرأة. لطيف. أعلم أني أُغالي في التبسيط ولكن التبسيط يسري معربدا في تشريع قوانين ما أنزل الله بها من سلطان. سأعطيكم مثالا ملموسا. ان مقطعا واحدا من القرآن ـ يقول فيه ان الرجال قوَّامون على النساء "بما أنفقوا من أموالهم" لإعالتهن ـ ترك أثره في "اعلان القاهرة" ، الميثاق المزعوم لحقوق الانسان الذي اقرته الدول الإسلامية في عام 1990. نعم ، أن فقرة من الميثاق تؤكد ان "المرأة مساوية للرجل في الكرامة الانسانية"(14) ولكن الفقرة التالية تنيط بالرجل رعاية الأسرة. وهي لا تعبر عن "تفضيل" الرجل في موقع رب العائلة بل تعلن جهارا ان على "الرجل عبء الانفاق على الأسرة ومسؤولية رعايتها". وبما ان القرآن يقول ان الرجال قوَّامون على النساء بما ينفقون لإعالتهن فان بإمكانكم أن تستنتجوا الباقي.
في ضوء قضية المرأة التي اغتُصبت في نيجيريا ، صعقني مقطع آخر من القرآن يقول فيه "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله.."(15) ها؟ انحكوا نساءكم أنَّى شئتم ، ثم قدموا لأنفسكم؟ هل النساء شريكات أم قطعة أرض تُستملك؟ انهن شريكات ، كما يصر جمال بدوي ، العالم الشهير في دراسة القرآن. وهو يؤكد لي ان هذه الآية "المستنيرة جنسيا" تعتبر دفاعا عن المداعبات الجنسية التي تسبق المضاجعة تمهيدا لها(16). والمرأة مثلها مثل الحقل بحاجة الى عناية تقوم على الحب والحنان لتحويل الحيوانات المنوية الى كائنات بشرية. فـ "ان بذور الزارع لا قيمة لها من دون تربة خصبة تنمو فيها" ، كما يقول بدوي مقتنعا كل الاقتناع ، كما تدل سيماؤه ، بتفسيره التقدمي. بيد انه لم يتناول إلا عبارة "فأتوا حرثكم". ولكن ماذا عن "أنىَّ شئتم". إلا تمنح هذه الكلمات المحدِّدة سلطة لا مبرر لها الى الرجل؟ ويبقى السؤال: أي نموذج يدعو الله الى الاقتداء به ـ آدم وحواء بوصفهما رجلا وامرأة متساويين أو المرأة بوصفها حقلا يُحرث ( العفو ، تُلاطَف ) حسب الرغبة.
الحقيقة هي أني كنتُ أعرف اياً من التفسيرين ابتغي ولكني لم أعلم علم اليقين ( وما زلت لا أعلم ) أياً منها يريد الله. وبهذا الحجم من التناقضات المتلاطمة لا أحد يعلم. فمَنْ يريد ان يجلد المرأة بأتفه التُهم يستطيع أن يجد ما يلزم من الإسناد في القرآن. وكذلك مَنْ لا يريد للفتيات أن يئمَّن الصلاة. ومن الجهة الثانية فان الباحث عن المساواة يمكن هو الآخر أن يجد سلواه.
في محاولتي الإجابة عن كيفية التوفيق بين عقيدتي الإسلامية والجلد الهمجي لضحية اغتصاب خلصتُ الى أني لا استطيع التوفيق بينهما بثقة مطلقة. وما كان بوسعي أن أقول متحذلقة ، كما سمعتُ العديد من النسويات المسلمات يفعلن ، أن القرآن ذاته يكفل العدالة. وما كان في مقدوري أن اقول بفروسية ان اولئك الفقهاء النيجيريين المخبولين الذين يطبقون الشريعة لاطوا في ديانتي المساواتية بكل شفافية. والقرآن ليس مساواتيا على نحو شفاف بالنسبة للمرأة. وهو ليس شفافا إلا في غموضه وإبهامه. ومع اعتذاراتي الى نعوم تشومسكي فان المسلمين هم الذين يصدرون صكوك الغفران بإسم الله. والقرارات التي نتخذها على أساس القرآن لا تُملَى علينا من السماء بل نتخذها نحن بملء ارادتنا الانسانية.
يبدو هذا بديهيا للمسيحي أو اليهودي من المنتمين الى الاتجاه السائد ولكنه ليس بديهيا للمسلم الذي تربى على الإيمان ـ مثلما تربت غالبيتنا ـ بأن القرآن يضع كل شيء أمامنا في "سراط مستقيم" وان واجبنا الوحيد ، بل وحقنا ، أن نتبعه. وهذه اكذوبة كبيرة. أو لا تسمعون؟ اكذوبة كبرى ملتحية الوجه.
ان القرآن بدلا من أن يكون كاملا ، انما يخوض حربا لا هوادة فيها مع نفسه حتى أن المسلمين الذين "يعيشون بموجب الكتاب" لا خيار عندهم سوى انتقاء ما ينبغي التشديد عليه وما يتعين تمييعه. ولعل هذا هو الجزء السهل ـ فان أياً منا يستطيع أن يبرر مواقفنا المنحازة بتسليط الضوء على آية معينة وإغفال أخرى. وهذا ، بالمناسبة ، ما يفعله الليبراليون بقدر المتزمتين مخففين من وطأة ضوضاء القرآن السلبية على الأقل مثلما يحذف خصومنا نصوصه الايجابية. فنحن جميعا لدينا أجنداتنا ، التي بعضها أكثر مساواة من البعض الآخر.
ولكن ما دمنا عالقين في هذا الشوط الأخير من لعبة اثبات ان عقيدتـ"نا" الجامدة متفوقة على عقيدتـ"هم" الجامدة ، فان التحدي الأكبر يغيب عن انظارنا ، أي وضع كمال القرآن موضع تساؤل لكي تخفَّ حمى السباق على التوصل الى استنتاج صائب عما "حقا" يقوله القرآن ، ويصبح ، بمرور الوقت ، تمرينا في المعرفة بدلا من النصية. وفي هذه المرحلة فان الإصلاح لا يعني القول لعامة المسلمين ما ينبغي أن لا يفكروا فيه وانما اعطاء البليون مؤمن ممن نذروا أنفسم للإسلام إذنا بالتفكير.
وللمضي أبعد بهذه الفكرة كان عليّ أن أرى ما إذا كان هناك نمط يسري خيطه في متناقضات القرآن الصارخة. وبتعبير بسيط هل ان كتاب الإسلام المقدس يتسم بالابهام أو التناقض حول قضايا اخرى ايضا تتعلق بحقوق الانسان مثل الرق؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يتوافر المجال لإقدام مسلمي القرن الحادي والعشرين على خيارات تنمتي الى القرن الحادي والعشرين؟ فكرتُ في السودان ثم قرأتُ عن حجم تجارة الرقيق فيه. ففي الخرطوم يخوض نظام حكم اسلامي أشبه بنظام طالبان جهادا أعلنه بنفسه على المسيحيين والوثنيين وغير المسلمين ، وذلك بحسب تشارلز جايكوبس Charles Jacobs رئيس المجموعة الأميركية المناهضة للعبودية ومدير الحملة السودانية. ويلحظ جايكوبس ان "هجمة الخرطوم أحيت تجارة العبيد السود التي اوقفها ( تقريبا) المستعمرون البريطانيون قبل قرن من الزمان...[ و] بعد نحر الرجال تتعرض النساء والفتيات والصبيان الى عمليات اغتصاب جماعية ـ أو يُذبحون لمقاومتهم. ويُقاد الناجون المرعوبون شمالا حيث يوزَّعون على أسياد عرب لتصبح النساء جواري والفتيات خادمات في البيوت والأولاد رعاة"(17).
فكرتُ مرة أخرى في شمال نيجيريا وهو مكان آخر فيه حكومات اسلامية تشجع استعباد المسيحيين. حسنا ، أقرُ بأن الحرب الأهلية في نيجيريا أوثق صلة بالسياسة من الدين. ولكن هذه السياسة المتخلفة كلها ما كانت لتُمارَس دون مساعدة ما من القرآن. وكان سؤالي هو ما حجم هذه المساعدة. عدتُ الى المصدر واكتشفتُ هذا المقطع: "...والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا...(18)
واو! كان عليّ أن اتوقف لتحليل هذه الآية. إقرؤها بعناية وستجدوا أن القرآن لا يوجهنا الى عتق جميع العبيد بل فقط اولئك الذين يقرر أسيادهم أن لديهم امكانية الارتقاء بمكانتهم. أين هذا من مناشدة مشاعرنا الذاتية وموقفنا الأخلاقي وحريتنا في الاختيار؟ بكلمات أخرى يستطيع المسلمون اليوم أن يخلِّفوا القرن السابع وراءهم من خلال المراوغة ، بموافقة القرآن ـ إذا شئنا. فالقرآن يمنح المشرِّعين النيجيريين خيار تحديث آفة الرق ، أو بكلمات أخرى القضاء عليها. فكما المرأة كذلك الرقيق: القرارات التي يتخذها المسلمون هي قراراتنا وحدنا ، ولا يمكن أن توضع على عتبة الله.
هل من الجائز أن الإسلام لا يتسامح مع المسلمين الأفراد الذين يفسرون القرآن لأنفسهم فحسب بل وأن مثل هذا العمل والاستطلاع ربما كان حتى الطريقة الوحيدة لأن "تعرف إسلامك"؟
إذ شعرتُ بنفحة من النشاط انتقلتُ الى ملف ضخم آخر من ملفات حقوق الانسان: معاملة الذميين. فبسبب التقاليد اليهودية ـ المسيحية التي يتحدر منها الإسلام فان لدى القرآن الكثير مما يقوله عن اليهود والمسيحيين. وهو يكيل المديح على إبراهيم ، أب الديانات التوحيدية الثلاث. وُيطري عيسى بوصفه "المسيح" أكثر من مرة(19). ويأتي على ذكر مريم أم عيسى اليسوع إيجابا عدة مرات. يضاف الى ذلك أن القرآن يذكِّرنا بكون اليهود ينتمون الى أمة "مُفَضَّلة" هي بنو اسرائيل(20)! مفَضَّلون؟ اليهود؟ دققتُ في بعض الترجمات الانجليزية للتوثق. إزاء هذه العواطف الحارة تجاه أجدادنا الروحيين يكون من المنطقي ان يشير القرآن على اليهود والمسيحيين بأن يطمئنوا ، أن "لاخوف عليهم ولا هم يحزنون"(21) ما داموا مؤمنين بالله واليوم الآخر ، كما تنص عليه كتبهم المقدسة.
من جهة اخر يعتبر القرآن بصراحة أن لا دين إلا الإسلام(22). غريب. أم يا تُرى أهو حقا غريب؟ فثمة فكرة في غاية الأهمية هنا ـ لا شيء يفوقها أهمية في اوقاتنا المشتتة ـ وهي تتعلق بسبب ظهور الإسلام أصلا.
كل ما ينبغي ان يؤمن به المسلمون نزل على اليهود قبلنا بآلاف السنين. وقد حدث ذلك عندما سار بعض اليهود في طريق الضلال عن الحقيقة المنزَّلة ، بتحولهم الى عبادة الأصنام ، مثل العجل الذهبي ، فاستثاروا عليهم غضب الله. ( أدري ، أدري: أي خالق هذا الذي يغار من مولود بقرة؟ أحسبُ أنه خالق يسعى الى الصلح بين قبائل في احتراب دائم مع بعضها بعضا من خلال المحور الجوهري المتمثل في ديانة مشتركة ). نعود الى البقرة. فان انبعاث الوثنية اقتضى ارسال واحد آخر من أبناء ابراهيم لتذكير عالم الساميين بحقيقة ربه. فكان مجيء اليهود. وكذلك نزول الكتاب المقدس الذي يجمع كتب موسى العبرانية (تُعرَف عند المسيحيين بإسم العهد القديم ). ولكن في النهاية بدأ بعض المسيحيين يدَّعون أن المسيح هو الله فضلا عن كونه إبن الله وليس رسولا آدميا اصطفاه الله الواحد الأحد. لقد كانت الوثنية تهدد برفع رأسها ( أو رؤوسها ) من جديد.
لذا في حوالي سنة 610 ميلادية عاد الله الى قائمة المرشحين للنبوة واختار محمدا ، وهو حفيد آخر من أحفاد ابراهيم ، لتطهير كلامه المنزَّل من الفساد الذي اعاثه فيه اليهود والمسيحيون. واينما فتحتُ القرآن لم أكن قط بعيدة عن رسالة كثيرا ما تتكرر بأن ما سبقه من كتب مقدسة جدير بالتبجيل.
مرحبا بكم الى الفكرة ذات الأهمية البالغة التي لمَّحتُ اليها قبل لحظات: أن الجهل القَبَلي لا يمكن أن يكون حقيقة. وعندما أعدتُ قراءة القرآن للتبصر في "الآخر" وجدتُ أن اليهود ليسوا كلهم الذين يُقال للمسلمين أن يجتنبوهم بل فقط اولئك الذين يسخرون من الإسلام بوصفه دينا كاذبا على نحو متأصل. وينبغي على المسلمين أن لا ينكروا صحة الديانة اليهودية وإلا فانهم يسيئون الى دينهم ذاته.
ولكن إذا كانت اليهودية والإسلام ديانة واحدة فما هي الحكمة في جعلهما كيانين منفصلين؟ وعلى الغرار نفسه ما الحكمة من الإبقاء على المسيحية؟ أو الهندوسية؟ أو البوذية؟ أو السيخية؟ ، ولكم أن تملأوا الفراغات التي تلي ذلك. لماذا لا نتخلى عن احساسنا الدفين بالتفوق وننظر الى بعضنا بعضا على أننا من صنع خالق واحد؟ القرآن لا يتهرب من هذا السؤال الأكثر تنكيدا من الأسئلة الأخرى كلها. فهو يقول أن الله جعل لكل قوم شرعة(23) لحفزهم على التسابق من أجل عمل الخير معترفا أن عمل الخير لن يكون ممكنا إذا اشتبكنا في خلافات على مَنْ هو "الأحق" في تنفيذ مشيئة الله. أنا وأنتم لا علم لنا ، وعلينا أن نتخطى هذه المعضلة. والقرآن يؤكد لنا أن الله سيتكفل بتسوية خلافاتنا المذهبية حين اليه نعود. في هذه الأثناء فان التسابق على عمل الخير انما هو دعوة تحولت من الشطارة في عالم المال والأعمال الى الإبداع الفني في تناول الطينة المقدسة ذاتها والدأب على تحسين جمال ما صُنع منها. ويتلازم مع هذه الممارسة الدافع الآخر لقرار الله ان يخلقنا أقواما ومللا شتى: لكي نشعر بوجود حافز يغرينا بالتعارف على بعضنا بعضا. فالأمر كما لو أن الخالق يريد لنا أن نستخدم الاختلاف كاسحة جليد بدلا من استخدامه ذريعة للانكفاء الى زوايا متقابلة.
أقر بأن هذا ما بودي أن يكون المعنى من الألف الى الياء. ولكن كل شيء مطروح للتأويل لأن القرآن يشير على المسلمين بأن لا يتخذوا من اليهود والمسيحيين اصدقاء لهم كيلا لا نصبح "منهم". وهو يتحدث عنـ"هم" بوصفهم من "القوم الظالمين" الذين لا يهديهم الله. وثمة كلام عن انزال أذى شديد وضرب رقاب وفرض الجزية على أهل الكتاب أتاوة لقاهريهم المسلمين(24). كلام مخيف بحق ، وهذه المقاطع تضفي صدقية على اولئك المسلمين الذين يديرون ظهورهم الى الوئام بين الأديان. وعند هؤلاء يجوز للذميين أن يوجدوا ولكن قطعا ليس على اساس من التكافؤ مع المسلمين ، وقطعا ليس على مستوى واحد معهم لأن الإسلام ليس مجرد دين آخر يضاف الى بقية الأديان بل يعلو عليها جميعا بحكم كونه دين الحق ورسوله خاتم الأنبياء في خدمة الواحد الأحد. أنه لخيار ان يُقرأ القرآن على هذا النحو ، أو ليس كذلك؟ ولكننا لسنا واعين بهذا الخيار.
لعل احدكم يحتج قائلا: "تمهلي ، فأنا لا أختار هذا التأويل بالمرة. وأنا لا أُريد أن اضرب جاري لاحتفاله بعيد هانوكا فلا تحسبيني على كارهي اليهود. إني انسان حسن الطوية ، بحق السماء". نعم ، انك على الأرجح حسن الطوية. فلتسأل نفسك من باب هذه الطيبة: هل اخترتُ أن اتحدى الاعتقاد الشائع بين مسلمي الاتجاه السائد بأن الإسلام متفوق على المسيحية واليهودية؟ اننا غارقون في نرجسيتنا الروحية حتى أن غالبية المسلمين لا يفكرون مرتين ، أو حتى مرة ، في الضرر الذي يمكن أن يلحقه هذا الموقف بالعالم. نحن نتقبله فطريا مطلين بين حين وآخر من تحت الرمال حيث دفنَّا رؤوسنا لنلحظ وجود "المتطرفين" ، وأحيانا لا نلحظ وجودهم حتى وقتذاك.
هل أُبالغ؟ قولوا لي بعد قراءة هذه القصة. قبل اسابيع قليلة من 11 سبتمبر ( ايلول ) انضممتُ الى فريق من المسلمين على شاشة التلفزيون الوطني في ندوة حول "صور العالم الإسلامي"(25). وإذ إعتَبَر زملائي المشاركون في الندوة ان هذه الدعوة الموجهة بصيغة مؤدبة هي تعبير ملطَّف عن اتاحة الفرصة "لإبداء شكوانا من الغرب" ، راحوا يوجهون سهام الاستنكار المعهودة الى ثقافة البوب ( الشعبية ) في اميركا الشمالية: هوليود تصورنا جميعا متعصبين ، والمتعصبون دائما يبدون ذوي بشرة داكنة ، وغير ذلك من المفردات النمطية المستقاة من قاموس الضحية. وإذ شعرتُ بالملل من الجدال بهذه الاسطوانة المشروخة ، اقترحتُ زاوية نظر مغايرة هي أننا المسلمين لا نعطي الآخرين حافزا يُذكر ليغيِّروا رأيهم فينا القائل بأننا ذوو تفكير أحادي جامد. وتساءلتُ ، أين كان المسلمون في تورنتو أو فانكوفر أو مونتريال عندما طوح طالبان تماثيل بوذا التي يعود تاريخها الى ما قبل الإسلام ، من حيث كانت تطل على وادي باميان في افغانستان؟ ان القرآن يقول "لا إكراه في الدين"(26). ولم يكن بوسعنا ان نتوقع من حركة طالبان أن تغنِّي هذه المعزوفة ولكن لماذا لم يختر مسلمو الغرب غناءها بدلا من البقاء صامتين في الغالب؟ لماذا كانت الاحتجاجات الجماهيرية الاسلامية غائبة في شوارعنا؟
ورحتُ أنتظر.
الرد الوحيد جاء من مسلمة اخرى ـ وهي فوق ذلك نسوية ناشطة. قالت دون أن تفكر في ما تقول ، "منجي ، أو لا تعرفين ما يحدث للمسلمين في فلسطين؟" العفو ، ماذا قلتِ؟ أعيدوني الى أرض الواقع أو انقلوا عجيزتي الى مكان آخر من المنظومة الشمسية حيث نستطيع التمييز بين العدالة والتبرير. بيد أني أقر لها بالآتي: من الواضح أن هناك علاقة ما بين صعود التوتاليتارية الاسلامية وتعقيدات السياسة في الشرق الأوسط. ولكن كيف لهذه العلاقة المركبة أن تبرر صمت المسلمين في الغرب على نظام طالبان الذي يدعي التفوق العرقي على سُنَّة الله وينسف تماثيل بوذا ويظلم المرأة ويمنع الطائرات الورقية ويستطيب الإعدام؟.
ان هذا ليس تبريرا. وردُّ "اختي" كان تهربا. ورغم كل تفكيرها النقدي تجاه الغرب فانها إرتَدَتْ إسلامها الذي لا يفكر ، كالبرقع الحاجب من قمة الرأس الى أخمص القدمين. وإذا كان هذا أفضل ما لدى امرأة اعلنت نفسها ناشطة نسوية فإن فرائصي ترتعد من تصور الى أين نحن سائرون.
الجميع يركز على تاريخ 11 سبتمبر ( أيلول ). أنا أريد ان اركز على الأيام التالية من بعده. ماذا أكدنا نحن المسلمين لوسائل الاعلام والسياسيين ولأنفسنا عن الإسلام؟ قلنا واجمين أن ديننا تعرض الى "الاختطاف"(27). نعم يا أميركا ، تعرض الى الاختطاف. واننا معك في خندق واحد يا ألمانيا. نحن ايضا نحب حريتنا يا استراليا. اننا في هذا الموقف معا يا بريطانيا. فنحن ، وانتم معنا ، تعرضنا الى الاختطاف.
لم أحتمل هذه الاستعارات المجازية. فهي تعني ان الإسلام نفسه كان طائرة تحلق نحو مهبط ما لحقوق الانسان ، وانه لولا 11 سبتمبر ( ايلول ) لوصل المسافرون على طائرة الخطوط الجوية القرآنستانية الى وجهتهم الرائعة بلا أي مطبات ، وكان الله يحب المحسنين. الإسلام تعرض الى الاختطاف! وكأن ديننا كان عابر سبيل بريئا في عنف المسلمين. اختطاف. كلمة مشحونة عاطفيا تعفي مسلمي الاتجاه السائد من مسؤولية النقد الذاتي. أولا وقبل كل شيء ، أن النقد الذاتي يعني الإقرار بالجانب الفظيع من القرآن ، وكيف أنه يرفد الارهاب.
بعد 11 سبتمبر ( ايلول ) كنتُ اسمع باستمرار هذه اللازمة من المسلمين: أن القرآن يجعل من الواضح تماما متى يكون الجهاد ممكنا ومتى لا يكون ممكنا ، وان الارهابيين خرقوا هذه الضوابط بلا أدنى ريب. وعلى حد قول واحد من مثل هؤلاء الشيوخ فان الله "يقول بمفردات لا تقبل اللبس أن من قتل نفسا بريئة كأنما قتل البشرية كلها"(28). وأنا أقول ، أن هذا تزيين رغائبي. أتعرفون مفردات السورة والآية المذكورتين على انها "لا تقبل اللبس"؟ انها في الحقيقة تتيح مجالا للمناورة. واليكم نص الآية: "من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه مَنْ قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا"(29). المحزن أن المسلمين المتطرفين يستطيعون استغلال الاستثناء الوارد في "بغير نفس أو فساد في الأرض" لإذكاء جهادهم.
اسامة بن لادن ، على سبيل المثال ، أعلن الجهاد ضد الولايات المتحدة كلها في اواخر التسعينات. والقرآن ساعده في ذلك. عودوا الى عبارة "بغير نفس أو فساد في الأرض". ألم تسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة ، ولكنها فرضتها امتثالا لمطالبة الولايات المتحدة ، ضد العراق هلاك نصف مليون طفل وما زال العدد آخذ في الارتفاع؟ هذا ما يعتقده بن لادن. هل تُعد الآثار التي تتركها جزم الجنود الأميركيين على الأرض السعودية "فسادا في الأرض"؟ بلا أدنى شك عند بن لادن. أما المدنيون الأميركيون فهل يمكن أن يكونوا أبرياء من القتل أو الفساد والضرائب التي يدفعونها تساعد اسرائيل على شراء دبابات لتسوية بيوت الفلسطينيين مع الأرض؟ هذه مسألة بديهية عند بن لادن. وكما صرح لشبكة "سي ان ان" في عام 1997 فان حكومة الولايات المتحدة "ارتكبت افعالا ظالمة وفظيعة واجرامية للغاية سواء مباشرة أو عبر دعمها للاحتلال الاسرائيلي" في فلسطين. "وبسبب خضوعها لليهود فان غطرسة الولايات المتحدة بلغت حدا احتلوا معه الجزيرة العربية ، أقدس مقدسات المسلمين. لهذا ولأعمال عدوانية وظالمة اخرى فقد أعلنا الجهاد ضد الولايات المتحدة"(30).
أنا وأنتم يمكن أن نتفق على أن اسامة بن لادن ، من الناحية الأخلاقية ، ينتمي الى انسان النيندرتال لتبنيه هذا الشكل من أشكال الجهاد. ولكن هل يمكن لنا أن نتفق على أنه ومرتزقته كانوا مدعومين بنصوص مقدسة أيضا؟ كل ما أطلب هو الصدق.
ما هذا؟ هل عليّ أن افهم السياق الذي نزلت فيه آيات العنف في القرآن؟ تأكدوا أني قرأتُ الفقه الذي يفسر هذه الآيات "في سياقها" ، وأعتقد أن هناك لعبة متقَنَة تجري لممارسة التهرب والمناورة. أنها ليست من إخراج مؤامرة مدبَّرة وانما نتاج افتراض عميق الجذور بأن القرآن كامل لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه ، وبالتالي لا بد من وجود اسباب وجيهة تماما للكراهية التي كثيرا ما يُبشر بها.
خذوا محاجَّة بارزة واحدة تدافع عن الإسلام "الحق" بوصفه دين سلام(31). تذهب هذه المحاجَّة الى ان الله كان يشير على محمد في السراء والضراء ولذا فان آيات الشر في القرآن لا تعكس سوى اوقات الشدة التي واجهها محمد في السنوات الخمس والعشرين أو نحو ذلك التي امضاها في نشر الإسلام. فقد بدأ محمد التبشير برسالته في مكة حيث تعلق العبيد والأرامل واليتامى والفقراء الكادحون برسالته غير التقليدية التي تدعو الى الرحمة. والله يعلم أن هؤلاء المنبوذين كانوا بأمس الحاجة الى جرعة من الشفقة في العاصمة التجارية للجزيرة العربية بتقسيماتها الطبقية على اساس اقتصادي وتحللها الأخلاقي. إذاً ـ في البداية نزلت آيات القرآن مشدِّدة على الرحمة.
ولكن سرعان ما شعرت طبقة التجار المكية بالخطر الداهم الذي يهددها ـ فأخذت تتوعد بدورها. شدَّ محمد وأتباعه الرحال وهاجروا الى المدينة لحماية أنفسهم. وهنا ، من حيث الأساس ، تتحول رسالة القرآن الرحمانية الى رسالة قصاص وعقاب. في المدينة رحب قسم من السكان بالمسلمين المهاجرين فيما كان للبعض الآخر موقف مغاير قطعا. ومن بين الذين لم يرحبوا بهم أكبر القبائل اليهودية في المدينة ، التي تواطأت مع المشركين في مكة على اغتيال محمد وإبادة الذين اشهروا إسلامهم. وقد فشلوا في مخططهم لأن الله أوعز الى محمد بتوجيه ضربة استباقية. وتذهب المحاجَّة الى أن هذا هو مصدر القسوة في القرآن. ولكن ، كما تمضي المحاجَّة ، ان المسلمين لم يبدأوا بروح القصاص هذه بل لجأوا اليها من أجل الحفاظ على أنفسهم ، ولبعض الوقت فقط. ورسالة الإسلام "الحق" الأولى هي الرسالة التي دشن محمد دينه بها. وهي رسالة عدل ومساواة ووحدة ـ وسلام.
يا لها من سلوى عاطفية. وفي حين كنتُ أتمنى أن اصدِّق هذا الطرح فإني كلما أمعنتُ في القراءة والتفكير تناقص فهمي لمعناه. وابتداء ليس واضحا أي الآيات نزلت على محمد في هذا الوقت أو ذاك(32). إذ يبدو القرآن مرتبا حسب حجم الآيات ـ من الأطول الى الأقصر ـ لا حسب التسلسل الزمني لنزولها. كيف يمكن لأحد أن يعزل الآيات "الأبكر" ناهيكم عن أن يقرأ فيها الرسالة "الحق" التي ينطق بها الإسلام؟ علينا أن نعترف بحقيقة ان رسالة القرآن مبثوثة في كل ركن من أركان عالمنا التعيس. الرحمة والاحتقار يتعايشان جنبا الى جنب. أنظروا الى موقفه من المرأة. فان آيات مفعمة بالأمل واخرى مشبعة بالكراهية لا تبعد إلا اسطرا عن بعضها بعضا ، والشيء نفسه يصح على التنوع الديني. وليس هناك اتجاه واحد يمكن تشخيصه في هذا النص الذي يُزعم أنه كامل ، لا مراء فيه ولا لبس. ان كمال القرآن هو في نهاية المطاف كمال مشكوك فيه.
ياه ، هل تجاوزتُ الحد؟ ان تجاوزي أنا الحد يتوارى خجلا بالمقارنة مع تجاوز ارهابيي "القاعدة". فهؤلاء ، بخلافي أنا ، يخرجون سعيا الى القتل. وإذا كنا صادقين بشأن محاربة الاستبداد الخانق الذي يمثلونه فلا يمكن ان نخشى من السؤال: وإذا لم يكن القرآن كاملا؟ وإذا لم يكن برمته كلام الله؟ وإذا كان ملغوما بالاحكام البشرية المنحازة؟
لنتعامل برهة مع هذا الاحتمال. كتب محمد عطا ، قائد الانتحاريين الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر ( ايلول ) وصية قاتلة باسم عصابته. وقال في الوصية: "يكفينا أن [ آيات القرآن ] هي كلمات خالق الأرض والأجرام السماوية..." ليس مرة واحدة وانما ثلاث مرات اشار عطا الى انه يجد عزاءه في "كل ما وعد الله به الشهداء" ، وبخاصة:" اعلموا ان حدائق الجنة تنتظركم بكل جمالها ، وأن نساء الجنة ينتظرن مناديات "تعال الى هنا يا صديق الله""(33).
اسمحوا لي أن افك لكم مفاتيح هذه اللغة المألوفة في افلام الدرجة الثانية: أن عطا والشباب كانوا يتوقعون أن يدخلوا بحرية مطلقة على عشرات العذراوات في الجنة. وهم ليسوا وحدهم في ذلك. فقبل شهر من 11 سبتمبر ( ايلول ) قال مسؤول عن كسب انصار لحركة حماس الفلسطينية التي تحولت من المقاومة الى الارهاب في تصريح لمحطة "سي بي اس" التلفزيونية انه يلوُّح بمرأى 70 حورية أمام المرشحين لتنفيذ عمليات انتحارية(34). يبدو الأمر وكأنه رخصة أبدية للقذف عند بلوغ الذروة الجنسية مقابل الاستعداد للتفجير(35) ، وقد زُعم منذ زمن بعيد أن القرآن يعد بمجازاة المسلمين الذين يستشهدون.
ولكن لدينا سببا للاعتقاد ان هناك متاعب في الجنة ، فان خطأ بشريا وجد طريقه الى القرآن. إذ تفيد الأبحاث الجديدة ان ما يمكن للشهداء توقعه مقابل تضحياتهم ليس حوريات وانما زبيبات! ذلك أن الكلمة التي قرأها فقهاء القرآن طيلة قرون على انها كلمة "حور" قد تُفهم فهما أدق بمعنى "الزبيب الأبيض" ( لا تضحكوا ، ليس بافراط على أية حال. فالزبيب في الجزيرة العربية خلال القرن السابع كان من الطيبات الثمينة بما فيه الكفاية لأن يُعتبر طبقا من أطباق الجنة ). ولكن أن يكون الزبيب هو المقصود بدلا من الحور؟ حاشى لله. كيف يمكن للقرآن أن يرتكب مثل هذه الغلطة؟
المؤرخ الذي يسوق هذه الحجة ، كريستوف لوكسمبرغ Christoph Luxemberg ، خبير متخصص بلغات الشرق الأوسط. وهو ينسب وصف القرآن للجنة الى عمل مسيحي كُتب قبل ثلاثة قرون على ظهور الاسلام في شكل من اشكال اللغة الارامية التي كان على الأرجح لغة المسيح(36). وإذا كان القرآن متأثرا بالثقافة اليهودية ـ المسيحية ـ الأمر الذي ينسجم انسجاما تاما مع دعواه بأنه يعكس ما سبقه من كتب منزَّلة ـ فان الارامية كانت ستُترجَم بيد بشرية الى العربية ، أو تُساء ترجمتها في حال كلمة "الحور" والله أعلم كم من الكلمات الأخرى.
ماذا لو كانت عبارات وجُمل كاملة قد جرى تصورها تصورا مغلوطا؟ فان النبي محمد الذي كان تاجرا أميا ، اعتمد على كتّاب لتسجيل ما كان ينزل عليه من كلام الله. وأحيانا كان النبي نفسه يبذل محاولات مضنية لفك أسرار ما كان يسمعه(37). وهكذا ، على ما يُذكر ، نالت مجموعة من "الآيات الشيطانية" ـ مقاطع تؤلِّه الأوثان ـ قبول محمد وسُجلت على أنها نصوص حقيقية في متن القرآن. وقد عمد النبي لاحقا الى إسقاط هذه الآيات متهما الشيطان وأحابيله بالمسؤولية عنها. ولكن الحقيقة الماثلة في أن الفلاسفة المسلمين تناقلوا سرد هذا القصة على مر القرون ، تؤكد شكوكا غابرة القدم في كمال القرآن(38). والآن أكثر من أي وقت مضى نحتاج الى احياء هذه الشكوك.
ماذا كان سيحدث لو تربى محمد عطا على اسئلة تبحث في الروح عن اجابات بدلا من تربيته على يقينيات بسيطة؟ وعلى أقل تقدير ، ماذا لو عرف هذا الطالب الجامعي أن من الممكن المَراء في اصول كلمات مختارة ـ كلمات محورية عن الآخرة؟ وانها قد لا تكون بالمرة "كلمات خالق الأرض والأجرام السماوية"؟ وأن جزاء تدمير الذات ، ناهيكم عن القتل الجماعي ، سيكون مكافأة مشكوكا فيها؟ وأن وعد الجنة هو رجم في الغيب وليس وعدا مضمونا؟ ربما كان حينذاك سيغير رأيه ويتراجع. ربما. فالاحتمال يستحق النظر فيه باهتمام.
ان فعل وضع القرآن موضع تساؤل هو ذاته جزء أساسي من حل لغز الاصلاح لأنه يشير الى الغناء خارج السرب. وهو يعني عدم قبولكم بأن الاجابات معطاة ، أو أنها ستُعطى لكم.
في الأشهر التي تلت 11 سبتمبر ( ايلول ) ظل سؤال يضايقني أكثر من أي اسلئة اخرى: بما أن القرآن يفسح في المجال لممارسة الارادة الحرة ، لماذا يبدو عباقرة الاسلام المتسلطون عازمين دوما على السقوط في ضيق الأفق؟ لماذا لا يختار المزيد منهم طريق الانفتاح؟ كان عليّ أن أذهب أبعد من القرآن. كان عليّ أن اجد حاضنة المواقف البافلوفية المتحاملة عند المسلمين.
وللقيام بذلك كان علي هتك مزيد من الأستار عن الأكاذيب التي نطلقها.
هوامش الفصل الثاني
1 ـ الدكتور رفعت حسن مستشهدا بمنظمة العفو الدولية في
Neva Welton and Linda Wolf, eds., Global Uprising: Confronting the Tyrannies of the 21st Century: Stories of a New Generation of Activists (Gabriola Island, British Columbia: New Society Publishers, 2001), p. 214.
2 ـ منظمة العفو الدولية Amnesty International ومنظمة مراقبة حقوق الانسان Human Rights Watch ومنظمة "بيت الحرية" Freedom House ومقالات محدَّدة بينها
Is Youssouf Male a Slave? By Michael Finkel, New York Times Magazine, ، 18 نوفمبر ( تشرين الثاني ) ، 2001.
3ـ "Why Israel and not Sudan, is singled out? Boston Globe, October 5, 2002 ، 5 أكتوبر ( تشرين الأول ) ، 2002 .
4ـ Ruth Baldwin, The Talibanization of Bangladesh, The Nation
( نسخة الانترنت ، 18 مايو ( أيار ) ، 2002 ). انظر الموقع
www.thenation.com
5ـ للاطلاع على الأدلة المثيرة للقلق انقر هنا
6ـ Charles le Gai Eaton, QueerTelevision, Citytv, April 8, 2001 ، 8 ابريل ( نيسان ) ، 2001.
7ـ Bruce Feiler, Abraham: A Journey into the Heart of Three Faiths (New York: William Morrow, 2002 ), p. 180.
8ـ بروس فايلر Bruce Feiler مستشهدا بصحافي محلي ، المصدر السابق ، ص 181.
9ـ تقرير: اغسطس ( آب ) ـ ديسمبر ( كانون الأول ) ، 2002 ، أكاديمية تعلُّم الاسلام Academy for Learning Islam ، ريتشموند ، بريتش كولومبيا. أُعِدَّ التقرير لمناسبة اقامة معرض "روح الاسلام" في متحف الانثروبولوجيا ، جامعة بريتش كولومبيا ، فانكوفر.
10ـ "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء..." ( 4: 1 ). انظر ايضا الآية 4: 57 التي تقول : "والذين آمنوا وعملوا الصالحات سنُدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ابدا لهم فيها أزواج مطهَّرة وندخلهم ظلا ظليلا". لاحظوا أن كلمة "ازواج" ترد هنا ايضا بحياد يفيد معنى الجنسين معا دون تحديد أي منهما.
11ـ وعليه فانه عندما يهتف المحتجون المعادون للمثليين ان "الله خلق آدم وحواء ولم يخلق آدم وحوّاس" ، ينبغي ان نتذكر أن القرآن قد لا يتفق مع هذا الموقف...
12ـ "...واتقوا الله الذي تَساءلون والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" ( القرآن ، 4 : 1 )
13 ـ "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من اموالهم فالصالحات قاتنات حافظات للغيب بما حفظ الله والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن". ( القرآن ، 4: 34 ).
14 ـ الفقرتان 6 ( أ ) و 6 ( ب ) من اعلان القاهرة. أنظر ايضا
Ann Elizabeth Mayer, Islam and Human Rights: Traditionand Politics (Boulder: Westview Press, 1999)
15 ـ "نِساؤكم حرث ولكم فأتوا حرثكم أنىَّ شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا انكم ملتقوه وبَشِّر المؤمنين". ( القرآن ، 2: 223 ).
16 ـ ندوة تلفزيونية لبرنامج هوت تايب Hot Type في التلفزيون الكندي "سي بي سي" سُجلت في 5 مارس ( آذار ) ، 2003.
17 ـ تشارلز جايكوبس Charles Jacobs ، "Why Israel and not Sudan, is singled out " ، صحيفة بوسطن غلوب Boston Globe ، 5 اكتوبر ( تشرين الأول ) ، 2002.
18 ـ القرآن ، 24: 33. ويمكن العثور على اشارة اخرى تبرر الرق في 4: 25.
19ـ "إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين" ( القرآن ، 3: 45 ) والآية التي تقول: "وقولهم إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا" ( القرآن ، 4: 157 ).
20 ـ "يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمتُ عليكم واني فضَّلتكم على العالمين" ( القرآن ، 2: 47 ) ومرة اخرى في 2: 122.
21 ـ "ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرُهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ( القرآن ، 2: 62 ) ومرة اخرى في 5: 69.
22 ـ "ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين أُوتو الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فان الله سريع الحساب" (3: 19 )
23 ـ "وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدِّقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتَّبع اهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شَرعَة ومنها جاءوا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" ( القرآن ، 5: 48 ).
24 ـ "يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياءَ بعضُهُم اولياءُ بعض ومن يتولَّوهم فانه منهم والله لا يهدي القوم الظالمين" وكذلك في الآيات 61: 5 و 61: 6 و 61: 7 و 47: 4 و 39: 71 ـ 73 و 9: 29.
وهناك آية مخيفة في سورة النساء تقول: "إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدَّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما" ( 4: 56 ).
25 ـ برنامج باسم "غرفة الدردشة" The Chat Room ، محطة "سي تي في" ، بُث على الهواء في 19 يونيو ( حزيران ) ، 2001.
26 ـ "لا إكراه في الدين قد تبيَّن الرشدُ من الغيّ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" ( 2: 256 ).
27 ـ كان لهذه الاستعارة المجازية من المصداقية في صحافة التيار السائد حتى انها استمرت في الاستعمال بعد عام على 11 سبتمبر ( ايلول ) ، 2001. انظر على سبيل المثال شيما خان Sheema Khan,
The Language of Islam has been hijacked, The Globe and Mail, 17 December, 2002 ، صحيفة ذي غلوب اند ميل ، 17 ديسمبر ( كانون الأول ) 2002.
28 ـ مقتدر خان Muqtedar Khan في "مذكرة الى المسلمين الأميركيين"
Memo to American Muslims من موقع www.islamfortoday.com
أعتذرُ عن الاستشهاد بخان كمثال على التزيين ـ اعتذر لأن عمله يميل الى ان يكون مدروسا وأمينا. وفي هذه الحالة يبين ما يمارسه خان من عملية تبييض وتنزيه انه حتى أكثر المسلمين صراحة يواجهون مشكلة في الاعتراف بدعم القرآن للعنف.
29ـ "من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه مَنْ قتلَ نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما احيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم ان كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون" ( القرآن ، 5: 32 ).
30 ـ People in the News: Osama bin Lden, CNN ، مقابلة مع اسامة بن لادن بثتها شبكة "سي ان ان" في اطار هذا البرنامج بمناسبات عدة منذ 11 سبتمبر ( ايلول ) 2001.
31 ـ المحاجَّة التي أُشير اليها هي محاجَّة عبد اللهي النديم
Abdullahi An Nadim في
The Islamic Counter-Reformation, New Perspectives Quarterly
شتاء 2002. للاطلاع عليها انظر الموقع www.digitalnpq.org
32 ـ علماء كثيريون يؤيدون هذا الطرح منهم محمود أيوب من جامعة تمبل
Temple University انظر الفصل الممتاز الذي كتبه بعنوان التقليد الاسلامي
The Islamic Tradition, in Willard G. Oxtoby, ed.,World religions: Western Traditions (Don Mills, Ontario: oxford University Press, 2002 )
يكتب البروفيسور ايوب: "ان الترتيب الأصلي لسور القرآن الذي وضعه جامعوه كان حسب الطول وان هذا الترتيب جعل من المتعذر تحديد التسلسل الزمني لآيات القرآن بصورة مؤكدة" ( ص 357 ).
33 ـ وصية محمد عطا كما وردت في
Barry Rubin and Judish Kolp Rubin, Anti-American Terrorism: A Documentary Reader ( Oxford, New York: Oxford University Press, 2002 ), pp. 233-238.
34 ـ ابن ورّاق Ibn Warraq في صحيفة ذي غارديان ، 12 سبتمبر ( ايلول ) ، 2002 Virgins? What Virgins? The Guardian
35 ـ قال لي ضباط مخابرات في تورنتو يعملون مع خبراء بمكافحة الارهاب في انحاء العالم ان الانتحاريين كثيرا ما يرتدون أكثر من لباس داخلي واحد أو يحشون المنطقة الحساسة من جسمهم بالجرائد لحماية اعضائهم التناسلية من قوة الانفجار.
36 ـ وقت كتابة هذه السطور كان كتاب كريستوف لوكسمبرغ
Christoph Luxemberg, The Syro-Aramic Reading of the Koran
متوفرا باللغة الألمانية فقط ولذلك اعتمدتُ على اساتذة مختلفين من اساتذة اللغة الألمانية. كما عدتُ الى دراسات ومقالات بينها عمل الكساندر ستل
Alexander Stille, Radical New Views of Islam and the Origins of the Koran, New York Times
في صحيفة نيويورك تايمز ، 2 مارس ( آذار ) ، 2002.
بالمناسبة قدم موقع www.badattitude.com قصة الزبيب والحوريات على الانترنت بعنوان مثير هو "أنباء طيبة للشهداء النباتيين!". أحيانا لا يملك المرء إلا أن يضحك.
37 ـ انظر على سبيل المثال وصف كارن ارمسترونغKaren Armstrong في عملها
A History of God, pp. 139 and 148
38 ـ كما اختلف الفقهاء حول عدد العذراوات الموعود بهن. إذا كان علم الرياضيات نفسه لا يمكن أن يكون دقيقا بوضوح فكيف يمكن لشيء أكثر ذاتيا ـ مثل معاني الكلمات ـ أن يُعتبر في حكم المطلق؟
في الجزء القادم: "متى توقفنا عن التفكير!"
الفصل الثالث
متى توقفنا عن التفكير
بحلول نوفمبر ( تشرين الثاني ) 2001 ، كان قد أُتيح لنا جميعا نحو شهرين لاستيعاب الصور المتصلة. وكانت نُبذ من حياة الذين قُتلوا في مركز التجارة العالمي تُعرَض بلا نهاية على شاشات تلفزيوناتنا ، إحياء لذكرى ما لا يمكن زعزعته بقدر ما هي إحياء لذكرى ما لا يمكن التفكير فيه. ولكن الذهول العام أخذ يتبدد ، كما يجب ، واكتسبت المقابلات التي محورها "كيف أمكن لهذا أن يحدث" ، نبرة أشد حدة. وكان سؤال واحد لم يعد يحتمل التأجيل: ما علاقة الاسلام بهذا الهجوم؟
وبلا تردد ، اصدرت المنظمات الاسلامية في شمال اميركا سيلا متواصلا من البلاغات الصحافية التصالحية. وأخذت أسماء قادتها تظهر في صفحات الرأي. ويوما بعد آخر راح الناشطون في مجال "العلاقات العرقية" يناشدون الاميركيين وحلفاءهم أن لا يصبُّوا احباطاتهم على رؤوس المسلمين لأن غالبيتنا الساحقة "أُناس أخيار". وأرسل لي اصدقاء في اوروبا أمثلة على خزعبلات مماثلة يجري تناقلها في وسائل اعلامهم (1).
وكان متحدثون مسلمون ، عمليا ، يبدون استغرابهم قائلين: أنتِ يا هيئة الارسال البريطانية ( بي بي سي) ، لقد وافقنا على أن نكون على موجاتكِ الهوائية ، وها نحن نعترف بأن شيئا ما ليس على ما يُرام في الاسلام. فماذا تريدون أكثر؟ وإسمعي يارويترز ، نحن هناك حيث نشجب المتشددين. هيا ، استشهدوا بأقوالنا! وأنت يا محطة فوكس ، نحن نتحاور مع اصحابك المحافظين ولا نتهرب منهم فلا تتهمينا بالتملص للنفاذ بجلدنا.
أنا ، إذاً ، سأتهم أنفسنا بالمراوغة لتبرئة ساحتنا. فرغم كل استنكاراتنا للمرض الذي تعاني منه هوامش الاسلام ، تفادى المسلمون بمثابرة معالجة العلة التي تشل الدين كله ـ بقاء الاسلام السائد فوق النقد.
بعد شهرين على 11 سبتمبر ( ايلول ) فعلتُ ما كنتُ أعلم بأني قادرة عليه. كتبتُ سلسلة مقالات تدعو الى مراجعة الذات (2). فالمسلمون الذين يعيشون في الغرب يتمتعون بترف طرح اسئلة قاسية دون خوف من انتقام السلطة. والبرجان التوأمان اللذان لم يستحقا الانهيار أُحيلا الى انقاض ، بيد أن البرجين التوأمين اللذين كانا يستحقان الانهيار ، استمرا في رفع شكل ملموس لكنه لم يخضع للتمحيص من الاسلام. البرج الأول: خداع. والبرج الثاني: غرور.
وأوضحتُ أن الخداع يتمثل في أننا بدلا من الإقرار بوجود مشكلة خطيرة في جوهر هذا الدين ، مضينا ، انعكاسيا ، نسبغ رومانسية على الاسلام. وان ضغط الآخرين من أقراننا لايصال الرسالة ـ والرسالة هي اننا لسنا جميعا ارهابيين ـ أغرانا باجتناب الجهاد الأكثر حسما من كل أنماط الجهاد الأخرى: النقد الذاتي. كفانا هذا الاستسلام الطفولي لضغط الآخرين من أقراننا. كفانا ، ايضا ، التمادي في الغرور بأن الغربيين مدينون لنا باحترام انساني أساسي ولكننا لا ندين بشيء للقيم الغربية التي تتيح لنا هذه الفرصة للاحترام. وأشرت ُفي احد مقالاتي الى ان جماعة مسلمة تتخذ من مدينة تورنتو مقرا لها دعت السياسيين في اعقاب 11 سبتمبر ( ايلول ) الى الوقوف ضد التعصب المعادي للمسلمين. ومن بين الذين فعلوا ذلك سياسي مثلي على نحو سافر. وكتبتُ أني آمل بأن يتمكن هذه السياسي من أن يتوقع غضبا مماثلا من لدن المسلمين عندما يتعرض في المرة القادمة نادٍ للمثليين أو مكتبة من مكتباتهم الى التفجير بالقنابل الحارقة.
ولخَّصتُ التحدي الذي طرحته على المسلمين الآخرين في الآتي: هل سنبقى طفوليين روحيا تكبلنا التوقعات بأن نخرسّ ونمتثل ، أم سنبلغ مرحلة النضج لنكون مواطنين مكتملي النمو مدافعين عن تعددية التأويلات والأفكار ذاتها التي تمكننا من ممارسة الاسلام في هذا الركن من العالم.
وانهالت الردود. كان غير المسلمين يتطلعون الى مزيد من الصراحة ، وكذلك قلة من المسلمين معهم. ولكن غالبية المسلمين كانوا على الضد من ذلك. البعض عدّني ناشزة صدمتني تجربة المدرسة الدينية ، وربما كان في تقويمهم شيء من الصحة بشأن وضعي الشخصي. ولكن طالما أنهم أصروا على الحديث عن صدمة ، لماذا لم اسمعهم ينبسون ببنت شفهة عن الصدمة الأكبر التي أحدثتها قلة من المسلمين المؤمنين في 11 سبتمبر ( ايلول )؟ ماذا كان لديهم يقولونه عن دور ديننا في ذلك الدمار؟ لا شيء. آخرون اتهموني بالتخبط في الهجوم لأن اسلام الاتجاه السائد قد رفضني. والحق أني رُفِضت ، ولكني لستُ أشعر بالخزي من ذلك. فما الذي يجعلني أطمح بالانتماء الى تيار سائد ، ضامر فكريا ومعوَّق أخلاقيا؟(3)
لكني لم أُنقاش كلَ رسالة تلقيتها. وان واحدا بصفة خاصة من اصحاب هذه الرسائل أسكتني وحملني على التفكير. فان هذا المسلم إذ أُصيب بالجزع من "الصورة الفظيعة" التي رسمتُها عن الاسلام ، علَّمني شيئا بناء. سأل صاحب الرسالة هل أعرف شيئا عن الإجتهاد؟ الإجتهاد وليس الجهاد ( بل انه حتى ساعدني على تلفظ الكلمة: إجْتِهاد ). وقال لي ان الإجتهاد هو التقليد الاسلامي في التعليل والتوصل الى أحكام مستقلة ، الأمر الذي زعم أنه يتيح لكل مسلم ، ذكرا أو انثى ، طبيعيا أو شاذا ، شيخا أو شابا ، امكانية تحديث ممارسته أو ممارستها الدينية في ضوء الظروف المستجدة.
إجْتِهاد. أهو تقليد في الاسلام؟ أهو ما يتعلق باستقلال الفكر؟ اللعنة عليّ ( ربما بالمعنى الحرفي لكلمة اللعنة ).
وإذ أمعنتُ التفكير في هذه القضية تذكرتُ وقوعي على كلمة "إجتهاد" في قراءات بعد فترة المدرسة الدينية. ولكنها ظهرت بلا ضجة ، مطروحةً على أنها نزعة شرعية منطفئة أكثر من كونها مفهوما ثوريا. يضاف الى ذلك ان الانطباع الذي كان عندي هو ان المرجعيات الدينية وحدها التي بإمكانها أن تتعاطى تفسير القرآن بصورة مشروعة. وقد دفعني علمي بفكرة الإجتهاد الى التساؤل: من هم هؤلاء المرجعيات في فقه الدين؟ قصدي ، هل يعترف القرآن بمرجعية دينية رسمية؟ لا. هل أن التقلبات الجامحة في مزاج القرآن تجعل أي تفسير لنصه انتقائيا وذاتيا؟ إي والله. فهل من الجائز أن يكون الحق في ممارسة التفكير المستقل ، أو تقليد الإجتهاد ، متاحا في الواقع لنا جميعا؟ وان "آيات الله" الذين يطالبون بإتباع فتاواهم هم الهرطيقيون الحقيقيون من خلال استئثارهم بهذا الحق؟
كالعادة ، بدأت أقرأ وأُنقّب وأتحادث مع الفقهاء. مَنْ جعل الإجتهاد تقليدا؟ أين مورس وفي أي مجتمع؟ نبشتُ حتى توصلت الى الصورة الآتية: أن روح التحري كانت عصب الحياة في عصر الاسلام الذهبي بين حوالي 750 و 1250 ميلادية. وفي العراق ، قلب الامبراطورية الاسلامية ، كان المسيحيون يعملون جنبا الى جنب مع المسلمين لترجمة الفلسفة الاغريقية واحيائها. وفي اسبانيا ، الطرف الغربي لمشارف الاسلام ، قام المسلمون بتطوير ما يسميه مؤرخ من جامعة يال "ثقافة تسامح" مع اليهود(4). وقد منحتنا هذه الملل متكاتفة ما كان المقدمة التي مهدت طريق العولمة ـ ترابط التكنولوجيا والمال والبشر. إذ كان المسلمون يتعاطون التجارة بنشاط مع غير المسلمين ليكونوا رواد نظام يمكن في اطاره تحرير شيك في المغرب وصرفه في سوريا. وأثمرت التجارة في اتجاهين حركة مزدهرة في الأفكار ايضا. دعوني أُسلط الضوء على بعض مساهمات الاسلام في الثقافة الغربية(5): آلة الغيتار الموسيقية ، علاج السعال ، الجامعة ، الجبر وتعبير !Ole الذي يعود في جذره الى ابداء الاعجاب من خلال لفظة "الله!" ( ألقوا باللائمة عن اختراع آلة "الخُشخيشة" الموسيقية على أحد آخر ).
مضى التجديد وروح الإجتهاد متساوقين. وفي مدينة قرطبة جنوبي اسبانيا على سبيل المثال ، قامت امرأة جذابة جنسيا تُدعى ولاّدة بتنظيم صالونات أدبية لتفسير الأحلام والشعر والقرآن(6). وكان رواد هذه الصالونات يناقشون ما حرَّمه القرآن على الرجل والمرأة. ولكن ما هو الرجل وما هي المرأة؟ كانوا يناقشون في هذه المسائل ايضا. كان ذلك زمنا بوسع المرء ان يناقش فيه دلالات القرآن للخنثيين ، الذين يولدون بأعضاء الجنسين معا.
في هذه الأثناء ، في بغداد كان مركز الامبراطورية يمور بالنشاط. فيها كان مقر خليفة الاسلام. وأكان ذلك بالانتخاب أو القتل أو بالاثنين معا فان الخلفاء تعاقبوا على الحكم بعد النبي محمد بوصفهم قادة أمة المسلمين المتنامية ومرشديها الروحيين. وفي بغداد فتح الخليفة المأمون ، الذي تولى الخلافة في القرن التاسع ، ما عُرف باسم "دار الحكمة" ـ "أول معهد للتعليم العالي في العالم الاسلامي والغربي" ، بحسب محمود أيوب من جامعة تمبل Temple University(7). ولكن قرطبة المنافِسة ما كانت لتتخلف وراء الركب بوصفها بوتقة أفكار فأصبحت موطن 70 مكتبة. ويعني هذا الرقم مكتبة مقابل كل حورية يعتقد الشهداء المسلمون أنها موعودة لهم. مكتبات يومذاك ، وحوريات اليوم ـ يا له من تناقض في الأولويات ، أليس كذلك.
كيف أدى أي من هذا الى تنمية انفتاح على اليهود والمسيحيين؟ للإجابة مستويات متعددة ولكن من حيث الجوهر فان التسامح كان خير وسيلة لبناء الامبراطورية الاسلامية وصيانتها. فبادئ ذي بدء عمل غالبية الفاتحين المسلمين وفق القاعدة الأساسية القائلة ان ليس بالامكان فرض الاسلام بالاكراه على أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين. وأثبتت هذه القاعدة أنها كانت الأفضلية الاستراتيجية التي تمتع بها الاسلام الامبريالي على المسيحية الامبريالية. ولنكن واقعيين فان الصليبيين الكاثوليك ما كانوا ليسمحوا لليهود والمسيحيين الهرطيقيين بممارسة شعائر دينهم. أما المسلمون فقد سمحوا لهم ضامنين بذلك أنهم عمليا لن يلقوا مقاومة تُذكر من الأقليات الدينية خلال فتوحاتهم. وهكذا ، على سبيل المثال ، ابتهج اليهود عندما قام المسلمون بغزو القدس في عام 638 ميلادي وانتزعوا مدينة داود من البيزنطينيين الذين دنسوا الأماكن اليهودية المقدسة باستخدامها مزابل يرمون فيها قاذوراتهم. وقد بادر المسلمون الظافرون الى تنظيف المكان ودعوة العائلات اليهودية الى العودة.
لاحقا ارتقى اليهود بالتعاون الى مستوى أعلى وأخذوا يشاركون في العمل العسكري مع المسلمين. وإذ كان يهود اسبانيا يعانون في ظل الأسياد المتعصبين لمذهبهم الكاثوليكي ، راحوا يتوسلون بمسلمي المغرب أن يحرروهم بالاستيلاء على شبه جزيرة ايبيريا. ونشأ تحالف غريب: جعل المسلمون من اليهود عيونا لهم ضد أي زحف مباغت عليهم يقوم به جيش البابا. وبالمعلومات التي جمعوها من اليهود سبى المسلمون اسبانيا في سنة 711 ميلادية. ( في الطريق اليها عبَرَ قائدهم طارق بن زياد كتلة من الصخر اسهما الحالي بالانجليزية
Gibraltar مشتق من اسمها العربي "جبل طارق"(8). وكانت هذه فاتحة كثير من الكلمات ذات الأصل العربي على غرار كلمة Ole! الاسبانية المشتقة من لفظة "الله!" تعبيرا عن الإعجاب).
الجزء الصعب من بناء امبراطورية هو ليس تكديس ما يُقهر من أقاليم تحت سيطرتها بل النجاح في تنظيم الحياة داخل اراضيها مترامية الاطراف. وكانت هذه مهمة مزدوجة واجهت العرب الذين ، بحسب ناقد في مجال الثقافات ، كانوا "محاربين لا اداريين"(9). ولكن هؤلاء المحاربين كان لديهم ما يكفي من العقل لأن يدركوا حاجتهم الى خطة يطبقونها في اليوم التالي على فتح هذا الاقليم أو ذاك. لذا كان الحكام المسلمون يعيِّنون الأكثر ذكاء من بين رعيتهم لإدارة العمليات المتعاظمة التي ترتبط بشؤون الامبراطورية. كانوا بحاجة الى نواب على دارية بالأعباء والمصاعب الناجمة عن ادارة جماعات بشرية مُقتَلَعة. وهم كانوا بحاجة الى مَنْ كانوا مواطنين عالميين في حقبتهم. وهنا جاء دور اليهود الذين لعبوه على أحسن وجه. فمن اسبانيا الى العراق عمل اليهود ديبلوماسيين كبارا ومساعدين عسكريين وأطباء قضائيين ومصرفيين ، متولين في الواقع مهمات من شتى الأصناف.
ولا بد لي من التساؤل ما إذا كان اليهود قد أسهموا في جعل بغداد خيارا طبيعيا لأن تكون عاصمة الامبراطورية الاسلامية. فهنا أقام الشتات اليهودي ، بعد سقوط آخر ممالك بني اسرائيل في عام 70 ميلادي ، مركزا ذا شهرة عالمية لدراسة التلمود. وعندما وصل المسلمون الى بغداد كان لدى هذه الحاضرة البابلية القديمة اصلا نخبة يهودية متعلمة بامكان الخليفة أن يستمد منها خبراء يعملون مستشارين له. وهذا بدوره مهد الطريق لأن ينقل حاخامات بغداد تعاليمهم علنا الى اليهود في انحاء العالم حيث كان 90 في المائة منهم يعيشون في ظل حكام مسلمين. ( في القرنين التاسع والعاشر كان اليهود يشكلون نصف السكان في مناطق من اسبانيا ) (10). وبفضل سهولة تدفق الأفكار في ذلك الزمن ، كما يقول أحد الباحثين ، "اصبح التلمود وتفسيره للتوراة ، المرجعية المركزية في حياة اليهود".
لا يسع المرء إلا ان يهيم بحب التكاتف: فيما كان الاسلام يعيش عصره الذهبي منفتحا على مؤثرات الحياة الفكرية اليهودية ، كان اليهود أيضا يخطون خطواتهم المجيدة مستلهمين الثقافة العربية الاسلامية. وتدفقت القصائد العبرانية سيالة من قلم شمويل هاناجد ، الحاخام ، هاوي الشعر ، الذي خدم رئيسا للوزراء في بلاط ملكيَن مسلمَين من ملوك الاندلس. وخذوا ما تشاءون من الوقت لهضم هذه الحقيقة.
لا شيء من هذا يعني ان الحضارة الاسلامية كانت كلها ربيعا من الوئام والانسجام لليهود والمسلمين. لا والله. فابتداء من القرن الحادي عشر عملت الأنظمة السياسية التي تعاقبت على الحكم في الاندلس على تقويض التسامح بطاغوتها. ولكن حتى وقتذاك لم يكن موت التقارب الثقافي آنيا. فان معتنقي الديانات الابراهيمية الثلاث كلهم هربوا للنجاة بحياتهم وتوطنوا مجددا وواصلوا التزاوج بين بعضهم البعض دامجين كل شيء في بوتقة واحدة ، من اللغات مرورا بحكايات الجن الى الفلسفات.
سأروي لكم حياة مَنْ تعبِّر عن الديناميكة التي أتحدث عنها: انها حياة موسى بن ميمون ، الذي كان فيلسوفا وحاخاما وطبيبا وعالما اخلاقيا يهوديا كبيرا. نشر ابن ميمون غالبية أعماله باللغة العربية حصرا. ( اول رئيس وزراء اسرائيلي ، ديفيد بن غوريون ، تعلم العربية خلال فترات الغداء ليتمكن حقا من تقدير ابن ميمون ) (11). ولكن ابن ميمون لم يرتكب خيانة روحية. فالى جانب كونه أول من قام بتدوين القوانين الشرعية لليهودي الاعتيادي ( توراة مشْنا التي كتبها بالعبرية ) كان هذا الطبيب الوقور ايضا مؤلف العمل اليهودي الكلاسيكي "دلالات الحائرين". وإذ ادرك ابن ميمون أن نوبة مفاجئة من الفكر التجديدي يمكن أن تسبب تشوشا أخلاقيا ، أراد أن يحتفظ اليهود بمبادئ توراتية سليمة دون أن يقعوا في تبليد أنفسهم بأنفسهم. وهذا المقطع من كتاب "دلالات الحائرين" يبين أمانته الفكرية: "ان من طبيعة الانسان أن يحب ما هو مألوف له ونشأ فيه وأن يخاف من كل شيء غريب. وتعدد الاديان وما يترتب عليها من لاتسامح متبادل ناجم عن حقيقة ان البشر يبقون أوفياء للتربية التي تلقوها" (12).
ما يجعل حياة ابن ميمون الفكرية أكثر مدعاة للاعجاب انه عاش في الفترة العصيبة التي أعقبت استيلاء امراء الطوائف على قرطبة ، مسقط رأسه. وفي حوالي عام 1150 ميلادي هرب ابن ميمون وعائلته الى شمال افريقيا ثم الى ما هو اليوم اسرائيل قبل أن يلقي رحاله أخيرا في مصر. وهناك أصبح طبيبا لكبار القواد العسكريين عند صلاح الدين ، البطل العسكري المسلم الذي اجهض الموجة الأولى من الصليبيين البابويين. وازاء سيف التطرف الاسلامي الذي كان مسلطا ـ في الاندلس إن لم يكن في سواها ـ فقد كان بمقدور ابن ميمون ان يتقوقع في يقينياته الدينية أو الثقافية المطلقة ولكنه لم يفعل ذلك بل واصل عمله طبيبا في مصر. وكان يعاين المرضى المنتظرين في طابور على بابه ويدرس مع ابناء طائفته اليهودية ويكتب للعالم الأكبر منها. هكذا كانت القريحة الابداعية الدافقة لمن جعلوا العصر الذهبي أكثر تألقا ، حتى في ساعة أُفوله.
كان لإبن ميمون ند مسلم لا يكبره إلا تسع سنوات ـ الفيلسوف والطبيب والعالم الرياضي والقرطبي مثله ابن رشد ( الذي كثيرا ما يُعرف بالاسم اللاتيني
Averroes ). وفي اسبانيا دافع ابن رشد عن حرية العقل ذاتها التي كان ابن ميمون يجسدها على الجانب الشرقي الأبعد ، غير هياب من الاختلاف مع الثيوقراطيين. وجادل ابن رشد مدفوعا بصعود شكل متعصب من اشكال الاسلام ، بأن الفلاسفة هم خير من يفهم على الوجه الصحيح الآيات الرمزية في القرآن على اساس درْبَتهم المنطقية ، وانه ليس هناك حكم ديني يقضي بتفسير أي آيات كهذه تفسيرا حرفيا (13). ونحن نبصم على هذا القول بكلمة آمين.
ولِمَ التوقف عند هذا الحد؟ فان ابن رشد ، اكثر من أي اوروبي آخر ، أكان مسلما أو غير مسلم ، نادى بمساواة الجنسين. وفي اجتهاده ان "مقدرة المرأة غير معروفة" لأن حياتها قُصرت على "فعل الانجاب وتربية الاطفال ورضاعتهم" (14). وحذَّر ابن رشد ، ببعد نظر ، الأوصياء على الحضارة من أن معاملة المرأة وكأنها عبء على الرجل هو "أحد أسباب البؤس". وبجرأة كهذه اصبح ابن رشد "عبئا" على القوى السائدة ذات الاسلام المتزمت فنفته الى مراكش في المغرب ، وعشية القرن الثالث عشر توفي ابن رشد في ظروف مشبوهة.
إذ كنتُ أُفكر في ما قد يكون أصاب عقل ابن رشد المتقد ، ألححتُ في التساؤل: كيف أمكن لملاذ تأمن فيه الهرطيقية ، مثل اسبانيا المسلمة ، أن يغدو معقلا للتزمت؟ متى توقفتْ بقية الامبراطورية الاسلامية عن التفكير؟ ما الذي وجه الضربة القاضية الى عصر الاسلام الذهبي ، وما معنى ذلك لنا جميعا اليوم؟
الأهم ثم المهم. يتضح ان منحرفين دينيا حجبوا الرؤية السليمة عن اسبانيا المسلمة. فالمعتمد بن عباد ، حاكم اشبيلية المسلم ، كان يريد تحصين امارته ضد تهديد الفونسو ، ملك قشتالة المسيحي. ولتفادي خطر الفونسو استنجد المعتمد بمسلمين أشداء من المغرب هم المرابطون. وتولى المرابطون ، كما هو ديدنهم ، أمر الفونسو ولكنهم بسطوا سيطرتهم بعد ذلك في حملة ضارية من أجل النقاء اللاهوتي ، وهو ما لم يكن المعتمد يتوقعه بالمرة. كان المرابطون يكرهون الحريات المتاحة في اسبانيا المسلمة ، التي اعتبروها نتيجة بدعة منافية للدين. وكانوا يحتقرون اليهود ويستهجنون النساء وينفرون من النقاش واتخذوا موقفا تبشيريا مهووسا. صدقوني ، ان إبعاد ابن رشد لا يعطي حتى ولو فكرة عابرة عن حجم تجاوزاتهم. وذهب أهل الكهف اولئك حتى أبعد. هل سمعتُم ذات يوم عن الغزالي؟ كان مفكرا من مفكري بغداد اتهم الفلاسفة الليبراليين المسلمين بـ"التهافت". فهل كان هذا موقفا يمكن أن يعتمده المرابطون؟ كلا. ولكن المرابطين اعلنوا الغزالي نفسه مغرقا في الليبرالية وأحرقوا أعماله أمام الملأ. كما نكَّلوا بالصوفيين والباطنيين المسلمين الذين قرؤوا القرآن قراءة مجازية لا حرفية.
أتعرفون ما أجد فيه عبرة من هذه الواقعة؟ أن اسبانيا المسلمة لم تسقط تحت ضربات المسيحيين. صحيح أن المسيحيين قطفوا ثمار الانهيار ولكن البهائم الذين اسقطوا اسبانيا المسلمة كانوا مسلمين. وهل تعرفون ما يوحي لي هذا به؟ أن المسلمين فرضوا الأحكام العرفية وراحوا يصادرون حريات بعضهم بعضا قبل ظهور الاستعمار الأوروبي.
ما أُريد توصيله أن متاعبنا لم تبدأ مع الصليبيين الغادرين بل أن مشاكلنا بدأت معنا. وحتى يومنا هذا يستخدم المسلمون الرجل الأبيض سلاحا من أسلحة الإلهاء الشامل ـ الإلهاء عن الحقيقة الماثلة في اننا ما كنا قط نحتاج الى الغرب "الظالم" لظلم أنفسنا.
سأُوضح هذه النقطة أكثر بتحويل نقطة التشديد الى بغداد. أتذكرون الخليفة المأمون الذي حكم في القرن التاسع؟ اعتنق المأمون شكلا من الاسلام يشجع الفكر العقلاني ويستبعد كل ما يذهب الى أن للقرآن أصولا إلهية. وفي المقام الأول ، أن لاهوت المأمون أصر على الارادة الحرة لكل كائن بشري. طيب. في انقلاب مذهل على الارادة الحرة والفكر العقلاني على السواء ، شن المأمون حملة شعواء ضد المسؤولين الذين لم يتفقوا مع تفسيره للاسلام! وقد جُلد بعض المعترضين وسُجن البعض الآخر. وحكم خَلَفُ المأمون بضرب عنق معارض واحد على الأقل (15). مَنْ غير المأمون يمكن تحميله مسؤولية هذه الفظائع؟ كنيسة الروم؟ حاولوا مرة اخرى؟ اليهود؟ كلا مع الأسف. محطة "ام تي في" التلفزيونية الخاصة بالموسيقى؟ ولا هذي ايضا. أو لا تحزرون مَنْ تبقى؟
بعد ثلاثة عقود من "الارادة الحرة" ، المفروضة فرضا ، تراجع المأمون أولا ثم ابن عمه ، الذي جاء خليفة من بعده ، عن السياسة السابقة وأعدَّا الساحة لمذهب جديد يعم البلاد الخاضعة لحكمهم. وقضى هذا المذهب بأن على المؤمنين أن يقبلوا بما ينص عليه القرآن "دون أن يسألوا كيف" (16). باختصار ، ليس شغلنا أن نتساءل كيف يطبق الله قوانين معينة لأننا عاجزون عجزا مطلقا عن اقامة صلة به ـ الواحد الأحد الذي لا مثيل له ولا يمكن اكتناهه. كلامه المنزَّل غني عن البيان وما علينا إلا الامتثال. من الواضح أن الامتثال لم يكن موقف الجميع. انظروا الى ابن رشد ، ومعه أي عدد من الكافرين جهارا قبله. ولكن إذ نتطلع من حولنا الآن يبدو ان لواء النصر عُقد لهذه الارثوذكسية المتزمتة التي تحكم بأن لا يسأل المرء كيف. وهي انتصرت أساسا لأن ميزان القوى السياسي كان لصالحها. وقد استمرت روح التفكير المستقل في بعض جيوب الامبراطورية ولكن تقليد الاجتهاد المعترف به رسميا أُجهض عن سابق اصرار. ولكم أن تسألوا بكل حرية كيف حدث ذلك.
للاجابة ، عليّ أن أعدّ المشهد موضحة أن المسلمين الأوائل اختلفوا على خلافة النبي في عام 632 ميلادي. البعض طالب بأن تكون الخلافة لصهره وابن عمه الشاب نسبيا علي بن أبي طالب. وأيد مسلمون أكثر ان تؤول الخلافة الى أكبر الصحابة سنا ، ابو بكر. وتسببت هذه الصراعات الدموية في حدوث أول انقسام بالاسلام: الشيعة المنشقون ( جماعة علي ) في مواجهة الغالبية السنة ( أهل السنة أو التقليد ). وعلى امتداد حوالي 275 سنة بقي هذا الانقسام خامدا تحت الرماد ليشتعل بروح انتقامية في سنة 909 ميلادية عندما أعلنت جماعة شيعية منشقة قيام حكومة منفصلة داخل الامبراطورية الاسلامية ذات القيادة السنية. وعندها أوحى اعلان الشيعة عن صعودهم ، لحاكم اسبانيا الاسلامية بأن يعلن دعواه المقابلة بكونه "أمير المؤمنين" ـ أو الخليفة إذا توخينا الاختصار. وفي غمرة هذه الفوضى عمد النظام في بغداد الى غلق ما كان هناك من ثغرات ورص صفوفه.
وفي غضون أجيال قليلة أخذت بغداد على عاتقها غلق شيء آخر الى جانب الثغرات ـ أبواب الاجتهاد ومعها تقليد الفكر المستقل. وبذريعة حماية أمة المسلمين جمعاء من الانقسام ( أو جريمة الفتنة ) أجمع العلماء الذين كانوا يحظون برضا بغداد على تجميد النقاش داخل الاسلام. وكان هؤلاء العلماء ينهلون من عطايا الحاكم فلم يكن في نيتهم التغني بالانفتاح في وقت كان اسيادهم يريدون منهم أن ينعبوا لا أن يغردوا. لذا كان كل ما يحتاج المسلمون الى معرفته ، معروفا من منظور هؤلاء المدفوع ببواعث سياسية. هل لديكم اسئلة جديدة؟ ان المذاهب السنية الاربعة القائمة تستطيع الاجابة عنها. ألم تتعامل هذه المذاهب قط مع اسئلة جديدة كأسئلتكم؟ إذاً ستلجأ الى التقليد قياسا على احكام سابقة. فان الريادة والمبادرة ممارسة لا تُطاق.
نحن في القرن الحادي والعشرين نعيش عواقب هذه الاستراتيجية البالغ عمرها الف عام في سبيل الحفاظ على الامبراطورية من الانهيار. أو لم تسمعوا بالنبأ؟: أن الامبراطورية الاسلامية لم تعد قائمة. أقولها ثانية ، أن الامبراطورية تَمتُّ الى الماضي ونحن هنا ، وابواب الاجتهاد ـ عقولنا ـ تبقى مغلقة ، في الغالب. لماذا؟ لماذا يواصل مسلمو الاتجاه السائد قمع قواهم العقلية علما بأن الهدف المعلَن من القاعدة التي تقضي بعدم التفكير ـ الحفاظ على سلامة ديار الاسلام ، من العراق الى اسبانيا ـ هو الآن مسألة فيها كثير من النظر؟ اعطوا رؤوسكم خضة يا اصدقائي. فالشيء الوحيد الذي حققته هذه الاستراتيجية الامبراطورية هو انتاج أكثر اشكال القمع رسوخا بحق المسلمين على يد المسلمين انفسهم: الحجر على التأويل.
دعوني أتحدث بقدر أكبر من الملموسية. مع غلق ابواب الاجتهاد اصبح حق التفكير المستقل امتيازَ المفتي ، أو الفقيه ، في كل مدينة ودولة. ويقول محمود ايوب أن المفتين "حتى هذا اليوم يصدرون الآراء الشرعية التي تُسمى فتاوى طبقا للمبادئ التي تقوم عليها مذاهبهم. وقد أُعدت مجاميع من الفتاوى الشهيرة لتكون بمثابة دليل ، لا سيما للمفتين الأقل ابداعا أو مقدرة" (17). الأقل ابداعا؟ الأقل مقدرة؟ بدلا من أن نُقلِّد تقليدهم لأحكام بعضهم بعضا أليس حريا بنا أن نهز أبواب الاجتهاد ونخلع اقفالها؟
خذوا مثالا آخر على مدى احترامنا لما هو فائض عن الحاجة: قانون الشريعة. بعدما قيل لهم ان الشريعة تجسد المُثُل الاسلامية العليا افترض غالبية المسلمين ان الشريعة مقدسة. هراء في هراء. يكتب الداعية الاصلاحي ضياء الدين سردار "ان القسم الأعظم من الشريعة ما هو إلا الرأي الشرعي لفقهاء كلاسيكيين" ـ بكلمات اخرى فقهاء المذاهب السنية الاربعة. وإذ وُضعت هذه الأحكام في زمن الامبراطورية فقد جرى تطبيقها منذ ذلك الوقت. ويقول سردار "أن هذا هو السبب في انه كلما فُرضت الشريعة ـ خارج سياق الزمن الذي وُضعت فيه وبالتناشز مع زمننا ـ تكتسب المجتمعات الاسلامية احساسا قروسطيا. هذا ما نشهده في العربية السعودية وايران والسودان وافغانستان في ظل حكم طالبان"(18).
حتى عندما لا يبدو أن الشريعة مطبَّقَة يبقى التقليد مُطبَّقَا. فمؤخرا رمى طلاب احدى الجامعات في فلسطين استاذهم من نافذة الصف في الدور الثاني. جريمته؟ اعادة تفسير التاريخ الاسلامي المبكر (19). بقي الاستاذ على قيد الحياة ولكني لستُ واثقة من أن فلسطين تستطيع الحياة وصفوة ابنائها يُبدون مثل هذا الاحتقار للبحث والاستقصاء. ثم هناك الموقع المؤيد للشيشان على شبكة الانترنت حيث يمجّد التقليد باسلوب أرقى بعض الشيء(20). فهو يقوم بتنغيل عبقرية ابن ميمون محوِّرا عمله الى "دلالات الحائرين في جواز قتل المأسورين". تصوروا كيف تنفستُ الصعداء حين علمتُ أن قتل الكفار "جائز" ( بل أنه واجب ) ـ ما لم يقرر الإمام أو من ينوب عنه خلاف ذلك. يا لها من راحة! على الأقل لم يكن عليّ أنا أن أُفكر في الأمر.
بعدما اكتشفتُ كيف أصبح النقل هو القاعدة في الاسلام بقي شيء آخر يحيُّرني. إذا كنا سنمارس النقل فلماذا لا ننقل التسامح بدلا من الطغيان؟ ألم تكن لدينا سابقة متعافية نقتدي بها ـ أو نقلدها ، ليكن ـ في الطريقة التي تعامل بها المسلمون مع اليهود والمسيحيين خلال عصر الاسلام الذهبي؟ لماذا ، إذاً ، انزلق الكثير منا في هاوية لا قرار لها من المشاعر المسمومة ازاء غير المسلمين؟
طرح هذه الاسئلة حقق لي أكثر مما كنتُ اراهن عليه ، لأني ، أثناء تنقيباتي ، أدركتُ ان تسامح المسلمين مع اليهود والمسيحيين كان على الدوام تسامحا هشا. فخلال العصر الذهبي كان التسامح في غالب الأحيان أشبه بالازدراء من الدرجة الخفيفة منه بالقبول.
هناك باحثة اوروبية مصرية الأصل ، تصب ماء باردا على كل نظرة حالمة الى الطريقة التي تعامل بها المسلمون تاريخيا مع "الآخر". اسمُها بات يئور. وهو في الحقيقة اسمُها المستعار الذي انتحلته لأن ما تطرحه يدفع كثيرا من المسلمين الى سورات من الغضب. وكانت يئور هي التي نحتت كلمة باللغة االانجليزية تفيد معنى "الذمية" وهي كلمة dhimmitude لوصف ايديولوجيا الاسلام في التمييز الجماعي ضد اليهود والمسيحيين (21). لماذا هذه الكلمة الجديدة؟ لأنها مشتقة من مصطلح "الذميين" الذي يُستخدم للاشارة الى هاتين الجماعتين ـ من أهل الكتاب أمثالنا ـ الذين يحق لهم التمتع بالحماية في المجتمعات الاسلامية.
الحماية؟! لنتفحص بإمعان الفرضية الكامنة وراء هذا المبدأ. لماذا يحتاج اليهود والمسيحيون الى حماية خاصة إذا كانوا من أهل الكتاب مثلنا ، لهم من الحقوق والمسؤوليات ما للمسلمين؟ هذه هي المعضلة. فالمجتمعات المسلمة تلاقي صعوبة في معاملة اليهود والمسيحيين ( دعكم عن سواهم ) على قدم المساواة في الكرامة.
مثال: في دار الاسلام كان اليهود والمسيحيون تاريخيا يشترون الحماية ـ من حيث الجوهر يدفعون ثمنا عن أرواحهم ـ بدفع ضريبة خاصة تُسمى الجزية. والقرآن يبيح هذه الضريبة للحفاظ على السلام العام. وما هذه بالممارسة التي تراعي كرامة الآخر ، اليس كذلك؟ نعم ، لقد أثبت النبي محمد أن الإرادة الحرة ممكنة هنا. فعندما كان السلام العام لا يبدو مهدَّدا كان محمد لا يفرض الجزية. ولكن خيار جباية ضريبة كهذه بحد ذاته يبدو لي "ابتزازا" سافرا.
أبحاث بات يئور تسلط ضوء ساطعا على هذه التهمة. تأملوا في الشروط التي تردد أن محمدا أملاها على مجموعة من المزارعين اليهود بعدما نهب محاربوه واحتهم في خيبر شمالي المدينة. تكتب يئور: "سمح النبي لليهود بزرع أرضهم ولكن كمستأجرين لا أكثر ، وطالب بتسليم نصف محصولهم محتفظا بحق طردهم متى يشاء (22). لستُ احاول التحرش بالنبي ، كل ما في الأمر أن موقفه كان من شأنه أن يعبد الدرب لانتهاج "سياسة واقعية" في الاسلام.
وإنصافا فان مؤرخين يشيرون الى ان محمدا ابدى اعجابا مديدا بجيرانه اليهود ، وحض المسلمين على مشاركة اليهود صيامهم في يوم الغفران. واعتبر يوم الجمعة الذي كان بداية عطلة اليهود موعد صلاة الجماعة عند المسلمين. واختار في الأصل القدس لتكون القبلة وليس مكة. وهذه كلها التفاتات رائعة. ولكن علينا أن نواجه السؤال التالي: هل من الجائز أن هذه كانت مجرد التفاتات قدَّمها سياسي بارع ، وان المغالاة في التشديد عليها تُلهينا عن الجانب المؤذي من الاسلام؟
اني الحُ في السؤال لسبب وجيه. فبعد سنوات ليست كثيرة على وفاة النبي ظهرت وثيقة مُقلقة ويُفترض انها ذات مرجعية موثوقة. قضت الوثيقة بأن على غير المسلمين أن يقفوا عندما يريد المسلم أن يجلس ، وان على غير المسلمين أن لا يرمموا أو يستبدلوا ما خرب وتداعى من أماكن عبادتهم ، وان شهادة المسلم امام القضاء تعلو على شهادة غير المسلم. فتخيلوا هذه الصورة القاتمة. سُميت هذه الوثيقة "العُهدة العمرية". ومَنْ كان عمر؟ كان عمر الخليفة الثاني بعد وفاة النبي محمد ـ انسان عادل وحكيم بحسب كل ما قرأته عنه تقريبا. وانه لسر غامض كيف رُبط اسمه ( أو لُطِّخ ) بسلسلة من مثل هذه الاملاءات العنصرية بلا أي وازع. ولأن هذا الجزء ليس واضحا يطرح السؤال نفسه مجددا: لماذا اختار المسلمون اللاتسامح على التسامح من خلال ما عُرف بـ"العُهدة العمرية"؟ أنا تعاهدت مع نفسي على إبقاء هذا السؤال في دائرة تحرياتي.
في هذه الغضون كل ما استطيع قوله أن "العهدة العمرية" كان لها تأثير حاسم في الاسلام خلال سنواته الأولى ـ وما بعدها. وفي مطالع القرن التاسع استخدم فقيه بارز الشروط التي تضمنتها "العهدة العمرية" اساسا للاشارة على الحكام المسلمين بنوع العلاقات التي ينبغي ان يسعوا الى اقامتها مع رعاياهم من غير المسلمين. وأعد هذا العالم الفقيه ما يشبه الاتفاقية المدبَّجة بصيغة نمطية. القوا نظرة على بعض الأحكام الموجهة الى اليهود والمسيحيين (23):
· "أن لا تُشغِلوا وسط الطريق أو المقاعد في السوق معترضين سبيل المسلمين..."
· "أن تميزوا أنفسكم بسروجكم وما تركبونه من دواب".
· "أن تميزوا شُعورَكم بوسم..."
· "أن تشدوا الزنانير على وسطكم في كل ما ترتدون من ثياب وعباءات وغير ذلك بحيث لا تكون الزنانير مخفيَّة".
وتقولون أن هذه ليست امبريالية. إذ يعترف عبد العزيز ساكدينا استاذ الدراسات الدينية في جامعة فرجينيا أن الفقهاء والقضاة المسلمين فرضوا هذه الشروط بوصفها "نظاما من الأحكام التمييزية المباحة إلهيا" (24). انها مباحة إلهيا. وهي نظام. إذا كانت الكلمات الأخرى في هذا العَقد لا تلفت انتباهكم توقفوا على الأقل عند كلمة "نظام". فهي تستحضر في الذهن ثقافة تواطؤ كاملة. وتلك نزعة ذمية دخلت الانجليزية بكلمة dhimmitude.
على امتداد 500 عام كانت العصر الذهبي للاسلام ، مارست "العهدة العمرية" تأثيرها مؤدية الى التسامح الهش الذي لمَّحتُ اليه سابقا. دعوني أوضح بالملموس: كثير من اليهود والمسيحيين وجدوا أنفسهم في مأزق لا فكاك منه. فهم كانوا يستطيعون أن يرفضوا بأدب طلب حاكمهم المسلم أن يتولوا وظائف عامة ، وفي هذه الحالة يجازفون بإزعاله ، ولكنهم لو قبلوا الدعوة الى الانخراط في الخدمة لواجهوا خطر البطش بسبب خرقهم أحكام الإذعان والخضوع بموجب أحكام "العهدة العمرية" ، وفي هذه الحالة فان عائلاتهم وطوائفهم ايضا ستدفع الثمن.
أُريدكم ان تعرفوا مثال شمويل هانجد ونجله. قد تذكرون ان شمويل عمل رئيسا للوزراء عند اثنين من ملوك اسبانيا المسلمين. ورغم انه كان مبدعا متعدد المواهب ـ شاعرا وقائدا عسكريا ولاهوتيا ـ فانه مارس نفوذه بحذر. ويقول روفن فايرستون Reuven Firestone من كلية هيبرو يونيون العبرانية Hebrew Union College ملتقطا القصة: "عندما توفي شمويل في عام 1055 عُين نجله يوسف للحلول محله. ورغم ان يوسف كان موهوبا على نحو استثنائي كوالده فقد كان متعجرفا وممقوتا. وأسهم تصرفه كما لو أنه ليس من أهل الذمة في سقوطه وفي النهاية قُتل في عام 1066 وتعرض يهود غرناطة الى مجزرة. وتقنياً فان يوسف ووالده على السواء خرقا العهد بقبول منصب رسمي رفيع وسلطة على المسلمين. وقد جرى غض الطرف عن هذه الحقيقة عندما كان شمويل يتصرف بتواضع استثنائي وكانت المملكة عموما مملكة سعيدة. ولكن عندما نشأ توتر ورفض يوسف أن يكون متواضعا فانه فرَّط بالحماية التي كان مشمولا بها كذمي. فقُتل ونُكِّل بطائفته" (25).
ولكن فايرستون يطلب منا ألا نغفل "الوضع الجيد نسبيا الذي تمتع به اليهود وغيرهم من الأقليات الدينية الاخرى في ظل الاسلام" (26). وكثير من العلماء يتفقون معه في ذلك. ويشير أحد الاساتذة الى ان الأحياء اليهودية في العالم العربي الاسلامي إبان القرون الوسطى لم تعان من وصمة في حين عملت الكنيسة بنشاط في اوروبا المسيحية على منع الاتصال بين المسيحيين واليهود بتحديد الأماكن التي يمكن لكل جماعة ان تعيش فيها. وكانت الشوارع المخصصة للعبرانيين أو اليهود حصرا تبثُ "الشك والرعب في المخيلة الشعبية" للمسيحيين (27). ما يرمي اليه الباحث هو: لا تتهجموا على الاسلام بسبب بعض المجازر التي ارتُكبت هنا وهناك بل قارنوه بمسيحية القرون الوسطى التي سعت الى محو اليهودية عن بكرة ابيها.
يمكن أن أفهم هذه المحاولة لإتخاذ موقف متوازن. ولكن لمصلحة قدر أكبر من التوازن ينبغي أن لا نستهين بالطرق الدنيوية المتقَنَة في تطبيق الشروط التي تنص عليها "العهدة العمرية". ففي شمال افريقيا كان اليهود والمسيحيون يضعون على مناكبهم رقعة رُسمت عليها صور خنازير وقرود لكل منهما على التوالي. وكان عليهم أن يلصقوا هذه الرموز على أبواب منازلهم ايضا. وفي بغداد ، مركز التنوير الاسلامي ، كان أهل الذمة يرتدون ملابس تحمل رموزا صفراء اللون ـ وهي علامة أحياها النازيون. آمل ان تكون الوقائع التي شرعتُ في سردها قد أعانتكم على استكمال الصورة لديكم. فهذا هو ما فَعَلته لي. وبدأتُ أدرك كيف بات الاسلام دينا انعزاليا وفي احيان كثيرة دين كراهية. ولو جمعتم بين حظر على التفكير وشَرعَة تمييزية مطبَّقة منذ زمن طويل ماذا تكون الحصيلة التي لا بد أن تتوصلوا اليها؟ انها حصيلة من التقليد واللاتسامح ، وفي المقام الأول ستكون حصيلتكم "تقليدا للاتسامح".
لعل البعض منكم يريد أن يصرخ: "قفي عند هذا الحد. كم من المرات يجب ان نكرر عليكِ اننا لا نرغب في مذلة اليهود والمسيحيين؟ اننا لا نريدهم ان يتجولوا في انحاء مدينتنا بنجوم صفراء ، أتفهمين؟ لا تتهمي المسلمين كلهم بـ"تقليد اللاتسامح ، رجاء". ولكن تقليد اللاتسامح يذهب أبعد بكثير من النجوم الصفراء. وما من مسلم أعرفه متحرر تماما من النظام الذي يكرسه.
سأسوق نفسي مثالا. لقد نشأتُ بعقدة خوف من الكلاب لأن الاسلام علَّمني ان الكلاب مخلوقات قذرة. وإذا اضطررتم الى استخدامها للحراسة فسدوا أنوفكم. وينبغي ألا تُرَبِّتوا على كلب بأي حال من الأحوال ، ناهيكم عن اعتباره حيوانا منزليا اليفا. وماذا عن الكلاب السود؟ انها شيطانية ، لا أكثر ولا أقل. وكنتُ في شطر متقدم من العقد الثالث من العمر قبل أن اتمكن من ملامسة كلب دون أن أتوقع عضَّة لمخالفتي كلام الله.
لهذا علاقة وثيقة بتقليد اللاتسامح. ففي الحديث ـ ما نُقل عن اقوال النبي وافعاله ـ تظهر كل المناسبات التي يأتي فيها ذكر الكلاب السود بجانب اشارات تحقيرية الى النساء واليهود. وبدلا من أن تكون هذه الأحاديث المنقولة موضوعية فانها تلعن الكلاب السود من خلال ربطها بـ"آخرين" مذمومين. وإذا لم نضع الاحاديث موضع تساؤل وإذا لم نفتح أعيننا على أنماط التحامل فاننا يمكن بكل سهولة أن نسند نظاما يعامل ملايين من خلق الله بوصفهم كائنات دونية بل وكائنات مسحورة.
يبدو ذلك ضربا من الجنون ، أليس كذلك؟ ولكن العواقب حقيقية. اسمعوا تجربة بروفيسور في الشريعة الاسلامية من جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس انجيليس ، خالد ابو افضل. فهو يعرف شخصا اهتدى الى الاسلام ، أوعز اليه احد الملالي بالتخلص من كلبه. وقد اكتشف هذا الشخص الذي اعتنق الاسلام أن الكلب أينما تركه يعود الى عتبة داره. فطلب الرجل رأي الملا بشأن ما ينبغي عمله مع كلب يرفض الهجران.
كان جواب الملا أن يقوم هذا المسلم بتجويع كلبه.
عندما سمع الفضل بهذه القصة التي لا رحمة فيها ثارت ثائرته وانكب هذا العالِم في الشريعة الاسلامية ، المولود في الكويت والمتعلم في مصر ، يدرس النصوص الأصلية والتأويلات الاولى للتوثق مما إذا كانت لدى الملا حجة تشفع له. وحينذاك اكتشف كيف رُحِّل الكلاب والنساء واليهود بإسلوب تشهيري الى مصاف كائنات أدنى مرتبة (28) ، ليس من قبل النبي محمد الذي يبدو ان اعتزازه بالكلاب بلغ حد الصلاة في حضورها وانما على يد فقهاء لاحقين. وعلى غرار البناء الفكري الذي هو الشريعة الاسلامية فان ذم الكلاب ( واليهود والنساء ) كان خيارا. وما كان الله هو الذي اختار ذلك بل حفنة من العرَّابين. وكثيرون منا يشترون رضاهم بقبول جوانب من نظامهم ولكننا لسنا مجبرين على التسليم بأي منه. وقد عمد الفضل وزوجته غرايس Grace الى تبنِّي ثلاثة كلاب ضالة ـ أحدها كلب اسود. زد على ذلك أن غرايس كثيرا ما تؤم صلاة العائلة. فان ممارسة الاجتهاد تدفعهم الى وضع حُب الخالق فوق قوانين البشر.
اسمعوا ، لا يتعين علينا ان نكون مثقفين افذاذا لممارسة الاجتهاد. كل ما ينبغي ان نفعله هو طرح تساؤلاتنا عن الاسلام بصراحة. ونحن جميعا لدينا تساؤلات مركونة في اعماق ضمائرنا.
بين الفَينة والاخرى كنا نتحرك بموجب ما تمليه علينا تساؤلاتنا ، بتردد ، وبتردد شديد. قبل مائة عام شهدت مصر مناقشات عامة حول الماركسية والالحاد ونظرية النشوء والارتقاء. وطبقا لأحد الباحثين كان زهاء 50 صحيفة يومية و200 اسبوعية تصدر بحرية مستشهدة بأقوال علمانيين يجاهرون بعلمانيتهم مثل فولتير (29). كما انطلقت دعوات الى الاصلاح الديني. وبعدما قام ما تحقق من تقارب سياسي مع اوروبا في اواخر القرن التاسع عشر بدور العامل المساعد ، تراجعت هذه النهضة الفكرية تحت وطأة الخطابية المعادية للاستعمار والضغوط السياسية من اجل التضامن العربي ، بما معناه رفض كل ما هو غربي. وبحلول عشرينات القرن العشرين اضمحلَّت غالبية التساؤلات الى همس. وفي حوالي هذا الوقت بادر مصري الى تأسيس جماعة "الاخوان المسلمين" ، التي كانت بمثابة شبكة "القاعدة" عند جيله. وكانت طقوس القبول في عضوية الخلايا الارهابية لجماعة الاخوان ، تتمحور على ركيزتين هما القرآن والمسدس. لم تكن هناك تساؤلات.
من الامثلة الراهنة على تقليد اللاتسامح ما يتبدى في اللاسامية الذُهانية (البارانويِّة) التي تجتاح مصر. ومن الصعب معرفة ما ينبغي تسليط الضوء عليه في مثل هذا الحيز الضيق فدعوني اوضح بإضحاكِكم. في اواخر التسعينات تبرعت اسرائيل بتشاطر تكنولوجيتها الزراعية مع مصر عملا بالحكم التوراتي القائل بتحويل السيوف الى محاريث. يا سلام! سوى ان الصحافة المصرية نشرت تقارير تحدثت عن توزيع بذور سامة وخِيار يسبب السرطان على الفلاحين المساكين. وتلقت هذه الشائعات دفعة من حملة مصرية المنشأ اتهمت الاسرائيليين بتسويق منتوجين من المنتوجات الشريرة: علكة تسبب تشجنات شهوانية عند النساء وفاكهة معدَّلة وراثيا تَستنزف الحيوانات المنوية عند ازواجهن (30). وهذا كله من بلد عربي يرتبط بمعاهدة صلح مع اسرائيل منذ عام 1979!
الاردن هو البلد العربي الوحيد بجانب مصر الذي عقد اتفاقية سلام مع اسرائيل. ولكن صُحفا اردنية عديدة بينها يوميتان حكوميتان على الأقل نسبت ما حدث في 11 سبتمبر ( ايلول ) الى "اليهود". اقرأوا ما ارتأت صحيفة اردنية اخرى من المناسب نشره مترجما من قبل معهد الأبحاث الاعلامية في الشرق الأوسط: "فكَّر يهود اوروبا في الانتقال الى الولايات المتحدة لبسط سيطرتهم المطلقة على رؤوس الأموال والمصارف والبورصة ووسائل الاعلام [ الأميركية ] وعملية صنع القرارات السياسية في مجلسي الكونغرس ، وهكذا كان. وتسلل اليهود الى صفوف الجيش الأميركي وخاصة السلاح الجوي ، وقاموا باعداد طياريهم لأخذ الطائرات عارفين ان بطاقات هوية المنتسبين الى الجيش الأميركي لا تشير الى الديانة. وعليه كانت الطائرات [ تحت سيطرة ] اليهود كما كانت الصحافة والراديو والتلفزيون والأرصدة المالية المودعة في المصارف والبورصة. وهكذا استحوذوا على عملية صنع القرار السياسي. لماذا يتجاهل بوش هذه الحقائق معلنا عن اجراء تحقيق للكشف عن المسؤولين وراء هذه الحوادث؟ انهم اليهود يا بوش!" (31)
أتعرفون ما يرعبني أكثر من حقيقة ان مصدر "هذه المؤامرات الكاسحة" هو بلد عربي مسلم "معتدل"؟ انها الحقيقة الماثلة في ان هذه المواقف تلاحق المسلمين الى الغرب. وإذا كنتُ بحاجة الى دليل آخر فقد حصلتُ عليه في رسالة عن مقالاتي بعد احداث 11 سبتمبر ( اليول ). بدأ صاحب الرسالة قائلا: "اني اعتبر نفسي مسلما ليبراليا" ثم شرع يمزقني اربا اربا لتدميري "كل ما عملتُ ( ما عمله صاحب الرسالة ) وما عمله مسلمون آخرون من اجل نشر رسالة الاسلام الحق". وماذا كانت "رسالة الحق" تلك "؟ سها صاحبنا عن القول مستغرقا في اماطة اللثام عن سيطرة الصهاينة على وسائل الاعلام الجماهيري مشيرا الى ان أعمدتي الصحافية "تدعم المنظمات اليهودية". وأكد لي هذا الليبرالي: "أنا لا اقول لكِ بأن تمارسي الرقابة الذاتية. ولكن عندما يقوم غير المسلمين والصهاينة باستغلال الآراء التي يبديها مسلم مثلكِ فان عليكِ أن تعيدي النظر" (32).
السيد عبد الحق اثبت انه على حق في أمر واحد. فالصهاينة حقا اولوا اهتماما كبيرا بنداءاتي المنشورة من اجل الاصلاح. وبوصفي صحافية ذات سمعة بفتح الأبواب على مصاريعها وُجِّهت لي دعوة لزيارة اسرائيل في صيف 2002. وإذ رحتُ أُفكرُ في العرض خطر لي شيء متميز على جانب من الأهمية. فالمسلمون يعاملون النساء معاملة فظيعة فظاعة معاملتنا اليهود ولكننا لا نحمِّل النساء مسؤولية تقرحاتنا الجيوسياسية وركودنا الفكري. فهل يمكن لذي عقل يفكر بصفاء أن ينظر الى اسرائيل على انها تحمل مفتاح المرور الى اصلاح الاسلام؟
لبَّيتُ الدعوة لزيارة اسرائيل بشرطين: أن يُسمح لي بطرح أي اسئلة أُريد طرحها ، وأن أُساعد في تحديد برنامج الزيارة. وهما الشرطان ذاتهما على وجه التحديد اللذان ذكرتُهما لمنظمات عربية ومسلمة لدى استفسارها عن امكانية القيام بمهمة مماثلة. ولم يصدر رد من هذه المنظمات. لكن مضيفي الصهيوني استجاب مؤكدا لي ان بامكاني أن أكون شريكة في الزيارة بل ينبغي أن اكون شريكة في الزيارة ، وسأكون شريكة في الزيارة. فسألتُ نفسي مرة اخرى ، أينبغي أن اذهب؟
تذكرتُ السيد خاكي ومشاهدي برنامج "تلفزيون شاذ" Queer Television الذين القوا المسؤولية عن مثلية بعض المسلمين على عاتق "الخنازير" و"الكلاب" اليهود. فكرتُ في الناشطة النسوية التي احتمت بـ"ما يحدث للمسلمين في فلسطين" ذريعة لالتزام الصمت حول طالبان. واستشطتُ غضبا على المسلم "الليبرالي" الذي حذَّرني كي اعيد النظر في دعوات الاصلاح لأن المنظمات اليهودية تراقب ما يجري.
وإذ كانت الدراما العربية / اليهودية المشحونة بالعواطف الملتهبة شاخصة على الدوام أمام انظارنا ، قررتُ أن أرى بنفسي ما إذا كانت اسرائيل تستحق غضب المسلمين غضبا يشل الحركة. وأني لأتحدث عن الغضب الذي نستغله لتبرئة انفسنا من المسؤولية عن وضعنا ـ حتى وضعنا في الغرب حيث ننعم بحرية مراجعة اعمالنا شأننا شأن سوانا. وإذا كنا نريد قلب ما في ذهن المسلم من لاتسامح فعلينا أن نفتح أبصارنا ونتساءل: هل ان اسرائيل حقا ذلك الوحش كما نصوُّرها؟
طلبتُ من الصهاينة ان يحجزوا لي تذكرة طائرة (33).
1 ـ إذا كنتم لا تريدون أن تصدَّقوا أصدقائي فإليكم ياسمين علي باي براون التي لها عمود ثابت في صحيفة ذي اندبندنت The Independent البريطانية حيث كتبتْ: "أن موسما كاملا من برامج الـ"بي بي سي" عن مسلمي بريطانيا تجنب بحرص بالغ أي قصص خطرة لأنهم شعروا بعد 11 سبتمبر ( ايلول ) ان من الهام اعطاء الجمهور نظرة ايجابية عن مسلمي بريطانيا".
انظر Muslims are wrong to blame the British Media,
The Independent, August 26, 2002
2 ـ انقر هنا للاطلاع على مثال
3 ـ "أعلمُ أن هذه كلمات مقاتلة. لكني أصر على تصويري لمسلمي الاتجاه السائد على أنهم "ضامرون فكريا" و"معوقون اخلاقيا". توقفوا عند هذا المقتطف من تقرير نُشر في عدد 10 فبراير ( شباط ) 2003 من جريدة طلاب جامعة تورنتو "ذي فارستي" The Varsity . يروي التقرير قصة مسلمة ويهودي يشاركان في "أُمسية تعارف". كلاهما مترددان لكن النتائج كانت مفاجأة سارة لهما. فالمسلمة ، على ما تروي هذه القصة ، "كانت تعرف ان طلابا آخرين اختاروا عدم الحضور". وتنقل الصحيفة عنها قولها ، "أن الناس قلقون من الوصمة التي ستُلصق باسمهم أو بملَّتهم إذا شاركوا في هذه الفعالية مع ملل معينة ليست مقبولة في الجماعة التي تشكل الاتجاه السائد". لماذا يجب ان تُلصَق وصمة بحضور فعالية كهذه؟ لماذا يكون مجرد الحوار مع يهود مرفوضا عند اسلام الاتجاه السائد ما لم يكن هذا الاتجاه السائد هزيلا فكريا أو أخلاقيا ـ أو الأثنين معا؟
4 ـ Maria Rosa Menocal, The Ornament of the World: How Muslims, Jews and Christians Created a Culture of Tolerance in Medieval Spain (Boston: Little, Brown, 2002 )
5 ـ أنظر ، من بين مصادر اخرى
George Rafael, A is for Arabs, www.salon.com, January 8, 2002.
كلمة Ole! الاسبانية أصلها كلمة "الله" العربية
Murad Wilfried Hoffman, Religion on the Rise: Islam in the Third Millennium (Beltsville, Maryland: Amana, 2001 ), p.3.
6 ـ كان اسمها الكامل ولاّدة بنت المستكفي. انظر ، طارق علي
Tariq Ali, The Clash of Fundamentalisms: Crusades, Jihads and Modernity ( London, New York: Verso, 2002 ), p. 56.
7 ـ Mahmoud Ayoub, The Islamic Tradition, Willard G. Oxtoby, ed., World religions: Western Traditions (Don Mills, Ontario: Oxford University Press, 2002 ) p. 395.
8 ـ انظر من بين مصادر اخرى ، طارق علي
Tariq Ali, The Clash of Fundamentalisms, p. 34.
9 ـ George Rafael, A is for Arabs, www.salon.com
January 8, 2002.
10 ـ Khalid Duran, Children of Abraham: An Introduction to Islam for Jews (Hoboken, New jersey: Ktav Publishing House/American Jewish Committee, 2001 ), p. 100.
11 ـ Khalid Duran خالد دوران ، المصدر السابق ، ص 105.
12 ـ خالد دوران مستشهدا بإبن ميمون ، المصدر السابق ، ص 103.
13 ـ هذه المشاعر تظهر في اكثر من مصدر لإبن رشد وعلى طول الخط. انظر مثلا مقالته الفاصلة حول العلاقة بين القانون والعلم
Decisive Treatise on the Connection between Law and Wisdom, translation and notes by Charles E. Butterworth ( Provo, Utah: Brigham Young University Press, 2001 )
انظر ايضا كتاب ابن رشد الشهير "تهافت التهافت".
14 ـ ابن رشد كما يستشهد به طارق علي Tariq Ali في كتابه
The Clash of Fundamentalisms, p. 66.
15 ـ الوريث الذي اتحدث عنه هو ابن أخيه ، الواثق. ويفيد ابن وراق
Ibn Warraq "ان الواثق حاول شخصيا أن يضرب عنق عالم ديني رفض اتباع المذهب الرسمي. ولم يفلح الخليفة في ذلك واضطر في نهاية المطاف الى الاستعانة بجلاد محترف لإنجاز المهمة". انظر
Ibn Warraq, Why I Am Not a Muslim ( Amherst, New York: Prometheus Books, 1995 ), p. 248.
16 ـ انظر محمود ايوب Mahmoud Ayoud, The Islamic Tradition,World religions: Western Traditions, p. 398.
17 ـ انظر محمود ايوب ، المصدر السابق ، ص 392.
18 ـ انظر ضياء الدين سردار
Ziauddin Sardar, Islam: reistance and Reform, The Internationalist, May 2002.
من الموقع www.newint.org على الانترنت.
19 ـ انظر Alexander Stille, Radical New Views of Islam and the Origins of the Koran, New York Times, May 2, 2002
صحيفة نيويورك تايمز ، 2 مارس ( آذار ) ، 2002. أكد وقوع هذا الحادث صحافيان وداعية لحقوق الانسان في الضفة الغربية.
البروفيسور المقصود هو سليمان بشير. انظر مراجعة كتابه
Arabs and Others in Early Islam, in the International Journal of Middle East Studies, Vol. XXXII, No. 2, May 2000, pp. 277-79.
20 ـ www.qoqaz.com في آخر زيارة للموقع كانت الصفحة الداخلية تعرض شريط فيديو عن تفجير اشخاص وأماكن.
21 ـ انظر بات يئور Bat Ye or, Islam and Dhimmitude: Where Civilizations Collide ( Madison, New jersey: Farleigh Dicknson University Press, 2002 )
22 ـ بات يئور ، المصدر السابق ، ص 37.
23 ـ هذه النقاط مستقاة من عبد العزيز ساكدينا
Abdulaziz Sachedina, The Islamic Roots of democratic Pluralism (Oxford, New York: Oxford University Press, 2001 ), p. 67.
24 ـ انظر عبد العزيز ساكدينا، المصدر السابق ، ص 65.
ساكدينا ليس العالم المسلم الوحيد الذي يقر بطرح يئور القائل ان ايديولوجيا ذمية كانت موجودة في الاسلام. ففي كتابه "ابناء ابراهيم" Children of Abraham يكتب خالد دوران: "في البداية كان الفتح الاسلامي خلاصا للكثير من الشعوب المظلومة في حوض البحر المتوسط وما ورائه. ولكن في القرون اللاحقة أخذت الحكومات المسلمة تضاهي عسف اولئك الذين أزاحتهم. وتحول بعض الحكام المسلمين عندما بدأ الضعف يعتري سلطتهم السياسية الى حكام طغاة في معاملتهم للأقليات" ( ص 106 ), ولكن لاحظوا استخدامه كلمة "بعض". فان دوران لا يقر بالنزعة الذمية كممارسة شائعة في الاسلام ويقول "ان التسامح كان هو الموقف من اهل الذمة في أغلب الأحيان..." ( ص 109 ). وأنا الآن لست متأكدة من ذلك حتى أكثر من ذي قبل.
25 ـ انظر روفن فايرستون
Reuven Firestone, Children of Abraham: An Introduction to Judaism for Muslims ( Hoboken, New Jersy: Ktav Publishing House/American Jewish Committee, 2001), p. 56.
26 ـ روفن فايرستون ، المصدر السابق ، ص 57.
27 ـ انظر مارك كوهين
Mark Cohen, Under Crescent and Cross: The Jews in the Middle Ages (princton: Princton University Press, 1994), p. 126.
يقول كوهين في مكان سابق من كتابه ان "ثمة اتجاها بين الكتاب العرب والمستعربين" ينحو الى "التفاني الذليل لبديهية التسامح الاسلامي...وللخرافة القائلة بوجود طوباوية بين الأديان. وقد عمل هذا التصوير للعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في التاريخ على تبرير اتجاه آخر: نزعة خبيثة من اللاسامية الاوروبية التقليدية ، بزي عربي" ( ص 8 ).
28 ـ يطرح الفضل هذه النقطة في عدة مقابلات صحافية. انظر الموقع الذي يتولى أرشفة عمله على الانترنت www.scholarofthehouse.org
29 ـ انظر News from Egypt: Tried and Found Guilty of Deriding Islam
على الموقع www.secularislam.org
في هذا الحيز ينقل معهد الأبحاث الاعلامية في الشرق الأوسط عن تقرير للصحافية المصرية فاطمة فرج في "الاهرام" الاسبوعي ، 3 ـ 9 اغسطس ( آب ) ، 2002. وتقول فرج في تقريرها ان "انور مغيث الذي يعمل باحثا في الفكر المصري الحديث وصف كيف كانت هناك 50 صحيفة يومية في عام 1889 ارتفع عددها الى 84 يومية في عام 1909 و 200 اسبوعية كان العديد منها تناقش بانفتاح افكار المفكرين" بمن فيهم مفكرون "ينتقدون الدين بصراحة".
30 ـ انظر برنارد لويس
Bernard Lewis, Muslim and Anti-Semitism, The Middle East Forum, June 1998, p. 3 of online version
انظر ص 3 من النسخة المنشورة على الانترنت www.meforum.org
لمثل هذه الخرفات جاذبيتها في فلسطين ايضا. إذ يكتب الصحافي العربي خالد ابو طعمة ان اسرائيل إتُّهمت في الأشهر التي سبقت الانتفاضة الأخيرة بتوزيع مخدرات على الفلسطينيين والفلسطينييات لإفسادهم...كما يُعتقد ان الاسرائيليين كانوا وراء علكة مثيرة جنسيا عُثر عليها في متاجر فلسطينية. أما الهدف المفتَرَض فهو تحويل النساء الفلسطينيات الى عاهرات. وعندما تصاعدت حدة التوتر اتهم مسؤولون في السلطة الفلسطينية هذه المرة اسرائيل بترويج احزمة مشعة تسبب السرطان". انظر خالد ابو طعمة
How the war began, Jerusalem Post, September 19, 2002
جيروسليم بوست ، 19 سبتمبر ( ايلول ) ، 2002.
31 ـ صحيفة "السبيل" الاردنية كما نقل عنها معهد الأبحاث الاعلامية في الشرق الأوسط MEMRI في
A NewAnti-Semitic Myth in Middle East Studies: The September 11 Attacks Were Perpetrated by the Jews, Washington, D.C., 2002, p. 3.
يقوم المعهد بتوفير النصوص العربية لكل مصادره. للاطلاع على هذا التقرير انظر www.memri.org
32 ـ مراسَلَة بالبريد الالكتروني ، 19 مايو ( ايار )، 2002.
33 ـ في الأشهر التي اعقبت زيارتي لاسرائيل اتصلتُ بمنظمات عربية وفلسطينية ومسلمة مختلفة بشأن انتدابي في مهمة صحافية الى الشرق الأوسط ليتسنى لي الوقوف على الأوضاع وتقديرها من منظور غير صهيوني. ولكن لم يرد أي منها على طلبي.
الفصل الرابع
بوابات وزنانير
سألتُ بول ، احد موظفي المنظمة التي قامت برعاية زيارتي لاسرائيل ، "الى أي حد سيكون من الصعب زيارة المناطق؟" وكنتُ أُشير ، بالطبع ، الى "الأراضي المحتلة" ـ الضفة الغربية وقطاع غزة.
همهم الموظف ،"اووه ، صعبة".
كانت تلك فترةً تفاقم فيها النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني الى مستويات تبعث على الأسى. فقد انهارت عملية السلام بالكامل ، واندلعت انتفاضة جديدة. وكانت التفجيرات الانتحارية التي ينفذها فلسطينيون في تصاعد واسرائيل ترد بما اعتَبره أشد خصومها أدبا "اعادة احتلال" ـ مستوطنات يهودية غير مشروعة ، مروحيات هجومية ، نقاط تفتيش ، حظر تجول وتهديم مقر ياسر عرفات في رام الله. لم تكن اسرائيل بحاجة الى عبء اضافي يضعه حماية أجانب على كاهلها ولكنها كانت أيضا لا تريد أن تبدو وكأنها تمنع الصحافيين من تسجيل الوجه الآخر للقضية. ومن دون أي دفع من جانبي أدرَج بول لقاءات مع فنانين ومثقفين عرب في برنامج الزيارة. وجميعهم ، كما اكتشفتُ ، لم يتورعوا عن انتقاد السياسات الاسرائيلية. مع ذلك كان يجب ان أزور المناطق الفلسطينية ، وكان هذا ايضا شعور الصحافيين الأربعة الذين سأُرافقهم في الزيارة.
قال بول ، "لنر ما يمكن أن نفعله".
عندما وصلتُ الى مطار تورنتو للسفر الى تل ابيب لم نكن قد تلقينا موافقة على الزيارة. ولكننا بالمقابل لم نتسلم رفضا.
قام المسؤول العامل في شركة الخطوط الجوية الحكومية الاسرائيلية "العال" باستجواب الجميع. تقدمتُ لإلقاء التحية عليه. بدأ بالسؤال ، "مكان الولادة؟"
"اوغندا" ، أجبتُ ملوُّحة ببطاقة الجنسية التي أُلصقت عليها صورة لاجئة في هيئة عفريت كنتُ أحسبُ انها صورة لا تُقاوَم.
"أوغندا؟ أنا من الهند بالمناسبة".
أجبتُ مداعبةً ، "يهودي جنوب آسيوي؟" "كيف حدث ذلك؟" كشَفَ تاريخ العائلة قبل أن يعود الى سحنته الجدية. ما هي المدارس التي تعلمتُ فيها؟ هل تخرجتُ منها كلها؟ هل نفَّذتُ "خططا" لأقارب ، مثل تسليم رزم أو نقل عم معوَّق من بلد الى آخر؟ بعد الاستنطاق صار يتدفق حيوية وقال: "اني اعرفكِ من التلفزيون. برنامج عظيم". وكان يعني برنامج "تلفزيون شاذ"
Queer Television . فأشرتُ الى صاحبتي ميشيل التي كانت تقف على بعد أمتار وعلى وجهها امارات القلق من حرارة حديثنا. ابتسم لها وتمنى لي رحلة سعيدة.
ثم التقطتْ ميشيل صورة لي أمام يافطة تصور صالون الملك داوود ( أسم وجدته مبتذلا بشكل لذيذ ) (1). توادعنا والأعصاب تختلط بالابتسامات. كانت الابتسامات تهمس ، "قُضي الأمر!" فيما كانت الأعصاب تهمس ،"أمن الجائز أن تكون هذه هي....النهاية" ميشيل لم تكن عصابية بحيث تتساءل: بعد أقل من 24 ساعة اقتحم مهاجر مصري مكتب شركة "العال" في لوس انجيليس وقتل شخصين رميا بالرصاص. ورحلات تورنتو المتوجهة الى تل أبيب تنطلق من لوس انجيليس. ولو انتظرتُ يوما آخر للسفر لكان من المرجح أن لا أصل الى اسرائيل في أي وقت قريب ـ ميشيل ما كانت لتسمح لي بالذهاب ، وأنا ما كنتُ للألومها على ذلك.
فيما كنتُ مستغرقةً بتحليل الثراء المتجسد في لقاء مسلمة من شرق افريقيا ويهودي من جنوب آسيا ، لفتني مؤشر آخر الى ما تتسم به اسرائيل من تعقيد. فان شريط الفيديو الذي يعرض اجراءات السلامة خلال الرحلة ، وإن كان ناطقا بالعبرية فهو مذيل بترجمة عربية. إذ أن العربية لغة رسمية في اسرائيل. مَنْ كان يعرف؟
هبطتُ بلا مشاكل. كان من المزمع تقسيم الزيارة المخصص لها ستة ايام على مرحلتين رئيسيتين: قضاء اليومين الأولين في مركز اسرائيل التجاري ، تل أبيب ، والقسم الثاني في العاصمة الروحية ، القدس. وسنتوقف ايضا في مدن أصغر غالبية سكانها من عرب اسرائيل ، وفي الطريق ، كما ظل يراودني الأمل ، اقتطاع بعض الوقت لزيارة المناطق الفلسطينية. أعلم أن هذا برنامج مزدحم بالنشاط ولكني فهمتُ في أول يوم كامل امضيته في تل أبيب أن زحمة العمل عند الاسرائيليين هي كالهواء الذي يتنفسونه.
ترتدي زحمة العمل بإيقاعها المتسارع شكل انسيابية ثقافية. فعلى الغداء حدَّثني صحافي اسرائيلي عن انتاج جديد لمسرحية "سيدتي الجميلة" باللغة العبرية ، فيما تقوم فنانة عربية بدور البطولة. وأضاف ، "في الثمانينات كانت هناك محاولة لتأسيس مسرح وطني فلسطيني. كانت كل الأعمال المسرحية باللغة العربية ودعا المنظمون بنشاط نقادا مسرحيين اسرائيليين للحضور. في الواقع أن المسرح كسب جمهورا متحمسا بين اليهود الليبراليين ولكنه في الحقيقة لم يلق استجابة بين الفلسطينيين" (2). تعثَّر المسرح بعد طلاق مؤسسيه اللذين كانا زوجين. ولكن الانتفاضة هي التي اجهضت عمليات التبادل بين العرب واليهود في متحف الفن في تل ابيب الذي كنا بصدد زيارته.
شيء من الخلفية اولا. فُتح المتحف في ثلاثينات القرن العشرين قبل استقلال اسرائيل بفترة طويلة وفي وقت كان بالامكان رؤية الجِمال تسير في الشوارع. وبعد اقناع رئيس بلدية تل ابيب ان البلدة ستصبح مدينة وان كل مدينة عظيمة يجب ان تصطف مع الفنانين ، كتب الى مقتنين في أنحاء العالم طالبا ما يمكن اعارته. وعمد يهود المان كانوا يواجهون مستقبلا يلفه الغموض ، الى ارسال كنوزهم الفنية اليه. وبهذه الطريقة أُنقذت منحوتات ولوحات رائعة من المصادرة أو التدمير الغاشم. والآتي في هذه القصة أحسن. فإن الفن الذي كان متداولا بين اليهود أصبح متاحا ليتمتع به اليهود والعرب. وعلى امتداد شطر كبير من عقد التسعينات كان مدير غاليري للفنون في القدس الشرقية الفلسطينية ، يعرض أعمالا من مجموعة تل أبيب الفنية ، وبالمقابل يُعير ما في المتحف من أعمال ابدعها فنانون عرب من أبناء جلدته. وفي ذروة عملية السلام أقامت فنانة مصرية معرضا في تل ابيب وتولى المتحف ترتيب عملية نقل البعض من أعمالها الى المناطق الفلسطينية.
هذا كله لم يعد موجودا. وقالت مديرة متحف تل ابيب عن نظيرها من القدس الشرقية ، "نود بكل جوارحنا أن نواصل العمل معه". ومنذ اندلاع الانتفاضة حاولتْ الاتصال به دون أن تنجح في محاولاتها. وقالت ، "انه على الارجح خائف [ من السلطة الفلسطينية ] بحيث لا يريد الاتصال بنا الآن" (3). على الأرجح؟ لماذا تفترض المديرة هذا الافتراض؟ ألححتُ قليلا ، ولكن بلا جدوى. طريقتها في الكلام بصوت هادئ جعل المضي في الإلحاح يبدو فظاظة.
فيما كنتُ اغادر المبنى لفتني تناقض بصري. فان المبنى الحجري الممتد فسيحا على ارتفاع واطئ لمتحف الفن في تل ابيب يقع عبر الشارع مباشرة من المقر الشاهق ، الأشبه بالبناء الفضائي لقوات الدفاع الاسرائيلية. وهذا التجاور بين الإبداع والمؤسسة التراتبية العسكرية قد يكون مصادفة ولكن بالامكان العثور عليه أينما توجه المرء في اسرائيل ـ موطن احزاب سياسية يهودية متطرفة و موطن المهرجان السنوي الوحيد للمثليين في الشرق الأوسط في الوقت نفسه. هذه النقطة وُضعت امامي خلال أحاديثي الأولى مع اسرائيلي ، هو الصحافي نفسه الذي حدَّثني عن المسرح الوطني الفلسطيني ورواده اليهود. ومضى يثير أكثر المسائل وجودية وحساسية: هل ينبغي ان تبقى اسرائيل "دولة يهودية" أم تتطور الى دولة علمانية محضة حيث يكون الدين طارئا؟ وأي دور ينبغي ان تقوم به الهولوكوست ( المحرقة ) ، لا في تاريخ اسرائيل الرسمي فحسب وانما في هويتها الراهنة كملاذ؟ فكرتُ أن عين الصواب أن يطرح اسرائيلي مثل هذه الاسئلة على نفسه بكل صراحة ، ناهيكم عن طرحها على غريب مثلي.
طيلة اقامتي كانت وسائل الاعلام الاسرائيلية في الحقيقة تناقش مثل هذه المسائل نقاشا حاميا. ولم يكن في اعتقادي أن بالامكان التعرض الى الدين في دولة يهودية. وقد كنتُ مخطئة. إذ قرأتُ عن عضو في الكنيست ( البرلمان الاسرائيلي ) أشار الى أن البلد ليس بحاجة الى مزيد من المهاجرين المتدينين من أميركا الشمالية. وقامت احدى الصحف بتضخيم تصريحاته الى زوبعة صغيرة. وزعم النائب لاحقا ان ما عناه هو المهاجرون "المتطرفون في تدينهم" (4). على أية حال. فان القوانين الاسرائيلية تكفل حرية التعبير ، ولهذا مغزاه.
استمتعتُ على الأخص بقراءة افتتاحيات الصحف التي كان اختيارها لمواضيع تعليقاتها يشير الى وجود صحافة حرة للغاية. خذوا صحيفة هآرتس ، التي هي بمثابة نيويورك تايمز الاسرائيلية. فهي وجهت انتقادات لاذعة الى مشروع تقدمت به الحكومة لتخصيص اراضٍ تملكها الدولة من اجل بناء مدن يهودية حصرا. أتعرفون كيف وصفت هآرتس مشروع هذا القانون؟ وصفته بالمشروع "العنصري" (5)، ونشرت الصحيفة هذا النعت في العنوان البارز: "مشروع قانون عنصري". بلا تلطيف ، وبلا تحفظ ، وبلا اعتذار. وصُرِف النظر عن مشروع القانون بسبب ما تعرض اليه من انتقادات حادة في اسرائيل.
لا بد من اطلاعكم على مسألة اخرى كانت موضع جدل تناقلته الصحف خلال زيارتي. وهي كانت تتعلق بإنصاف الشبكات الإخبارية الأجنبية في تغطيتها للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي. وقد هدد وزير الاتصالات الاسرائيلي بمنع شبكة "سي ان ان" من البث على الموجات الهوائية الوطنية والاستعاضة عنها بمحطة "فوكس". وكان رد هآرتس: "إذا فعلتَ ذلك فإنك لن تكون أفضل من عرفات" الذي صفَقَ الهاتف ذات مرة على مراسلة "سي ان ان" ، كريستيان امانبور. وفي دفاع عنيد عن المبادئ ضد الدعاية أكدت أوسع الصحف الاسرائيلية نفوذا ، "أن من حق الاسرائيليين أن يعلموا ان شبكة "سي ان ان" والـ"بي بي سي" ليسا انعكاسا مرآتيا لوجهة النظر الاسرائيلية الرسمية..." (6)
وإذ كنتُ لم أزل مترنحة بتأثير ما شاهدته حتى الآن قلبتُ الصفحة ـ وإذا بي أجد مزيدا من النقد الذاتي. فقد تساءلت الكاتبة ، "هل اولى التاريخ اليهودي ما يكفي من الاهتمام بما انجزته قياداته النسوية. الأرجح لا...." (7) ومضت الى سرد حكاية مصرفية اسرائيلية تُدعى دونا غراسيا ناسي التي انقذت الوفا من محاكم التفتيش الاسبانية بتحويل موهبتها المالية الى سطوة سياسية. بعد أيام على نشر هذه المقالة أشادت اسرائيل بنموذج نسوي آخر يُقتدى. ولأول مرة قرر الجيش تعيين امرأة ناطقا رسميا بإسمه (8). وأذكُر أني فكرتُ أنه رغم كل تنقيبات اسرائيل لتأكيد هويتها الأثنية ( وربما بسببها ) فان هذا على ما يبدو مجتمع يتقدم ، حتى وهو يصطرع مع الحقائق المتعلقة بإصوله.
رأيتُ وأنا ادخل القدس في النصف الثاني من زيارتي ، مشهدا التقطتُه من نافذة السيارة. فان شابة في زي عسكري كامل كانت تسير أمام دزينة من الجنود الذكور (9). أين كانت تقود جنودها؟ إلتفتُّ الى مرشدي متساءلة فقال انهم متجهون الى المدينة القديمة ـ الحي الديني من القدس ـ "حيث سيمضون ثلاثة أيام أو نحو ذلك في التثقف بالاديان الممثَّلة هنا على اختلافها" (10).
"هل تعني ان التربية الدينية جزء من الواجب العسكري"؟
"بكل تأكيد ، فالجيش يوفر الوقت ، مرة كل بضعة اشهر ، لتثقيف الجنود المتمركزين في القدس بتقاليد من خارج خبرتهم اليومية". وأنا قد عرفتُ قيمة هذا البرنامج على الصعيد الشخصي في عصر اليوم التالي.
كان من المقرر ان أذهب الى قبة الصخرة (11). ويمكن التعرف على ثالث أقداس الاسلام فورا من سطحه الذهبي الذي لا ريب في أن بريقه الأخَّاذ يشجع الشمس على الشروق والغروب كل يوم. وطبقا للتقليد الاسلامي فان هذا المسجد يضم صخرة خاصة ـ الصخرة التي تسلقها النبي محمد خلال "ليلة الإسراء". فعند الصخرة وجد محمد سُلَّما حلزونيا حمله الى السماء حيث تخالط وصلى مع انبياء سابقين. ولكن إذا كان هذا هو كل ما يحويه تاريخ هذا الموقع فقد كان بوسعي الدخول دون قلق وربما حتى حاسرة الرأس. غير أن الأمر ، للأسف ، لم يكن بهذا السهولة.
تنتصب قبة الصخرة على منصة جبل المعبد الذي يزعم التقليد اليهودي والكثير من الآثاريين انه كان موقع المعبد المركزي في مملكة داود القديمة. كما انها الرقعة التي اندلعت فيها اضطرابات في سبتمبر ( ايلول ) عام 2000 مفجرة الانتفاضة الثانية. فقبل أيام من اندلاع الانتفاضة سار ارييل شارون على قدميه الى جبل المعبد. وبعد فشل عملية السلام التي شهدت تقدم اسرائيل بمقترح تقسيم القدس كان شارون يحاول ، على ما يُفترَض ، ان يبين ان باحة جبل المعبد مفتوحة للمصلين اليهود. على مَنْ كان يضحك؟ فان شارون بوصفه صديقا لليهود المحافظين حَسَبَ أن مثل هذه الزيارة ستعزز حملته غير الرسمية حتى ذلك الوقت للفوز برئاسة الحكومة. كانت تلك مناورة سياسية خبيثة. وبمناسبة الحديث عن خبث السياسة فان رئيس جهاز امن عرفات في الضفة الغربية كان قد اصدر موافقته المسبقة على زيارة شارون. وكشف وزير في السلطة الفلسطينية لاحقا ان عرفات كان يخطط للانتفاضة منذ أشهر (12). وكان بحاجة الى استفزاز ، وهكذا على وجه التحديد بدت زيارة شارون لجبل المعبد ، في نظر الفسطينيين ـ استفزازا. اندلعت الانتفاضة وأُحكِم غلق الأبواب الحديد لمسجد الصخرة والمسجد الأقصى المجاور على السواء بوجه الجميع ما عدا مسلمي المدينة. ومنذ ذلك الحين أُفرغ هذا الجزء من القدس القديمة ـ الذي كان في السابق محط انظار اليهود والمسيحيين وغير المنتمين الى دين منظَّم ـ من شحنته العالمية.
أقف عند البوابة بفستان غامق اللون يصل الى الكاحل وبلوزة مُقفَلة ، طويلة الأكمام. أُريد تهدئة الوخز الذي تقترفه قبعتي الشوكية بفروة رأسي ولكن الحجاب الذي يغطي رأسي يخفف من وطأتها. وكانت وزارة الخارجية الاسرائيلية أبلغت "الوقف" بقدومي لكونه الجهة المسؤولة عن الموقع. وكانت الرسالة: لا تنغِّصوا عليها الزيارة يا سادة يا كرام فهي واحدة منكم.
ليس تماما واحدة منهم.
يتفحصني موظف مربوع في "الوقف" بنظراته من قمة رأسي الى اخمص قدميّ وينكر انه تلقى أي إشعار من الوزارة. مرشدي يؤكد له نقل الإشعار. رجل "الوقف" يدمدم في جهازه اللاسلكي وفي غضون دقائق قليلة يطل أخ آخر قوي البنية. لم أدرك في حينه ، ولكن التأخير لا يمت بصلة الى وصول الإشعار الرسمي أو عدمه. فان اسمي إرشاد يُطلق على الجنسين ، وهو أكثر شيوعا بين الذكور منه بين الاناث. وعندما قامت وزارة الخارجية بإبلاغ "الوقف" عني إفترض الشباب ، دون ريب ، انهم سوف يستقبلون رجلا.
ولما لم يكن معي مرافق مسلم ، ما العمل الآن؟ ينتهي الأخذ والرد عندما يوافق ضابط من شرطة القدس على مرافقتي عبر البوابة. ولكن قبل أن اطأ الأرض القدس يجب تطبيق اجراء آخر. يأتي موظف من "الوقف" راكضا وبيده زنار يقول لي أن اتحزم به. ولأني ما زلت محافظة على هدوء اعصابي أبدأ بالتلوي محاولة دس الزنار ليلامس جلدي. "لا ، لا ، لا!". أنظرُ الى أعلى فأرى اصبعا غليظا يهتز بعنف. انه يريد الزنار فوق فستاني وليس تحته.
ربنا في الأعالي ، أهذه "عهدة عمر" تضرب من جديد! فان ارتداء الزنانير فوق الملابس شرط كان على أهل الذمة كافة أن يلتزموا به. وأنا بوصفي مسلمة غربية ، أقرب الى الأقلية الدينية في حكم "الوقف". والمصيبة أني قد أكون يهودية مدسوسة ولكن الأرجح أني مجرد انسان متخلف.
ألزِمُ لساني وأشدُ حجابي استعدادا للخضات القادمة واسحبُ نفسا عميقا وأهز جسمي ذات اليمين وذات اليسار لعلي أفلح في تمرير الزنار الى ما فوق وركي. يبقى الأمل يراودني ولكن صبري يعيل بعد حين. ومن خلال مرافقي أقول للأخ الذي يبدو انه من المعجبين بمدرسة الأزياء الفاشية أن الزنار لن يثبت على ملبسي. يقطبُ عابسا فأُريدُ أن أرد عليه مزمجرة ، "تكفل أنت بالأمر يا هذا!".
يكتفي رجل الوقف بوضع الزنار تحت ملابسي (13). الفتيان المسلمون الظرفاء يتطلعون عليّ بلا حياء وأنا أتمعج بتطير من ارتداء هذا الشيء. أحمدُ الله أني قررتُ أن ارتدي شيئا آخر تحت فستاني ذلك الصباح ـ سروال قصير من النوع الذي يرتديه سائقو الدراجات الهوائية.
وإذ خلَّفنا هذا الإحراج وراءنا سرنا أنا ومرافقي مخترقين البوابات. كنا نسير بخطى متعثرة لأن الزنار كان يعيق مشيتي. وفيما كان ضابط الشرطة يرافقني حول المنصة القائمة في العراء ، التي هي جبل المعبد ، كان يُطَعِّم جولتنا غير الرسمية بنتف من التاريخ الاسلامي. كان ضابط الشرطة جنديا وهو يتذكر الكثير مما تعلمه خلال الفترة التربوية الالزامية التي أمضاها في المدينة القديمة. أما أسئلتي المحدَّدة فقد كان عليّ أن اوجهها الى "الوقف". هل تستطيع ان تقول "هيهات" بالعربية؟ فان رجل "الوقف" رفض حتى التقاط صورة تذكارية معي للأهل ناهيكم عن تبادل أطراف الحديث بيني وبينه. يا للغرابة في أن يتطلب الأمر يهوديا لاستقبالي هنا. أو قد يكون ذلك هو الشيء المناسب تماما في ضوء ما نشترك به من لاهوت وتاريخ يمتد قرونا مع جبل المعبد.
مرافقي ضابط الشرطة قادني الى أبواب المسجد الأقصى. وفيما كنتُ أخلع نعليّ ثم أهم بتعديل الحجاب استعدادا للدخول يندفع شيخ من الحائط الذي كان يتكئ عليه ويسد طريقي. نُحاول أنا ومرافقي أن نؤكد له أني مُزكاة ولكنه اما لا يفهمنا أو لا يصدِّقنا. نطلب استدعاء مسؤولي "الوقف". لعله الجانب البوذي من شخصيتي ، ولكني لم اتوقع منهم أن يفعلوا شيئا ، ونتيجة لذلك لم أشعر بخيبة أمل. رفض رجال "الوقف" أن يؤكدوا للشيخ انهم فتحوا البوابات امامي. أعقبَ ذلك سكون مديد لا معنى له وقفنا خلاله جميعا مجسدِّين ما ينخر في جسم امتنا الاسلامية من انقسام.
ثم يرميني جدُّنا العجوز وهو ينظر اليّ شَزَرا ، بالمقطع الاستهلالي من سورة الفاتحة: "بإسم الله الرحمن الرحيم!" ثمة شيء في صرفه النحوي. أهو يمتحنني لتلاوة العبارة التالية؟
أقذفه بالعبارة التالية مرددة "الحمد لله رب العالمين!"
فيردفني ، "الرحمن الرحيم!"
سنوات من التعليم في المدرسة الدينية انتهت الى هذا ، مطاردة في سورة الفاتحة مع عجوز خرف على جبل المبعد في القدس. أردُ ، "مالك يوم الدين". وبعد جولتين أُخريين يغدو واضحا أن لديّ ما يكفي لإثبات هويتي الاسلامية بحيث سيكون حساب هذا العجوز عسيرا مع الله لإعتراضه طريق مسلمة كانت تمارس حقها في الصلاة.
يرشدني الى داخل المسجد على مضض ـ بشرط أخير. يقول أن عليّ ونحن داخل المسجد ، أن اترك كاميرتي لأن تصوير أي مخلوق له روح هو ترويج للوثنية. لحظة ياجماعة. أو ليس المسلمون ، في عصر الاسلام الذهبي ، مَنْ كانوا رواد التصوير بالأجهزة البصرية؟ ألم يكن لاختراعاتهم تأثير في تطوير التصوير الفوتوغرافي إبان القرن التاسع عشر؟ أُنحِّي الفكرة جانبا ، فالعقل يُملي أن أصون لساني وأضع كاميرتي في يد مرافقي.
العالم الذي في داخل المسجد الأقصى يختلف اختلافا ملحوظا عن الكون المتَقرِّن الذي يعيش فيه ذلك الشيخ العجوز. فالحَرَم للجنسين معا وليس هناك جدار أصم يفصل الرجال عن النساء. الحظُ أن امرأة واحدة تجلس على السجادة المحاكة بإناقة وأنها تُبقي مسافة بينها وبين الرجال المتناثرين داخل الحرم. ولكنها على الأقل موجودة هناك ، بينهم. بعض الرجال يبدون في سَكِينة فيما البعض الآخر يجثمون عند مداخل مصممة تصميما رائعا أو يتمددون على الأرض وقد استنزفت حرارة الظهيرة قواهم. لهذا السبب ، من بين أسباب اخرى ، لا أشعر أن احدا يراقبني في جولتي.
تصويب: لا أشعر أن مَنْ نصَّب نفسه بنفسه سلطةً يراقبني. ولكني موضع استطلاع. ففي الركن البعيد يتضاحك جمع من الصبيان على هذه المرأة التي تدعك الأعمدة البديعة وتدير رأسها متلفتةً هنا وهناك. معلِّم الصبيان يُسكتهم برفق. أُشير الى المعلم بحذر غير واثقة إن كنتُ أبحث عن المتاعب. يبتسم ويحييني بالعربية متحولا الى الانجليزية عندما يدرك أنها اللغة التي أتكلمها.
"من أين أنتِ؟"
"من تورنتو".
"آه ، أنتِ هي إذاً. نعم ، نحن بانتظارك". ( وعليه فان وزارة الخارجية الاسرائيلية تكون حقا أبلغت "الوقف" بمجيئي! ومن هنا المعلومة عن وجود اجندة سياسية وراء المماطلات التي واجهتُها عند البوابات. )
"جيد ، أنا مسرورة لأني لم أُفاجئ احدا". أغتنمُ حرارة الود الواضح بيننا.
"هل تسمح لي بالتقاط صورة لك ولتلاميذك يا سيدي؟ سيعني ذلك الكثير عندي".
يُجيب ، "لا ضير في ذلك".
آها! ليس الكل يتفقون مع شيخنا على ان تصوير المخلوقات فوتوغرافيا هو بمثابة عبادتها. وإذا امتنع استاذ في تدريس القرآن ، على الأخص ، عن اختزال النص المقدس الى مثل هذه الترهات المبَلِّدة فلعل هناك تأويلات متعددة حتى في هذا المعقل من معاقل العمل الفلسطيني.
حاليا ، عندي صورة صف مدرسي كامل عليّ أن التقطها (14). وإذ كنتُ لم أزل مزنَّرة ، أُغادرُ المسجد بخطى متعثرة والفتُ انتباه مرافقي خلسة ثم استرجع الكاميرا وأُنفِّذ فعلتي القذرة. وفيما أنا أُعبِّر عن شكري للمعلم وتلاميذه شيء يلفت نظري: احد التلاميذ في درس القرآن يرتدي قميصا طُبعت عليه كتابة بالعبرية. ولو صادفني ذلك في أي مكان آخر لما ألقيتُ نظرة ثانية. أما في الموقع الذي اندلعت منه الانتفاضة فصدقوني عندما أقول أني أمعنتُ النظر مرتين.
محطتي التالية قبة الصخرة حيث وجدتُ غالبية النساء والأطفال يُكملون صلاتهم. كما وجدتُ أن داخل الجامع يفتقد الى اللون المنعش للمسجد الأقصى. لعل بالامكان عزو العتمة الطاغية الى الأضواء المسلطة على القبة في وسط الجامع ، فيبدو كل شيء ما عداها مظلما بالمقارنة. أقتربُ من نقطة الجذب الرئيسية. فان سطح الصخرة المسوَّر بسياج خشبي مرتفع ، بالكاد يستطيع المرء أن يراه إذا كان قصير القامة. لذا ابحث عن شيء آخر مثير للاهتمام ، ويتضح ان هذا الشيء هو صراحة امرأة في الجامع.
كانت المرأة مديرة مدرسة تعيش في نيو جرسي ، وُلدت في القدس وهي كثيرا ما تعود لزيارة شقيقتها. وخلال حديثنا تعلم المديرة أني أعمل في التلفزيون وبودي ان اعود الى هنا لانتاج مسلسل. توسلت بي قائلة ، "أرجوكِ أن تشغِّلي اشخاصا من مخيمنا [ مخيم اللاجئين ] لمساعدتِكِ. وإذا كانوا لا يعرفون شيئا عن كاميرا الفيديو أو الميكروفونات فان بإمكانكِ تعليمهم".
أقول مازحة أن الانتاج التلفزيوني مثل السياسة الاسرائيلية الفلسطينية ـ عملية معقدة الى حد اللامعقول من أجل نتيجة بسيطة بقدر معقول. لا تفهم النكتة لأن الأزمة القائمة كانت تستحوذ على كل اهتمامها. "أهلنا مستميتون. ليست هناك فرص عمل ، ليس هناك عمل منذ زمن طويل".
أردُّ قائلة ، "ولكن ماذا عن كل المساعدات الخارجية التي تتلقاها السلطة الفلسطينية من الغرب؟" ولا أكلفُ نفسي الاشارة الى الأموال الاضافية التي تقدمها وكالة الغوث الدولية للاجئين الفلسطينيين على امتداد ثلاثة أجيال منهم(15). "اننا نتكلم عن ملايين الدولارات التي يمكن أن تُستخدَم لبناء المختبرات والمستشفيات والمدارس والمناطق التجارية. لماذا ما زالت لديكم مخيمات لاجئين؟ أين تذهب كل المساعدات؟"
"لا أعرف أين تذهب كلها ولكن بعضها...." ثم تقوم بحركة من يدها كأنها تدس نقودا في جيبها.
"الفساد؟".
"انظري هناك" ، قالت في دمدمة مشيرة الى عمود صدَّعته الشقوق. "ليس لدى المسلمين حتى المال لصيانة هذا المكان الجميل".
"انتظري دقيقة" ، قلتُ بنبرة لاذعة بعض الشيء. "هل لأننا لا نملك المال أم لأنه ليس لدينا القيادة التي تستخدم المال حيث ينبغي ان تستخدمه؟"
"ألله يعلم". في الحقيقة ان الجواب يأتي مع جملتها التالية. "البعض يقول ، "لا تقلقي ما دام المسجد يبدو قويا ومتينا من الخارج". فهم لا يهتمون إلا بالمظاهر الرمزية لا بالبشر".
مرت فترة العصر وعندي محطة اخرى قبل موعد توجهي الى مأدبة عشاء. التقطُ صورا فوتوغرافية على عجل ـ لنساء ، للعمود ، لأطفال ، للصخرة ـ ثم أُغادرُ وأنا أشعر مقيدةً باحساس بالظلم الداخلي كما يقيدني ذلك الزنَّار اللعين (16). يُسلِّمني مرافقي عند البوابة التي بدأ منها كل شيء. هذه المرة أسير بخطى متثاقلة وراء مبنى صغير مكعب الشكل للتخلص من الحزام الذي ينهش في لحمي. سيكون من دواي غبطتي أن اعيده الى الوقف. ما لن امنحهم اياه هو فرصة اخرى لتوجيه تلك النظرات الخبيثة صوبي.
لا أحد يضايقني على الحائط الغربي. أدركُ تماما أن المرأة اليهودية تخوض معاركها الخاصة للصلاة على قدم المساواة مع الرجل. بل أنها حتى نقلت نضالاتها الى ساحة القضاء. ومع ذلك لا أحد ينظر اليّ أو يأمرني بارتداء قطعة قماش هي معادل صناعة النسيج للشريط اللاصق ، أو يخوض مواجهة بالآيات والسور معي. إن تسارع ضربات القلب بتأثير المشاعر الغامرة هو كل ما يبعث على الرهبة.
الحائط الغربي هو الواجهة الحجرية المحشوة شقوقها التي لا تُعد ولا تُحصى بقصاصات ورقية كُتبت عليها صلوات يهود من سائر انحاء العالم. فهم يتوافدون لمواجهة الحائط لأنه ، بحسب الديانة اليهودية ، كل ما تبقى من المعبد المحلي الذي كان قائما ذات يوم حيث تنتصب الآن قبة الصخرة ، على جبل المعبد. وكان سليمان ، نجل الملك العبراني داود ، أنشأ المعبد ليكون مركز القرابين التي كان بني اسرائيل يقدمونها لله. وقام البابليون بتدمير ذلك المعبد "الأول" فعمد اليهود الى بناء معبدهم "الثاني" في حوالي عام 515 قبل الميلاد. وفي عام 70 ميلادي سبى الرومان مدينة القدس وهدموا المعبد الثاني وطردوا اليهود من مملكتهم. وطيلة قرون ترك المسيحيون جبل المعبد يتداعى ليكون شاهدا على سقوط الديانة اليهودية. ولكن ، كما تعرفون ، وقعت المدينة المقدسة في نهاية المطاف بيد المسلمين فبادروا الى تجديد جبل المعبد بوضع بصمات اسلامية عليه ـ اولا المسجد الأقصى ثم قبة الصخرة. ورغم ان المسلمين اعادوا فتح القدس لليهود فان المعبد الثاني بقي خربا ولم يقم المسلمون قط بترميمه. وعند اليهود الأرثوذكسيين فان هذا هو ما ينبغي أن يكون. ذلك أن اعادة بناء المعبد هي مهمة المخلِّص الذي ما زالوا ينتظرون مجيئه. والى أن يأتي ذلك اليوم يقوم الحائط الغربي بدور النواة التي تلتف حولها الطائفة اليهودية ـ عامل تذكير لا سطح له ، بالماضي والمستقبل والقوة والتواضع.
أصل الى هناك في وقت قصير نوعا ما لأن الحائط لصيق بالحي المسلم من القدس. في البداية يدهشني وجود الاعتماد المتبادل بين اليهود والمسلمين حتى في تصميم جبل المعبد. لاحقا ، أقع على مقالة صحافية تسجل ما يسببه هذا الاعتماد المتبادل من صداع لليهود الذين عليهم أن يتوسلوا بالوقف لاصلاح الثغرات التي يتسرب منها الماء في الحائط الغربي (17). فمن أجل السلام ، كما ترون ، منحت اسرائيل للمسلمين نصيب الأسد من السلطة على صيانة جبل المعبد. ونحن لا نتكلم عن السيادة وانما عن السيطرة الادارية. وما يشكل مصدر خطر على اسرائيل ان سيطرة المسلمين تصل الى الحائط الغربي وتشمل كل ما وراءه عمليا. وكما في حالة العمود المتضرر في قبة الصخرة فلا يمكن القاء اللوم عن هذا الجرح على الاحتلال الاسرائيلي.
استعير قلما واكتب رجاء الى الله ثم اشق طريقي في الزحام للاقتراب من الحائط. وإذ امضي بعض الوقت في البحث عن شق غير مستعمَل يستقبل تضرعاتي أدركُ أني اسد الطريق على اليهود المنتظرين ورائي. مع ذلك لا أشعر أني متطفلة بل أشعر كأني بين أهلي ، وبمشاعر اشد حدة من أي وقت مضى أعرفُ مَنْ هي عائلتي.
قولوا أني عاطفية ولكن افهموا هذا القدر: عندما اقول "عائلة" فان الصورة التي تحضرني ليست صورة النبي محمد أو حتى ابراهيم بل صورة طفل رمتني الصدفة في طريقه ـ في الحقيقة هو الذي رمته الصدفة في طريقي ـ في وقت سابق من ذلك اليوم. فحين كنا في طريقنا الى قبة الصخرة قادني مرشدي عبر الحي السكني اليهودي في المدينة القديمة. دخلنا مكانا للتجمع شديد الرطوبة حُفر من الحجر ، تردِّد جدرانه صيحات أطفال. قال مرشدي أن هذه روضة اطفال تشعر الامهات اليهوديات الارثوذكسيات بالاطمئنان على اطفالهن فيها وخاصة بعد "يشيفا" ( المدرسة الدينية ). وبعد لحظات كان صبي بالقلنسوة التقليدية وخصلات شعر مجعَّدة تتدلى من صدغيه وخيوط وشاحه الخاص بالصلاة تبرز فوق سرواله الاسود الفضفاض ، استدار عند الزاوية واصطدم بي (18). كان يقود عجلة فضية أنيقة ـ مثال آخر على مجتمع يتقدم مدفوعا بمفارقاته. فإذا كان لا يتعين حتى على النصِّيين اليهود أن يعزلوا انفسهم عن الحداثة فكم من الفرص الأوسع للاختيار ودمج العواطف يتمتع بها اسرائيليو الاتجاه السائد؟
حين ابديتُ حماستي لهذا الأمر امام صديقة اسرائيلية علمانية روت لي قصة شخصية. فان ازابيل كيرشنر بعدما ترعرعت في بريطانيا بعيدا عن تراثها اليهودي ، انفتحت على كل مغامرة يمكن تصورها لدى الوصول الى اسرائيل مراهقة. وهكذا "التقطها" عند الحائط الغربي يهودي ارثوذكسي عرض عليها الدراسة مجانا في المدرسة الدينية. قد يبدو العرض مريبا للشخصيات الحذرة ولكن ازابيل كانت من طينة اخرى لا تعرف الخوف. أخبرتني في مطعم ايطالي في القدس ، "كان الجو عظيما. الناس كرماء وصادقون وكانوا يشجعونني على طرح الأسئلة". كانوا يحضونني ، "استمري في طرح الأسئلة". وفي النهاية لم يعد بإمكانهم الإجابة عن اسئلتي فأرسلوني الى حاخام. وبعد اسبوعين قررتُ أني استوعبتُ ما تريد المدرسة الدينية توصيله فتركتُها الى شيء آخر. كانت تجربة رائعة. لا شيء يوحي بوجود مخطط شرير بالمرة" (19). اليوم تحظى ازابيل باعتراف الجمهور بكونها نجما صحافيا صاعدا في موقعها مراسلةً متقدمةً لمجلة ذي جيروسليم ريبورت
The Jerusalem Report .
أُقدِّر أنه ليس كل من تعلَّم في المدرسة الدينية "يشيفا" يرتقي الى مستوى ازابيل. جيم ليدرمان Jim Lederman وهو أقدم مراسلي اسرائيل في الخارج ، يضيف منظورا حيويا الى المسألة. فهو يكتب ان "الحاخامات الأرثوذكسيين المتطرفين حرَّموا على اتباعهم استخدام الانترنت بسبب ما قد يتعلمونه منها. ووافقوا مؤخرا جدا على فتح ما سموه جامعة. ولكنهم....حرَّموا على وجه التحديد دراسة التاريخ والأدب والعلوم التي تتعامل مع نظرية النشوء والارتقاء مثل البيولوجيا والفيزياء الفلكية ، والفلسفة" (20). وسأمضي أبعد على جبهة المنظور هذه. فالضغط الذي يُمارَس من أجل الامتثال سيؤكد نفسه دائما في كل مكان. وأحسبُ انه جزء من الوضع البشري. ما تفعله اسرائيل على نحو مغاير بوصفها دولة هو الذي ينال احترامي. إذ تمنح اسرائيل المواطنين موافقتها على التحري وتكديس الخبرات ، مثلما فعلتُ أنا عند الحائط الغربي. هنا يمكن لفتاة مراهقة أن تفكر في ترك المدرسة الدينية "يشيفا" من دون وصمة. وهنا ، ايضا ، يمكن لصبي من اليهود الأرثوذكسيين المتزمتين ان يلهو على رمز من رموز النزعة الاستهلاكية المأخوذة بالصرعات الجديدة. هنا ، إذاً ، يشهد الأشخاص طاقاتهم تتبدى في عدة أشياء دفعة واحدة بما يعكس تعدد صور الله ذاته.
زيارة المناطق الفلسطينية قائمة! حسنا ، منطقة واحدة منها على أية حال ـ الضفة الغربية. على الفطور نستمع الى إيجاز من دبلوماسي يعمل مع الفلسطينيين مباشرة. فهو يؤمن بهم ، ويقول ، "أن هذا شعب قادر ، لو تُرك لحاله ، على حكم نفسه". ولكن "تركهم لحالهم" يعني أكثر من انهاء الاحتلال الاسرائيلي. وهو يلَّمح الى انه يعني الاستعاضة عن حكم عرفات المتسلط بحكومة تهتم بما يريده شعبها مهما تكن مرارته على القضية الوطنية. ويكشف الدبلوماسي فيما نتكوَّم نحن داخل سيارته المضادة للرصاص ، "ان الفلسطينيين تعلموا الكثير من اسرائيل ، وهم من نواح عديدة يريدون مداناة الاسرائيليين. وذات مرة قال لي سائقي: "ما نحتاج اليه هنا هو سيادة القانون مثلما موجود عندهم في اسرائيل"" (21). الرأي العام يردد موقفه هذا. وبحسب خليل شقاقي الذي يدير مؤسسة لاستطلاع الرأي العام فانه ، "عندما يُسأل الفلسطينيون أي ديمقراطية يعجبون بها أكثر ويريدونها لهم ، تأتي الديمقراطية الاسرائيلية بالمرتبة الاولى حتى هذا اليوم".
يبدو ان صاحبنا الدبلوماسي يشعر انه قال أكثر مما ينبغي. وإذ كان عصبيا بمزاجه ومتكتما بحكم إعداده المهني ، يلتزم جانب الصمت خلال الرحلة التي تستغرق نصف ساعة الى رام الله. ولا يعني ذلك عدم وجود موضوع للنقاش. فبعد عبورنا أول نقطة تفتيش نتوقف عند اشارة مرور. وعلى كتف الطريق تنتصب لوحة اعلان ضخمة تغطيها صور أطفال رضع. وكُتب شعار من نوع ما بحروف عربية. أطلبُ من الدبلوماسي الذي تولى بنفسه قيادة السيارة هذا الصباح ، أن يترجم لي كلمات الشعار. يتظاهر بأنه لم يسمع ثم يتظاهر بأنه لا يرى ، وأخيرا يشرئب بعنقه "لإلقاء نظرة أفضل" ولكن اشارة المرور تتغير عندذاك فننطلق بعيدا في سيارتنا. هذه لن تكون عملية التهرب الوحيدة في ذلك اليوم.
جئنا الى رام الله في يوم رفع فيه الجيش الاسرائيلي حظر التجول ليتمكن طلاب المدارس الثانونية من انهاء امتحاناتهم. الشوارع تعج بالمتبضعين الذين يتسابقون مع الزمن لشراء ما يكفي مدة اسبوع من التموينات. عربة يجرها حصان تقف بين سيارة جاغوار قديمة وسيارة آودي جديدة. اليافطات المعلقة على مواقع بناء مختلفة تشبه الأكواخ تقول ، "من تمويل المفوضية الاوروبية". انها ابنية متداعية وفي بعض الحالات سُدت منافذها بالالواح. ندخل طريقا جانبيا موحلا وَجْهَتُنا تقع في نهايته ، وهي بعثة دبلوماسية. انها من الخارج بلا هوية عمليا ، في حين ان الحركة في الداخل تعاني من فقر الدم.
لكن احساسا بالترقب ينتابني رغم ذلك. من بين الناشطين الفلسطينيين الذين كنا هناك لملاقاتهم رجاء شهادة ، وهو كاتب ومحام ومؤسس منظمة "الحق" المستقلة لحقوق الانسان. طلبتُ أن يكون حاضرا لأنه ، مما نُشر على أقل تقدير ، أكثر من اصبع يعمل بالبطارية لتوجيه الاتهام الى "الآخر". على الورق ينضح اسلوب شهادة بالظلال التي تموه معاني الكلمات. آمل بأن احادثه عن كتابه الجديد ، "غرباء في الدار: "بلوغ مرحلة النضج في فلسطين المحتلة" Strangers in the House: Coming of Age in Occupied Palestine
يحوي الكتاب صورة شخصية لوالده عزيز ، الذي كان أول فلسطيني مرموق يقبل بوجود اسرائيل ويتقدم بحل يقوم على انشاء دولتين. وبحسب شهادة فان أزلام عرفات ردوا على عزيز بنعته "متعاونا حقيرا" في الاذاعة العربية. وأفتى الصوت المتهدج ، "أنك ستدفع ثمن خيانتك حيث سنقوم بتصفيتك وإسكاتك الى الأبد ونجعل منك عبرة للآخرين" (22). نقابة المحامين الفلسطينيين منعت عزيز من ممارسة المهنة. وبعد سنوات قُتل في ظروف غامضة. أحسبُ أن نشر اسمه في مثل هذا الكتاب الجرئ يشير الى استعداد شهادة للخوض أعمق في الحديث عن هذه العقبات ذات الصنع المحلي في طريق السلام.
لم يكن شهادة داخل المبنى عند وصولنا ولكن اثنين من الناشطين الآخرين كانا هناك. الأول ، الدكتور علي جرباوي ، وهو عالم سياسي ، لا يخرج ابدا عن "النص". وبعد القاء محاضرة مطولة في التاريخ يستدرجنا بتعليل من صميم القلب. "دعونا لا نضحك على انفسنا. إذ ليس هناك شيء اسمه احتلال حميد. فالاحتلال يعني ان مصيرك لم يعد بيدك. وقد شاهدتم على نقاط التفتيش التي مررتم بها أننا لا نستطيع التنقل".
صحافي يقول ، اوقفوا التفجيرات الانتحارية ، وستعود حرية التنقل للجميع. الدكتور جرباوي يشك في ان الفلسطينيين كانت عندهم حرية تنقُّل يُعتد بها قبل ان يتفشى وباء التفجيرات. يُخرج بطاقة خضراء من جيب الصدر. "احمل هذه معي اينما أذهب. في مدينة مغايرة تكون بلون مختلف. انه ابارتهايد ( فصل عنصري )" (23). يعترض آخر متسائلا ، لماذا إذاً انسحب عرفات في صيف عام 2000 من أفضل فرصة أُتيحت على الإطلاق لإقامة دولة مستقلة ـ في خطة أُعدت بوساطة الرئيس الأميركي بيل كلنتون لتلبية القسم العظم من مطالب الفلسطينيين؟ الدكتور جرباوي يشجب المشروع بوصفه خديعة يُراد بها احياء البانتوستانات أو المستعمرات شبه المستقلة التي كانت سائدة في جنوب افريقيا في حقبة الفصل العنصري. نتساءل لماذا لم يتقدم عرفات ، على افتراض ان هذه صحيح ، بأي مقترح مقابل؟ لماذا رفض العملية بكل بساطة وحرم شعبه من امكانية الاستمرار في المفاوضات؟
في غمرة نقاش كان مثقلا بعوامل التوتر يدخل رجاء شهادة الغرفة على اطراف اصابعه. يبقى صامتا بل يكاد يكون متجهما بانزوائه خارج دائرة الضوء. عبد المالك الجابر ، الناشط الذي كان جالسا بجانب الدكتور جرباوي طوال الوقت ، يتكلم للتوثق من أن موضوعة الفصل العنصري لا تختفي في حمأة التراشق بالتحديات. "زوجتي تحمل بطاقة هوية مقدسية وعندما أنجبت ابنتنا داخل اسرائيل...." ويسهب في وصف الشكليات البيروقراطية في معاملة التقدم بطلب شمول مولودته الجديدة بالضمان الصحي ، وكانت العبرة من قصته ان ظروف الفصل العنصري تجثم على صدور الفلسطينيين في عموم اسرائيل وليس مجرد في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهو يقول ، "نحن من سكان القدس وندفع كل ما علينا من ضرائب ولكن هناك أساليب لحرماننا من حقوقنا على أساس عرقي" (24).
انه على حق. فأن يكون النظام ديمقراطيا لا يمنع ذلك أي دولة من وضع أقلياتها في موقع المستضعَف. انظروا ، على سبيل المثال ، كيف ان عدد ضباط التجنيد الذين يزورون المدارس الثانوية الأميركية حيث توجد نسبة عالية من الطلاب ذوي الأصل اللاتيني ( الناطقين بالاسبانية ) يزيد مرات مضاعفة على عدد ممثلي الكليات الذي يأتون لترشيح الطلاب الذين يمكن أن يواصلوا دراساتهم العليا بعد الثانوية. واسرائيل ايضا ليست غريبة على ممارسة العنصرية ، كما ستنبري صحيفة هآرتس لتكون سبَّاقة الى نشر ذلك. ولكن بعد ثلاثة أشهر من الاجراءات الروتينية المرهقة أفلح الجابر وزوجته في تسجيل ابنتهما في دائرة التأمين الصحي. فهل صُودرت حقوقهم في نهاية المطاف؟ ان هذا ليس بحثا بالمجهر عن مبررات للوضع ، ليس عندما تكون الحكومة تحت طائلة الاتهام بممارسة الفصل العنصري.
ولكن لديّ اسئلة أكثر آنية. فان اثنين من الفلسطينيين الثلاثة قدَّموا وجهات نظرهم على النحو المطلوب فهل سيفعل ثالثهم الشيء نفسه؟ أم أننا سوف نسمع شيئا ما ـ أي شيء ـ يتناول كيف ان الثنائيات الحدية من قبيل "نحن في مواجهتـ"هم" ، اليهودي ضد العربي" ، تمسخ الشعبين على السواء؟ كل الأنظار تتجه صوب شهادة. وبخجل يُخرج شهادة كتابه. "أحسنتَ يا هذا!" ، قلتُ هاتفة له مع نفسي.
أعلَنَ شهادة ، "صفحة 173" ثم بدأ القراءة. "ان الايديولوجيا والبلدوزرات هما بلاء هذه الأرض. فالاولى توحي والثاني تجعل ممكنا في يوم واحد ما كان يتطلب انجازه عشرة رجال وشهرا كاملا" (25). يستخدم شهادة الدقائق التالية لتلاوة مقطع عن التكنولوجيا ـ والأجندة ـ التي تملكها اسرائيل لتشريد الفلسطينيين. ولأنه قرأ كتابه مرتين من قبل وكان عمليا يستظهر الفقرات الرئيسية فيه ، فاني الحظُ أن شهادة ، في هذا الوضع ، يتوقف قبل أن يصل الى باب هام من الكتاب. انه باب يقول فيه والده ان الحل الممكن للقضية الفلسطينية يتعين أن يتحقق بالتفاوض لا بالقنابل. وإذا اردنا الاقتباس بدقة فانه يقول "ان مبادرة سياسية" هي وحدها التي ستتكلل بالنجاح ، "وفي وقت سريع قبل أن لا تكون هناك أرض تستحق الذكر" (26). مبادرة سياسية وفي وقت سريع: تماما ما أُتيحت لعرفات فرصة العمل من أجله ولم يعمل.
تذهلني النهاية التي يخلص اليها شهادة. ولكني أعرف ما فيه الكفاية عن النهاية التي يؤول اليها هذا المقطع تحديدا لأني أفهم لماذا يمارس الرقابة الذاتية على نفسه أمام اثنين من مواطنيه ، مثقف صلب في الأحوال الاعتيادية . وهو يكتب في مكان آخر من كتابه أن في فلسطين "يتآمر المجتمع على تدمير مَنْ يحالفهم التوفيق وتثبيطهم وإسقاطهم بحسد آكل لا يُبقي على شيء. انه مجتمع يشجعك على المداهنة. فأنت تستهلك القسم الأعظم من طاقتك في مد مجسات لاستشعار رأي الآخرين بأعمالك لأن حياتك تتوقف على الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع مجتمعك" (27). أتذكر ما قالته مديرة المتحف في تل أبيب لي: ربما من أجل البقاء كان نظيرها الفلسطيني يمتنع عن الرد على اتصالاتها. فأي رفض للانخراط في لعبة الضحية الجماعية يكون ثمنه باهظا ، وقد دفع والد شهادة هذا الثمن قناطير. "كان رجلا حيويا ذا روح جماعية لم يُسمح له قط بالنجاح. وقد أصبح رجلا مستهدَفَا...."(28) أُريد ان اسأل نجله إن كان ينظر الى نفسه ايضا على انه يحمل صفات والده. ولكن السؤال يبدو قاسيا. يكفي أنه في اليوم الذي يستطيع سكان رام الله التجوال ، لا يجرؤ رجاء شهادة على المغامرة بعيدا عن عتبة نصف الحقيقة.
ينتهي لقاؤنا بصورة مفاجئة عندما يتذكر الفلسطينيون أن وقتهم محدود للقيام ببعض المهمات قبل أن يبدأ حظر التجول. نغادر الغرفة الواحد تلو الآخر ، جوعى ومتوجسين بعض الشيء لأن منظمي الزيارة أعدوا سندويشات من الجمبون ( لحم فخذ الخنزير ) والجبنة للغداء. جمبون وجبنة! لمجموعة من الصحافيين بينهم مسلمة ويهوديان ، في وكر من اوكار الدبلوماسية! ياللغباء! (29) .
خلال مداولاتنا المرتَجَلة حول ما ينبغي عمله بشأن الغداء انسحبتُ للإطلاع على المطبوعات المرصوفة على رف للمجلات ، صُفَّت على الرف دراسات وتقارير ومجلات اكاديمية يعود تاريخها الى منتصف التسعينات. أدس مطبوعين منها في حقيبتي لأني أستطيع أن أتعلَّم منها شيئا عن السياق ، ولأني ، بلى ، لأني فضولية. وفضولي هو السبب في أني أُحبُ ايضا الطواف على مكتبات المطارات. فهي مؤشر الى الأفكار التي يبيح المجتمع لأفراده أن يحملوها معهم.
تلك الليلة ، قبل رحلة العودة الى تورنتو ، دخلتُ مطار بن غوريون ومدينة رام الله ماثلة في ذهني ـ وفي نيتي العثور على ما متاح من كتب عن اللخبطة التي اسمُها النزاع الفلسطيني الاسرائيلي. لا أرى إلا كتابين: واحد محايد نسبيا والآخر متعاطف جهارا مع العرب. فان اسرائيل تسمح بالتشكيك في شرعيتها على أيدي مؤرخين تُباع كتبهم في مطارها الوطني. جدوا تفسيرا لهذا الموقف! ولكني مع ذلك لا استطيع تجاهل الإدعاء بممارسة الابارتهايد ( الفصل العنصري ) الذي يؤكده ناشطون فلسطينيون بهذه الحماسة. فهم يشهدون يوما بعد آخر ما رأيتُه أنا من لمحة عابرة: شابات وشبان بأسلحة تتدلى على صدورهم. طريق ترابية تمتد أميالا يتعين قطعها مشيا على الاقدام بين نقاط التفتيش. جنود أفظاظ يرفضون التلفظ بكلمة واحدة بالعربية حتى إذا كانوا يعرفونها. بطاقات هوية ، اسلاك شائكة ، مدرعات ، مستوطنات واسعة تبدو كأنها ضواحي وسيتطلب تفكيكها سنوات ، يتأخر سنوات مثلها موعد تحقيق العدالة للفلسطينيين. لقد وجدتُ نفسي في مأزق اخلاقي ولكني مقبلة على ما من شأنه تنويري.
خلال الرحلة أفتحُ أحد المطبوعات التي أخذتُها من رام الله ، انه عدد من مجلة دراسات فلسطينية Journal of Palestine Studies تاريخه 1997 ، وهو عام كانت عملية السلام لم تزل واعدة فيه. تشير المقالة الأولى الى ان مؤسسي اسرائيل أقاموها بقمع الديمقراطية. وتستشهد المقالة باعتراف الزعيم الصهيوني وايزمان قائلا "لم يكن بمقدورنا أن نقيم قضيتنا على موافقة العرب ، فطالما كانت موافقتهم مطلوبة سيرفضون منحها بطبيعة الحال" (30). وكلما قرأتُ أكثر من المقالة زاد فهمي لمرارة كاتبها.
في المطبوع نفسه قرأتُ "اعترافات" رجل يعود الى غزة بعد سنوات من الغربة. في عام 1997 بدا وكأن فلسطين المستقلة تلوح في الأفق ، وقد عاد الى الوطن لتخطيط حياته بعد التحرير. ولكن ما وجده كان مجتمعا يفتقر الى الأمانة متشبثا بكل ذريعة لتفريغ مظالم قديمة. "كانت هناك الجدران المدهونة حديثا باللون الأبيض....جدران لم تمر إلا أيام قليلة ، بعد مقتل فلسطيني برصاصة اسرائيلية طائشة ، حتى غطتها شعارت النعي التي خطتها كل المنظمات المعروفة والمغمورة مدعية أنه من ابطالها وشهدائها ومهددة بالثأر على نحو فظيع من قتلته. لقد تمت التضحية بالحقيقة والجدران البيضاء ، لأن المؤكد أن الضحية لم يكن ينتمي الى أي من هذه المنظمات. فالتعطش الى الشهداء تعطش غامر ، انه عاطفة سائدة"(31).
وهكذا فانه حتى في زمن يتسم بتفاؤل نسبي كانت أُمنية الموت تستبد بالمسلمين الفلسطينيين. لماذا؟ يلحظ صاحبنا كاتب الاعترافات "ان قسوة الاحتلال ليست وحدها" المسؤولة بل الغياب المطلق لمراجعة الذات ايضا. وقد تسبب هذا في "انهيار القيم التي ينهض عليها العقد الاجتماعي. فأن يضع المرء نفسه فوق النقد ليس دليلا على الثقة بالنفس بقدر ما هو دليل تقوقع على الذات ، والانغلاق عن بقية العالم. وقد كان الثمن باهظا".
اعقدُ العزم على معرفة المزيد عن كيف كفر المسلمون بتحذير القرآن من "إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم" (32). وقد أكدت لي الصحافة الاسرائيلية أنه ليس هناك ما يُخزي في كلام جماعة ما عن مواطن ضعفها. وأظهر لي "الوقف" أن هناك عارا عظيما في البقاء مكبلين ـ بزنانير أو غيرها. فالى الجحيم بصانعي هذه القيود. ماذا هناك غير ذلك مما لا نصارح نحن المسلمين به أنفسنا فنبقى عائمين على موجات الشفقة وقانعين بصورة الضحية؟
هوامش الفصل الرابع
1 ـ انظر الصورة.
2 ـ حديث مع ميخائيل هاندلزاتس Micahel Handelsatz الذي يعمل محررا في صحيقة هآرتس ، تل ابيب ، 5 يوليو ( تموز ) ، 2002.
3ـ حديث مع نهاما غورالنيج Nehama Guralnij مديرة متحف تل ابيب للفنون ، تل ابيب 5 يوليو ( تموز ) ، 2002.
4 ـ توفاح لازاروف Tovah Lazaroff واليسا روز Alisa Rose ومليسا رادلر
Melissa Radler ، "تصريح لابيد Lapid ضد المهاجرين الأميركيين المتدينين يثير الغضب" ، جيروسليم بوست Jerusalem Post ، 9 يوليو ( تموز ) ، 2002. ونائب البرلمان المعني هو يوسف "تومي" لابيد ، زعيم حزب التغيير العلماني بصرامة. أصبح لابيد منذ تصريحه هذا وزير العدل في الحكومة الائتلافية برئاسة ارييل شارون.
5 ـ "مشروع قانون عنصري" ، افتتاحية صحيفة هآرتس ، 9 يوليو ( تموز ) ، 2002.
6 ـ "اسكتوا ، وداعا ، باي باي" ، افتتاحية هآرتس ، 24 يونيو ( حزيران ) ، 2002.
7 ـ اندري عليون بروكس Andree Aelion Brooks ، "امرأة النهضة" ، صحيفة هآرتس ، 24 يونيو ( حزيران ) ، 2002.
8 ـ انظر على سبيل المثال ، اريح اوساليفان Arieh Osullivan ، "الناطق باسم قوات الدفاع الاسرائيلية امرأة" ، جيروسليم بوست Jerusalem Post ، 9 يوليو ( تموز ) ، 2002.
9 ـ انظر الصورة.
10 ـ حديث مع رون ايدلهايت Ron Edelheit ، القدس ، 6 يوليو ( تموز ) ، 2002.
11 ـ زرتُ قبة الصخرة في 7 يوليو ( تموز ) ، 2002.
12 ـ خالد ابو طعمة ، "كيف بدأت الحرب" How the War Began ، صحيفة جيروسليم بوست Jerusalem Post ، 19 سبتمبر ( ايلول ) ، 2002.
المقالة كلها جديرة بالقراءة ولكن دعوني أُشدد على مقطع منها. يكتب طعمة: "اعترف عماد فالوجي ، وزير الاتصالات في السلطة الفلسطينية ، في 11 اكتوبر ( تشرين الأول ) ، 2001 بالتخطيط لأعمال العنف منذ يوليو ( تموز ) ، قبل فترة طويلة من "استفزاز" شارون. وقال: "كل مَنْ يظن ان الانتفاضة اندلعت بسبب زيارة شارون البغيضة للمسجد الأقصى مخطئ ، حتى إذا كانت هذه الزيارة القشة التي قصمت ظهر الشعب الفلسطيني. فهذه الانتفاضة كان مخططا لها مسبقا ، منذ عودة الرئيس عرفات من مفاوضات كامب ديفيد حيث قلب الطاولة على الرئيس كلنتون. وبقي [ عرفات ] صامدا متحديا [ كلنتون ] ورفض الشروط الأميركية وقد رفضها في قلب الولايات المتحدة".
طعمة ، وهو صحافي عربي ، قال لي انه تعرض الى انتقادات لنشره الغسيل الفلسطيني القذر ولكن الحقائق [ التي اوردتها ] لم يُطعن فيها قط ، ولا مرة واحدة". حديث في القدس ، 1 يوليو ( تموز ) ، 2003.
13 ـ انظر الصورة.
14 ـ انظر الصورة.
15 ـ الوكالة التي اعنيها هي وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى ، المعروفة باسم "انروا".
16 ـ انظر الصور.
17 ـ اتغار ليفكوفيتس Etgar Letkovits ، "الوقف يحقق في تسرب في الحائط الغربي" ، Wakf to investigate Western Wall leak ، جيروسليم بوست
Jerusalem Post ، 8 يوليو ( تموز ) ، 2002.
18 ـ انظر الصورة.
19 ـ ايزابيل كيرشنر Isabel Kershner ، حديث في القدس ، 8 يوليو ( تموز ) ، 2002.
20 ـ مقابلة مع جيم ليدرمان Jim Lederman ، 9 يوليو ( تموز ) ، 2002.
21 ـ لا استطيع الكشف عن هوية الدبلوماسي لأن حديثه معنا اعتبر من الأحاديث "التي لا يمكن أن تُنسَب الى مصدرها". جرى الحديث في 8 يوليو ( تموز ) ، 2002.
22 ـ رجاء شهادة مستشهدا بالاذاعة العربية في كتابه "غرباء في الدار: بلوغ سن الرشد في فلسطين المحتلة"
Strangers in the House: Coming of Age in Occupied Palestine (South Royalton,
Vermont: Steerforth Press), p. 68.
23 ـ حديث مع الدكتور علي جرباوي ، رام الله ، 8 يوليو ( تموز ) ، 2002.
24 ـ حديث مع عبد المالك الجابر ، رام الله ، 8 يوليو ( تموز ) ، 2002.
25 ـ رجاء شهادة في قراءة من "غرباء في الدار.." ، ص 173.
26 ـ عزيز شهادة كما يُنقل عنه في كتاب "غرباء في الدار..." ، المصدر السابق ، ص 175.
27 ـ رجاء شهادة ، المصدر السابق ، ص 141.
28 ـ رجاء شهادة ، المصدر السابق ، ص 176.
29 ـ حين رويتُ هذه القصة لميشيل ردت عليّ بتعبير "يا للغباء!" ذاته وقالت مداعبة ، "إذا كنتِ تلك المتمردة على التقاليد فلماذا لا تأكلين لحم الخنزير؟" وأنا لستُ واثقة من أن لديَّ اجابة مقنعة.
30 ـ حاييم وايزمان Chaim Weizmann كما يستشهد به وليد خالدي ، "عودة الى قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العام للامم المتحدة"
Revisiting the UNGA Partition Resolution
مجلة الدراسات الفلسطينية Journal of Palestine Studies ، العدد 105 ، خريف 1997 ، ص 15.
31 ـ حسن خضر ، "اعترافات عائد فلسطيني" Confessions of a Palestinian Returnee ، المصدر السابق ، صص 89 ـ 90.
32 ـ القرآن ، سورة الرعد: 11.
ثمة نكتة يتناقلها الفلسطينيون تذهب الى ان عرفات يموت شهيدا وينتقل الى الجنة. وهناك يجد حشدا من الشهداء مثله يتجمعون على باب الجنة في لهفة للمطالبة بما وُعدوا به من عذراوات ونبيذ. ولكن الملائكة منعتهم من الدخول.
وعندما يرى الجمع الساخط عرفات يتنفسون الصعداء ويأخذون في طمأنة بعضهم بعضا قائلين ، "ها هو رئيسنا وسيتدخل لحل الإشكال".
عرفات يسأل مرتبكا ، "لماذا لستم في الداخل؟". فيخبره فتيانه ، "ان اسماءنا ليست على القائمة. وليس لديهم شيء اسمه فلسطينيون". فيتوجه عرفات نحو الشباك ويقدم نفسه الى الملاك الذي يعمل كاتبا هناك على انه قائد الشعب الفلسطيني.
يتساءل الملاك الاداري ، "مَنْ؟"
يزمجر عرفات ، "الشعب الفلسطيني!"
يُقلِّب الملاك الكاتب قائمة المؤهلين لدخول الجنة ثم يهز كتفه معبرا عن الأسف. يطالب عرفات بمقابلة الله. يعود الملاك الى الداخل لإبلاغ الله ان أحدا على الباب يصرخ انه وشعبه شهداء ويريدون حقهم بمكان في الجنة. ويضيف الملاك ، لكنهم ليسوا على القائمة".
يسأل الله ، "أمتأكد أنت؟".
يُجيب الموظف البيروقراطي الملائكي ، "لا أعرف كم مرة دققتُ".
يُفكر الله مليا ثم يتوصل الى قرار. "لماذا لا تطلب من الملاك جبرائيل ان يُقيم لهم مخيما حتى نجد حلا مناسبا لهم" (1).
وهنا تأتي الضربة التي يُفترَض أن تثير الضحك. فالفلسطينيون لاجئون دائمون ، في السماء كما في الأرض.
هذه النكتة تعبر عن شعور الفلسطينيين المرير بأن لا أحد يريدهم ، ولا حتى "الأمة" العربية المجيدة. بل يمكن القول ان الفلسطينيين هم يهود العالم العربي.
نشأت الحركة التي عملت من اجل اقامة دولة اسرائيل ، الحركة الصهيوينة ، في اوروبا في اواخر القرن التاسع عشر. فقد ادرك الصهاينة ان اللاسامية لن تختفي وانها قد تزداد تفاقما. وحذروا من ان اليهود بحاجة الى وطن قومي ، وان اليهود يحتاجون الى هذا الوطن لا في القطب الجنوبي ولا في اوغندا ، وانما رقعة في الشرق الأدنى وعلى أرض يمكن ان ينسبوا اليها أول جذورهم وأعمقها وأكثرها رسوخا ـ الأرض التي سمَّاها العرب في وقت متأخر "فلسطين".
ثمة جدل محتدم حول ما إذا كانت ثمة آصرة تاريخية تربط اليهود بفلسطين ، وبالتالي ما إذا كان يحق لهم أن يعتبروا أيا منها وطنا لهم. أنا اعتقد أن من حقهم ذلك. فأولا ، تفيد دراسة للحامض النووي اجراها فريق دولي من الباحثين ونُشرت في مجلة أكاديمية العلوم الوطنية
Proceedings of the National Academy of Sciences أن اليهود والعرب يشتركون بجد واحد على الأقل ـ كونهم من "أصل شرق اوسطي واحد" ، على حد تعبير الدراسة (2).
التقليد الإسلامي يتفق مع هذا الاستنتاج ، وهو يذهب الى ان اسماعيل ، أب الأمة العربية ، واسحاق ، أب الأمة اليهودية ، كانا أخوين غير شقيقين من أبناء ابراهيم. ويُذكر ان محمدا ينحدر من سلالة اسماعيل في حين ان موسى وعيسى ينحدران من سلالة اسحاق في العائلة نفسها. وكلهم ينتسبون بصلة قربى الى ابراهيم. "وقلنا من بعده لبني اسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا" (3). أكره أن اكون انتقائية ولكن إغفال ذكر هذه الآية سيكون انتقائيا هو الآخر.
أخيرا ، لنعد الى الحركة الصهيونية. فعندما وصل اليهود الأوروبيون الى فلسطين اكتشفوا ان عددا قليلا من أبناء ديانتهم يعيشون في ما هو اليوم "الضفة الغربية". متى وصل اليهود الى هناك؟ أليس من الجائز أن اليهود كانوا دائما هناك؟ يجنح المستوطنون حديثو العهد في الضفة الغربية الى إثارة استنكار بالغ من موقفهم ، يستحقونه في غالب الأحيان بسبب مستوطناتهم غير المشروعة. ولكن ثمة وطنا في مكان ما هنا ، والنواح الزاعق بأن اليهود مغتصبون غرباء لفلسطين ينطلق من جهل لا يقل جهلا عن الهذر الصاخب بأن لا مكان للعرب في اسرائيل.
إذاً ، كيف اصبح الفلسطينيون لاجئين منبوذين حتى داخل العالم العربي؟ من خلال ويلات الحرب ـ نزاع أشعلته البلدان العربية التي لم تتمكن من استساغة وجود اسرائيل بينها. فبعد يوم واحد فقط على اعلان دولة اسرائيل في عام 1948 غزت خمسة جيوش عربية اسرائيل ، وصارت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين مشكلة خطيرة. في بعض المدن عمد القادة العسكريون الاسرائيليون الى تشريد السكان العرب مدفوعين باستراتيجية مثيرة للجدل تحت اسم "خطة داليت" Dalet Plan . ولم يعد بامكان اسرائيل أن تنكر ما أنزلته من مآس بحق الفلسطينيين. ولكن في مدن اخرى وُجهت دعوات الى العرب للبقاء ـ وكثير منهم بقوا ليقبلوا بنيل الجنسية الاسرائيلية. فلسطينيون أكثر بكثير اختاروا الرحيل ، متوقعين بكل ثقة أن يعودوا بعد رمي اليهود في البحر.
هؤلاء اللاجئون نزحوا ليس بأمر من الاسرائيليين وإنما من العرب. وهذا ما قاله خالد العظم ، رئيس الوزراء السوري خلال تلك الحرب. ففي مذكراته التي نُشرت عام 1973 كتاب العظم حول دعوة الحكومات العربية لسكان فلسطين الجلاء عنها والرحيل الى البلدان العربية المجاورة بعد زرع الخوف في نفوسهم..."ومنذ عام 1948 نطالب بعودة اللاجئن الى ديارهم لكننها نحن الذين شجعناهم على النزوح" (4). وما يثير أسى العظم ان "هذا النزوح الجماعي ساعد اليهود الذين تعزز موقعهم دون أن يبذلوا أي مجهود". أين هذا من تحميل اسرائيل المسؤولية الكاملة عن أزمة اللاجئين الفلسطينيين.
الأُمم المتحدة ايضا اسهمت في الأزمة. فهي اليوم تعتبر 3.5 مليون فلسطيني لاجئين رغم انها تستخدم تعريفا لا يُطبَّق على أي شعب نازح آخر. فإن التعريف لا يسري على اللاجئين الأصليين الذين كان عددهم نحو 700 الف لاجئ فحسب بل يشمل أطفالهم واحفادهم ايضا. ويعيش ثلث اللاجئين في "مخيمات" مدينية تحيطها عمارات شاهقة جديدة وحقول رحبة وفيلات فلسطينية خاصة.
وضع محزن ولا داعي له. فان مئات الوف اليهود وجدوا أنفسهم مطرودين من البلاد العربية بحلول خمسينات القرن الماضي ولكنهم لم يرزحوا في بالوعات للاجئين بل استوعبتهم اسرائيل ودمجت غالبيتهم العظمى في محيطها. وعلى هذا الصعيد منحت اسرائيل الجنسية لنحو 100 الف فلسطيني في اطار مجهود للم شمل العائلات. فماذا فعلت الحكومات العربية عموما للفلسطينيين؟ انها خذلتهم أو فعلت ما هو أسوأ.
بعد حرب الخليج عام 1991 أبعدت الكويت ما لا يقل عن 300 الف فلسطيني من أراضيها ردا على دعم ياسر عرفات لغزو صدام حسين. وغالبية المبعدين "لم يعرفوا قط فلسطين أو أي بلد آخر غير الكويت" ، كما يقول كنعان مكية ، مؤلف كتاب "القسوة والصمت" في العالم العربي. وهو يقول ان "مجموعات شبه رسمية من المدنيين الذين أخذوا تطبيق القانون بيدهم" في الكويت ، قامت الى جانب طرد ابرياء ، بشن حملة "اعتقالات اعتباطية" ضد فلسطينيين آخرين. وإن هؤلاء "إذا "لم يختفوا" فلأنهم حُصدوا بالرصاص علنا أو تعرضوا الى التعذيب والقتل" (5).
هاكم مقياسا آخر لنفاق العرب. فعلى امتداد سنوات كانت الكويت تتبرع لوكالة الأمم المتحدة المسؤولة عن رعاية اللاجئين الفلسطينيين أقل مما تتبرع به اسرائيل. والعربية السعودية ايضا كانت تنفق عليهم أقل مما تنفق اسرائيل حتى أخذت عائدات النفط بالتدفق. واليوم؟ رغم خزائنها العامرة بالمال والمساحات الشاسعة من الأراضي الفائضة يرفض السعوديون منح الجنسية الى أي من الفلسطينيين. ولكنهم يبثون برامج تلفزيونية ماراثونية لجمع التبرعات بالملايين من اجل تمويل عمليات التفجير التي ينفذها انتحاريون. كما انهم يكافئون عائلة مَنْ ينجح في تنفيذ عملية تفجير برحلة الى مكة ، يتحملون تكاليفها كاملة.
وفي البلدان المجاورة مثل لبنان وسوريا والعراق تتصرف الحكومات وكأن توطين الفلسطينيين ليس من شأنه إلا الإخلال بالتعايش الهش بين المسلمين الشيعة والسنة. وفي حالة العراق كان "التعايش" يعني حكم الأقلية السنية على الغالبية الشيعية. فلماذا المغامرة بترويج هذه الحقيقة من خلال منح الجنسية لغرباء مهما بلغت عروبتهم؟ وعلى غرار اعدائه الألداء من آل سعود ابدى صدام حرصه من خلال التكفل بمعيشة عائلات منفذي التفجيرات. ( العم الكبير ، كما يُحب أن يُدعى ، بادر الى التسريع بإيصال المبالغ المدفوعة في الاسبوع الذي سبق حرب ربيع 2003 في العراق ). ولبنان حتى أقل اكتراثا ، فإن قوانينه في الحقيقة تمنع غالبية اللاجئين الفلسطينيين من العمل ساعات كاملة أو شراء ارض أو رفع مستوياتهم ليكونوا مهنيين. ويدبر الفلسطينيون أمورهم بمزاولة اعمال طارئة أو مؤقتة (6).
والحق ان البلد العربي المسلم الوحيد الذي منح جنسيته لفلسطينيين هو الاردن ، وهذا لأن غالبية الاردنيين هم عرقيا فلسطينيون.
نستطيع ان نكيل الشتائم على "الامبرياليين" بسبب محنة الفلسطينيين ولكن الحقيقة ان لدى المسلمين امبريالييهم الذين ينبغي ان توجه اليه اصابع الاتهام. قد تقولون ليس بقدر مساوٍ ، وأنا أقول ربما بقدر أكبر. وتحليل كيف بدأت دراما الشرق الأوسط اصلا انما هو درس في الطريق التي لجأ اليها المسلمون لطعن بعضهم بعضا على امتداد عقود من الزمان. وما أنا بصدد طرحه ليس تاريخا شاملا بل فرز حقائق ضاعت في غمرة الاستقطاب الحالي.
في اوائل القرن العشرين ، كما نعتقد بما يريحنا ، جاء الصهاينة وطردوا الفلسطينيين بقوة السلاح. وكما قلتُ فان كثيرا من العرب تعرضوا حقا الى التشريد. ولكن التوجيهات بالجلاء لم تكن دائما صادرة عن اليهود. إذ كان العثمانيون ـ وهم مسلمون اتراك ـ حكام الامبراطورية التي كانت تسيطر على فلسطين وقتذاك. وعلى الضد من مصالح الفلاحين العرب المستأجرين تبرع العثمانيون ببيع الأراضي الى الصهاينة الاوائل. نعم ، ان مسلمين فعلوا ذلك ، وكانوا واعين بما يفعلون. وفي عام 1911 بعثت 150 شخصية عربية بارزة ببرقية الى البرلمان التركي للاحتجاج على استمرار عمليات بيع الاراضي. وقد تم تجاهل برقيتهم (7).
خلال الحرب العالمية الاولى قدم العرب مساعدتهم لبريطانيا ضد العثمانيين بشرط ان تعود فلسطين كلها الى العرب بعد الحرب. ويبدو ان السير هنري ماكوهان ، المندوب السامي البريطاني لدى مصر والسودان ، اعتبر ذلك صفقة في سلسلة من الرسائل الخاصة عام 1915. ولكن في وعد بلفور عام 1917 فسخت بريطانيا حلفها المفتَرَض مع العرب واعلنت لندن تخصيص قسم من فلسطين لليهود الذين كانوا يواجهون اعتداءات لئيمة بصورة متزايدة في اوروبا. وهكذا فان الأرض الموعودة غدت "الأرض الموعودة مرتين". ومنذ ذلك الحين والمسلمون يلعنون المستعمرين الغربيين الذين غدروا بهم.
ولكن مرة اخرى ، اقول اننا تخلفنا عن التكفير عن آثامنا نحن في عام 1915. فقد شهد ذلك العام ذروة جريمة الابادة التي ارتكبها العثمانيون المسلمون ضد المسيحيين الأرمن (8). وقام سفراء الله في الأرض بتغييب أكثر من مليون مسيحي عن طريق التهجير والتجويع وحمامات الدم. لماذا لا أسمع كثيرين منا يدعون الأتراك الى تعويض الضحايا؟ ينبغي ان نغضب ، لا سيما وأن الأرمن لا يريدون استعادة أي شيء من ممتلكاتهم بل مجرد الاعتذار منهم. هل المسلمون منهمكون في التشبث بسمو قضية المغدورين منهم بحيث لا نرى كيف اننا نغدر بالآخرين؟
نحن المسلمين لسنا الوحيدين الذين تعيَّن عليهم القبول بالأقل من القوى الاستعمارية. فاليهود ايضا كانوا ضحية خيانات. كان ذلك في عام 1921. ومن الأرض التي حددتها بريطانيا لتكون وطن اليهود القومي ذهب نحو اربعة اخماس للعرب من اجل اقامة ما سيغدو الاردن. وبعد عامين فقط تنازلت بريطانيا عن مزيد من الاراضي المخصصة لليهود ، هذه المرة الى سوريا. ولكن حينذاك ، كما الآن ، كانت التنازلات المفروضة على اليهود لا تعني شيئا للقادة المسلمين.
هل تعرفون اسم الحاج امين الحسيني؟ ينبغي ان نعرفوه. فقد اصبح مفتي القدس في عام 1921 ورئيس المجلس الاسلامي الأعلى في عام 1922. ورغم انتخاب الحاج امين لرئاسة المجلس حسب الاصول فان انتخابات لم تُجر قط خلال رئاسته التي استمرت 15 عاما. ومن خلال تصميمه الثابت على تخليص فلسطين من اليهود كشف المفتي ان لا كوابح اخلاقية لديه إزاء التخويل بقتل العرب. فالذين يعترضون طريقه كانوا يعترضون طريق الله. ومع تصاعد الخطر النازي في اوروبا تعاظمت هجرة اليهود ـ وتعاظم معها طغيان الحاج امين. ولاحظ تقرير لجنة بيل the Peel Commission التي شكلتها الحكومة البريطانية حول الاضطرابات المدنية في فلسطين عام 1937 ، "ان يُشتبه عربي في ضعف التزامه بالقضية القومية فان ذلك يعني زيارته من قبل مجموعة من المسلحين". واضاف التقرير ان "عددا من العرب طلبوا حماية الحكومة [ البريطانية ]" (9). وعليه فان تحميل اليهود مسؤولية "الارهاب الداخلي" الذي كان العرب يمارسونه سيكون اكذوبة اخرى.
ما حدث تاليا جزء من التاريخ نادرا ما نسمعه يُذكر هذه الأيام. ففي عام 1939 إذ كانت بريطانيا منهكةً بالاضطرابات المتزايدة في الشرق الأوسط ومهتمةً بالتركيز على هزم هتلر ، قدَّمت الى الفلسطينيين خطة لاقامة دولة كاملة (10). وكانت بنود الخطة: أن يعيش العرب واليهود في كيان سياسي واحد يكون تحت السيطرة الفلسطينية في غضون عشر سنوات. في هذه الأثناء ، يجري خفض حاد في شراء اليهود للاراضي وفي الهجرة اليهودية الى فلسطين. وعند نيل الاستقلال يمكن للفلسطينيين ان يقرروا سياسة الهجرة التي يرتأونها. وهذا حكم ذاتي بكل المعايير. قال ممثلو العرب ان ذلك ليس كافيا. وإذ كان المفاوضون العرب خاضعين لتأثير مفتي القدس الذي رفضت بريطانيا التحادث معه مباشرة ، أرادوا التحرير في نصف الفترة الزمنية ، وإلا فان بامكان بريطانيا ان تشرب من ماء البحر.
ولكن الناس البسطاء المساكين هم الذين دفعوا ثمن هذا التعنت. ورجال المفتي في رفضهم المبادرة البريطانية لم يستشيروا قط مزارعي فلسطين وتجارها. ويبدو ان عامة الشعب لم تكن موافقة على اجندة النخبة. وبحسب تقرير صحيفة بريطانية في عام 1938 فان غالبية سكان القرى "لا يكنَّون تعاطفا كبيرا مع المتمردين العرب الذين يحاولون ان يوقفوا مد الهجرة اليهودية ويطالبون بحكومة عربية لفلسطين. فهم لا يريدون سوى ان يُترَكوا لحالهم كي يزرعوا ويجنوا حصاد زرعم ، ويتزوجوا ويجدوا ما يسد أودهم في هذه الأوقات العصيبة لرعاية عائلاتهم" (11). وبعدما أُفقِروا سياسيا على يد زعمائهم وجد الفلسطينيون انفسهم محرومين اقتصاديا كذلك. ونشر ثمانية فدائيين فلسطينيين سابقين بيانا اتهموا فيه مفتي القدس باساءة استخدام "مبالغ لا تُقدر من المال الذي تم تسلمه من قوى خارجية. وهذه تُعد بملايين الجنيهات ولكن هل يستطيع الحاج امين أن يشير الى جامع واحد أو مدرسة واحدة أو مستشفى واحد بناه خلال ولايته؟ هل بنى مأوى أو ملجأ أو مشروعا خيريا أو سبيلا يشرب منه المشردون المساكين" (12).
لنكن صريحين عن غير ذلك مما حدث خلال سنوات النازية: تواطؤ المسلمين مع الهولوكوست. فان الحاج أمين ، العالِم التقيّ نفسه الذي مارس مهاراته في الاغتيال على العرب ، ضغط على بريطانيا لإبعاد سفن محملة باللاجئين اليهود كانت متجهة الى فلسطين. وقد غرق البعض في مياه البحر المتوسط وأُعيد البعض الآخر الى غرف الغاز والمحارق في اوروبا. وظل المفتي سادرا فمنع اطفالا كرواتيين ـ الكثير منهم يتامى ـ من الوصول الى أرض القدس. ولكن حساباته كانت مع ذلك تذهب الى ان الحد من نمو السكان اليهود لن يكون كافيا لضمان فلسطين عربية فور انتهاء الحرب. ومن أجل ذلك كان المفتي يحتاج الى ان يكون معروفا وموثوقا وصاحب فضل عند معسكر المنتصر. وإذ راهن وصلى من اجل انتصار هتلر قام الحاج امين بزيارة شخصية للفوهرر. وأصبح شعر المفتي الأشقر وعيناه الزرقاوان مقياسا للمصداقية مطمئنا هتلر الى أن الحاج أمين ، بحسب كلمات هتلر نفسه ، "ربما كان يتحدر من أشرف نَسب روماني" (13) . وانتهى المآل بالمفتي ضيفا خاصا على هتلر في برلين حيث برعايته أُزيح الستار عن المعهد المركزي الاسلامي في ديسمبير ( كانون الأول ) عام 1942.
كما قام الحاج امين بجولات على البلقان لتجنيد متطوعين مسلمين في المجهود الحربي لدول المحور. ولم يرفض بعض المسلمين البوسنيين مغازلاته لهم فحسب بل نشطوا في اخفاء يهود داخل بيوتهم. ( عندما قامت اسرائيل بتكريم عائلة بوسنية من هؤلاء في ستينات القرن الماضي باحتفال في القدس قرر افراد العائلة البقاء واكتساب الجنسية الاسرائيلية ) (14). وضحى مسلمون آخرون من الهند وآسيا الوسطى ، ومن فلسطين ، نعم فلسطين ، بحياتهم لخدمة قضية الحلفاء. ولكن قبل أن نعلن بصوابية ان الهولوكوست حدثت في اوروبا المسيحية دعونا نمعن النظر في المرآة. فان الكثير من المسلمين ربطوا مستقبلهم بهتلر. وفي عام 1943 القى الحاج أمين كلمة في رجال الأس أس البوسنيين مؤكدا لهم ان الاسلام والنازية يشتركان في الالتزام بالنظام الاجتماعي ومؤسسة العائلة والعمل المثابر والكفاح الدائم ـ لا سيما ضد الأميركيين والانجليز واليهود. ومن عاصمة الرايخ راح الحاج أمين يبث الدعاية النازية الى العالم العربي. وفي 1 مارس ( آذار ) 1944 كان فحيحه يُسمع في المذياع من راديو برلين وهو ينادي: "اقتلوا اليهود اينما وجدتوهم. ففي ذلك مرضاة لله والتاريخ والدين ، وحماية لشرفكم. والله معكم" (15). وتشير الرسائل الموجهة من مستمعين عرب الى دبلوماسيين المان في بغداد وبيروت الى ان رسالة المفتي كان لها تأثيرها.
ورغم ان المفتي خسر رهانه على هتلر فقد أفلت من وصمة نعتِه بمجرم حرب. وعندما اعتُقل في فرنسا بعد الحرب أفلح في الفرار من قبضة الحلفاء وتوجه في نهاية المطاف الى مصر. ورحبت الجامعة العربية حديثة التأسيس بعودة الحاج أمين. هل من الجائز ان تكون هذه الحفاوة البالغة قد شرعنت موقف المفتي الاوتوقراطي من الفلسطينيين؟ سؤال يستحق التوقف عنه. فان مهندسا يُدعى عرفات ( كنيته الحقيقية وهي الحسيني ، تجعله محسوبا على عائلة الحاج امين ) سيتعلم فنون "القيادة" في وقت مبكر بما فيه الكفاية. يا تُرى أين تلقى تدريبه في رفض السلام مع اليهود وممارسة الارهاب ضد شعبه وهدر الأموال المخصصة لتنميته؟
اننا بحاجة الى مراجعة صادقة على جبهة اخرى في فترة ما بعد الهولوكسوت: لماذا ولِدت اسرائيل في النهاية لكن فلسطين ولِدت ميتة. في عام 1947 اقترحت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين مقتطعة 45 في المائة من ارضها لإقامة دولة عربية و55 في المائة لدولة يهودية على ان تكون القدس مدينة مشتركة بإشراف دولي. والمسلمون عموما لا يكِّفون عن الشكوى من أن اليهود كانوا سيحصلون على أميال مربعة أكثر من نصيب العرب. وأنا اعتقد اننا ابتعدنا أميالا عن الصدق بهذه الشكوى الضحلة. فنحن نادرا ما نعترف بأن الدولة اليهودية المقتَرَحة على صحراء النقب في الغالب ، كانت ستُقتَطع من أقل الاراضي الفلسطينية خصوبة. يضاف الى ذلك ان الدولة الفلسطينية المقترَحة كانت ستتباهى بغالبية عربية ساحقة من السكان ، الشيء الذي ما كان متاحا للدولة اليهودية التي كانت ستضم غالبية ضئيلة فقط من اليهود (16). وأيا تكن تظلماتهم فقد كان اليهود قادرين على العيش مع "الآخر" وقبلوا بمشروع الامم المتحدة ، وبعد ستة اشهر اعلنوا الاستقلال.
العرب لم يقبلوا ، فشنوا حربا على اسرائيل وخسروا حتى مزيدا من الأرض. ولعل ما هو اسوأ للفلسطينيين الاعتياديين ان الأنظمة العربية المختلفة التي استحوذت على اراضيهم بعد تلك الحرب ، لم تفعل سوى تكريس غياب الديمقراطية الذي كان الحالة السائدة قبل الحرب. هاكم ما يقوله الباحث المرموق برنارد لويس. فهو يلاحظ انه "بين 1949 و 1967 ادَّعت الجامعة العربية ، وخاصة الدول العربية التي تحتل اجزاء من فلسطين ، انها تتحدث باسم الفلسطينيين وكانت تثبِّط ـ واحيانا حتى تمنع ـ أي مشاركة فلسطينية نشيطة في العملية السياسية" (17). مرة اخرى مَنْ يخون مَنْ؟
كلا ، لم أنس الحرب الباردة. فإبتداء من اواخر الأربعينات حتى ستينات القرن الماضي حوَّل استراتيجيو القوى العظمة منطقة الشرق الأوسط الى مسرح دمى. وعندي أن من اشد الأمثلة على الاستغلال خسة لم يكن من الولايات المتحدة وانما من الاتحاد السوفياتي: كان جوزيف ستالين صدَّر اسلحة من تشيكوسلوفاكيا الى اسرائيل وساعد اليهود على الصمود بوجه الهجوم الأول الذي شنه العرب. ولكن بعد فترة قصيرة على انتصار اسرائيل في عام 1948 انقلب ستالين على اسرائيل المتجهة نحو التحالف مع اميركا ، وأخذ يسلح العرب. وكان الزعيم المصري جمال عبد الناصر هو الزبون المفضَّل.
وخلال العقدين التاليين ظن العرب انهم وجدوا حفيد صلاح الدين ، القائد العسكري الذي صد بذكاء جحافل المسيحية خلال الحرب الصليبية على أرض القدس. وقد ألهب الضابط المصري الذي صار رئيس الجمهورية ، وعيا جمعيا بين العرب في كل مكان بتحدي سند اسرائيل الرئيسي ، الولايات المتحدة.
ان معاداة اميركا لا تعدل مناهضة الاستعمار. وهذا ما أثبته عبد الناصر. ففي عهده غالت مصر في استنشاق المخدر الايديولوجي السوفياتي مراهنة على الاشتراكية لتحقيق نهضة اقتصادية وثقافية. وعلى سبيل المثال أمم عبد الناصر كبرى جامعات القاهرة ، الأزهر ، مكافئ جامعة هارفارد في تدريس علوم الدين والشريعة عند الاسلام السني. وكان لهذه المحاولة الرامية الى التسريع بإشاعة العولمة مردود عكسي. ويكتب جايلز كيبل Gilles Kepel في عمله "الجهاد: مسيرة الاسلام السياسي" Jihad: The Trail of Political Islam "ان نظام عبد الناصر بربطه مؤسسة الأزهر بعد إصلاحها ربطا مباشرا للغاية بالدولة جردها من مصداقيتها. ونشأ فراغ يمكن أن يملأه كل مَنْ عنده استعداد للتشكيك في الدولة ونقد الحكومات بإسم الاسلام" (18).
وكان الفراغ على وشك ان يُملأ. وإذ كان العرب مدججين بما لديهم من سلاح ومشحونين بما عندهم من كبرياء ، أُخِذوا بحلم الثأر من الاحتلال الصهيوني. وبدلا من ذلك فان هامة جيل جديد تماما تكللت بالعار عندما انتصرت اسرائيل على مصر وحلفائها الاقليميين في حرب 1967. وتُرجمت تلك المهانة الى ضياع القدس الذي لم يكن من قبل في تصور أحد ، وانهيار هوية ، ونهاية الاشتراكية العلمانية بوصفها مذهبا تعبويا.
وإذ كان الأصوليون الدينيون ينظمون قواهم منذ عشرينات القرن الماضي فقد تقدموا لملء الفراغ بتوكيدات دعائية تعلن ان "الاسلام هو الحل". ولم يكن لديهم شح في المستعمين اليهم ، أو الدولارات في غضون سنوات قليلة من ذلك. وأوجد تدفق الثروات النفطية على دول مثل العربية السعودية التي تتبنى شكلا صفائيا وعقابيا من الاسلام ، مصادر تمويل لأشد المسلمين راديكالية. ويقول الكاتب الليبرالي المصري جابر عصفور متأسيا ، "كان أملهم الكبير معقودا على ان التحول الى الاسلام المتزمت سيمدهم بالقوة لتحقيق النصر النهائي على الصهيونية واسرائيل" (19).
لقد كرَّت السبحة لنعود معها الى فلسطين. وإذ تعاظم زخم الاسلام المتشدد عمد ياسر عرفات الى توظيف مفردات الدين وصوره لغايات سياسية. وفي منتصف السبعينات استحضر مفردة "الشهيد" من دون أي دلالة قرآنية. وبعد خمسة وعشرين عاما فان شبانا فلسطينيين لا يفجِّرون انفسهم ومعهم مدنيين بإسم الله فحسب بل ويمازحون بعضهم بعضا عن مصير الشهداء المشكوك فيه الآن عند دخولهم الجنة. إذ يقول البروفيسور العربي الاسرائيلي محمد ابو سمرة: يتضح في بعض النكات ان الحوريات بلا جنس ، أو ان النبيذ بلا كحول". وهذه النكات "تعبر عن نوع من عدم الثقة في ما يعد به الدين الاسلامي في الآخرة". فالاسلام بيد اولئك الذين استخدموا الروحانية سيفا بتارا ، لم يكن حلا بالمرة. ذلك ان الكتب المدرسية والبرامج والاحتجاجات الفلسطينية مشبعة بالحماسة الاسلامية ولكن كما يقول ابو سمرة في تلخيصه لمزاج الشارع الفلسطيني فان "كل شيء يبدو محكوما عليه بالفشل والفساد" (20). وفي هذا اوجه شبه بما قالته الأميركية المسلمة في قبة الصخرة خلال حديثي معها.
بعد شهرين على ذلك الحديث قامر وزير سابق في حكومة عرفات بأمنه من اجل نزاهته. إذ كتب نبيل عَمرو نداء دعا فيه الى المراجعة في احدى الصحف الرسمية للسلطة الفلسطينية ( شهادة على جرأة رئيس التحرير في نشره ). وقال عمرو مخاطبا عرفات ، "اننا يا سيادة الرئيس نستريح الى اختلاق الأعذار". وفي تذكير بالرسالة المفتوحة التي وجهها فدائيون سابقون الى مفتي القدس قبل اكثر من خمسين عاما ، اتهم عمرو الرئيس الفلسطيني بهدر المساعدات الدولية والتفريط بإرادة العالم الخيرة فضلا عن تفويت الفرصة التي يوفرها المقترح المشروع بالتعايش مع اسرائيل. ومن منظور مسؤول من داخل البيت الفلسطيني نفسه فضح عمرو "العقلية القَبَلية" للسياسيين الفلسطينيين مشيرا الى انهم رجال يتلفعون برداء الطقوس الديمقراطية لكنهم انانيون عراة تحت ثوبها الخارجي. وفي الختام كتب عمرو "اننا ارتكبنا اخطاء فادحة بحق شعبنا وسلطتنا وحلمنا بالدولة. وللتكفير عن هذه الأخطاء يجب ان نعترف بفشلنا اولا ثم نشرع فورا بالعمل. ان شعبنا نبيل ويستحق منا الالتزام بالتفكير معه ومن اجل مصلحته. فنحن لا نستطيع ان نترك مصير شعبنا نهبا للمصادفة وهي مصادفة قد تستغرق في النظام العالمي الجديد دهرا آخر من النضال دون ان تفتح بابا للأمل" (21).
نجا نبيل عمرو من الرصاصات التي اطلقها على منزله زعران فلسطينيون. ومنذ بيانه هذا انبرى بعض الفلسطينيين الآخرين لترديد افكاره علنا ، واقروا بأن اسرائيل ليست المسؤول الأول والأخير عن اضطهاد شعبهم. فلماذا نحن في الغرب ننظر الى اسرائيل بصورة متزايدة على انها هي "الأفعى" ذات السم الزعاف؟
الناشطون من اجل فلسطين يعمدون الى تسخين الحرارة العاطفية لطروحاتهم. انظروا الى شعبية الطرح الذي يقارن اسرائيل بنظام الفصل العنصري السابق في جنوب افريقا.
قبل زيارتي لمدينة رام الله كنتُ ابحث عن معلومات حول شريط "وعود" Promises ، وهو فيلم وثائقي رُشح لجائزة الاوسكار عن اطفال عرب ويهود يعيشون في القدس. وعلى الرغم من تضلُّع هؤلاء الأطفال في الخطابية التناحرية فان بعضهم يغيِّرون نبرتهم بعد اللقاء فيما بينهم. أحد المناضلين الفلسطينيين لم يتحمل مثل هذه المحبة ـ أو حقيقة ان اثنين من السينمائيين الثلاثة كانوا من اليهود الأميركيين. فأرغى على موقع arabia.com قائلا ان الفيلم الوثائقي "دعاية يمارسها صهاينة من الجيل الثاني. ولو أُنتج فيلم وثائقي في جنوب افريقيا لقياس حدة العواطف بين السود والبيض خلال حكم الابارتهايد ( الفصل العنصري ) لوَصَف قلة من الناس كلمات السود الغاضبة ضد البيض بأنها عنصرية سوداء" (22). وكما تعرفون ففي رام الله سمعتُ الحديث يتطرق مرة اخرى الى جنوب افريقيا.
بعد العودة الى تورنتو علمتُ ان مجموعة للتضامن مع فلسطين تستضيف اكاديميا من جنوب افريقيا للترويج بان اسرائيل دولة عنصرية على نطاق واسع في الجامعات الأميركية الشمالية (23). وعندما تحدث هذا الأكاديمي في جامعة تورنتو ـ في قاعة رايكمان فاميلي ـ عقد مقارنة مع نظام الابارتهايد السابق لتبيان اوجه الشبه ، مثل منع اسرائيل للزيجات "المختلطة". فالازواج من ديانات مختلفة ، أكانوا متزوجين أو غير متزوجين ، يستطيعون العيش معا في اسرائيل ، وحفل الزفاف الذي يُقام في شكل مراسم دينية ، هو الذي لا يُسمَح به داخل البلد. واكتشفتُ لاحقا أن ما لم يذكره الأكاديمي هو ان برلمانيا يهوديا تقدم مؤخرا بمشروع قانون لإجازة الزيجات العلمانية ـ وان النواب المسلمين تحالفوا مع اليهود الأرثوذكسيين والأرثوذكسيين المتطرفين لإجهاض مشروع القانون (24).
هل يكون بوسع نواب مسلمين عرب استخدام حق النقض ( الفيتو ) ضد أي شيء في دولة عنصرية؟ وهل سيكون للعرب الذين يشكلون نسبة 20 في المائة من السكان ، حق الانتخاب إذا كانت العنصرية تجثم على صدورهم؟ هل ستمنح الدولة العنصرية حق التصويت للنساء والفقراء في الانتخابات المحلية ، وهو ما فعلته اسرائيل لأول مرة في تاريخ العرب الفلسطينيين؟ هل ستتوجه الغالبية العظمى من المواطنين الاسرائيليين العرب الى صناديق الاقتراع للادلاء بأصواتهم في انتخابات وطنية ، كما يفعلون عادة؟ هل يمكن لعدة احزاب سياسية عربية ان تمارس النشاط في دولة عنصرية ، كما تمارسه في اسرائيل؟ هل سيكون القضاء بعيدا عن التدخل السياسي؟ ففي الانتخابات الاسرائيلية عام 2003 جُرِّد حزبان عربيان من حق المشاركة لدعمهما الارهاب ضد الدولة العبرية دعما صريحا. وقد الغت المحكمة العليا الاسرائيلية القرارين الصادرين بحظر مشاركة الحزبين في حكم مارست من خلاله استقلالها.
هل ستمنح دولة عنصرية أكبر جوائزها الأدبية الى عربي؟ فإن اسرائيل كرَّمت اميل حبيبي في عام 1986 قبل اندلاع أي انتفاضة ربما كانت ستجعل مثل هذا الاختيار تكتيكا سياسيا ذكيا. هل تشجع الدولة العنصرية تلاميذها الناطقين بالعبرية على تعلم العربية؟ هل ستُكتب علامات الطرق في عموم البلاد باللغتين؟ ( حتى كندا التي تعتز بكونها ناطقة بلغتين لا ترتقي الى هذا المستوى ). هل تكون الدولة العنصرية موطن جامعات يختلط فيها العرب واليهود كما يشاؤون ، ويكون لديها عمارات سكنية يعيشون فيها بجوار بعضهم بعضا؟ هل توفر الدولة العنصرية رعاية واعانات اجتماعية وحماية قانونية للفلسطينيين الذين يعيشون خارج اسرائيل لكنهم يعملون داخل حدودها؟ هل يمكن لمنظمات حقوق انسان ان تمارس نشاطها علنا في دولة عنصرية؟ هذا ما تفعله هذه المنظمات في اسرائيل. ومن هذه الناحية حتى المسؤولون العسكريون يجاهرون بانتقاداتهم لسياسات الحكومة. ففي اكتوبر ( تشرين الأول ) عام 2003 صرح رئيس اركان قوات الدفاع الاسرائيلية للصحافة ان غلق الطرق في الضفة الغربية وقطاع غزة يُذكي غضب الفلسطينيين. وبعد اسبوعين حمل اربعة رؤساء سابقين لجهاز الأمن الاسرائيلي "شن بيت" على الاحتلال داعين ارييل شارون الى سحب قواته من جانب واحد. هل تطيق الدولة العنصرية مثل هذه المعارضة من جانب المكلفين بالدفاع عن الدولة؟
وفي المقام الأول ، هل تناقش وسائل الاعلام اللبنات الاساسية في بناء الأمة؟ هل يمكن لصحيفة عبرية ان تنشر في دولة عنصرية مقالة بقلم مواطن من عرب اسرائيل موضوعها لماذا "كانت المغامرة الصهيونية فشلا ذريعا"؟ (25) هل يمكن نشر مثل هذه المقالة في عيد استقلال اسرائيل؟ هل تضمن الدولة العنصرية توافر الظروف لأوسع حرية تتمتع بها صحافة عربية في الشرق الأوسط ، صحافة حرة بحيث تستطيع اساءة استخدام حرياتها على نحو ظاهر وتستمر في الصدور؟ ( حتى هذا اليوم لم تتراجع صحيفة "القدس" الصادرة في القدس الشرقية عن نشر رسالة معادية لاسرائيل بقلم نلسون مانديلا على ما يُفتَرَض ولكن ثبت أن كاتبها عربي يعيش في هولندا ) (26).
حتى الملك غير المتوَّج للروح الوطنية الفلسطينية ، الراحل ادوارد سعيد قال بصراحة "ان اسرائيل ليست جنوب افريقيا..." (27) وكيف يمكن لها ان تكون وقد ترجم ناشر اسرائيلي عمل سعيد الريادي ، "الاستشراق" ، الى العبرية؟ وسأختم هذه النقطة بسؤال طرحه سعيد نفسه على العرب: "لماذا لا نناضل نضالا أشد من أجل حرية الرأي في مجتمعاتنا ، وهي حرية غني عن القول انها نادرا ما تكون موجودة؟" (28)
أنا اختلف معه. إذ لا غنى عن القول للبعض ان "الحريات" العربية لا تُقارن مع الحريات في اسرائيل. ومَنْ يحتاج الى التذكير بذلك هم اولئك الذين يدفعون المقارنة مع جنوب افريقيا خطوة أبعد ـ مساوين اسرائيل بالمانيا النازية. فعندهم يرتكب الصهاينة جرائم كراهية في ظل كابوس توتاليتاري يسمونه "النازية الصهيونية" Zio-Nazism على غرار النازية الجديدة neo-Nazim .
ظهر اعداء النازية الصهيونية الالداء على المسرح الدولي لأول مرة في اغسطس ( آب ) 2001. ففي منتديات عقدت في اطار التحضير لمؤتمر الامم المتحدة حول العنصرية في دربان بجنوب فريقيا ، وزع اتحاد المحامين العرب رسوما كاريكاتيرية تصور الجنود الاسرائيليين في هيئة مصاصي الدماء واعلام نازية ترفوف على خوذهم (29). وكان احد هؤلاء الجنود يقف حارسا على باب مكتب فلسطيني مغلق بألواح خشبية دُقَّت لتكون على شكل الصليب المعقوف. وكان منشور آخر مؤيد للفلسطينيين طبع الصليب المعقوف على نجمة داود. وأخبث الملصقات التي وُزعت في دربان يصوُّر هتلر وهو يتساءل ، "ماذا لو انتصرتُ؟" وذلك تحت عنوان "أشياء جيدة" ، ويظهر الفوهرر في هذا الملصق وهو يجيب ، "لما كانت هناك اسرائيل ولما سُفك الدم الفلسطيني. ولكم ان تحزروا الباقي".
كيف يمكن لأحد أن يدَّعي مكافحة النازية وهو يناصر هتلر؟ لكم ان تحزروا ما هو الجواب.
اني اشعر بالاشمئزاز من حجم الالهام الزائد الذي يستمده هؤلاء المتولعون بفن التكتيك من هتلر. وليس من قبيل المصادفة ان الجنود الاسرائيليين في الرسوم الكاريكاتيرية التي وزِّعت في مؤتمر دربان كان عندهم انياب تقطر دما. فان كثرة من المثقفين والصحافيين والسياسيين المسلمين العرب يقولون لجمهورهم ان اليهود نازيون لأنهم يمتصون دم الاطفال غير اليهود لاداء طقوسهم الدينية(30). وكانت هذه الفرية ذاتها ، المعروف بأنها تشهير باستخدام الدم ، من التهويشات المفضلة ضد اليهود في المطبوع النازي دير شتورمر Sturmer Der. وبهذه الطريقة ايضا يقفز بعض الحاقدين على اسرائيل للنوم في سرير واحد مع هتلر. وهم يحاكون النازيين لمعارضة ما يسمونه نازية. اني بكل بساطة عاجزة عن الفهم.
ويجري التهادن مع منطقهم الأفلج على اعلى المستويات الدبلوماسية. فان شخصيبة لا تقل عن وزير الدفاع السوري نفسه تنشر كتبا وتنتج فيلما لتصوير اليهود على انهم مصاصو دماء ، وبالمناسبه انهم مصاصو دماء ليس بالمعنى المجازي بل مصاصو دماء بالمعنى الحرفي (31). ولكن سوريا بدلا من ان يتعيَّن عليها أن توضح موقفها في المؤتمر العالمي للامم المتحدة ضد العنصرية ، انضمت الى عضوية لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة من 2001 الى 2003. وهذا بالاضافة الى انتخابها عضوا دوريا في مجلس الامن الدولي ذي السمعة العالية. هل انتم مستعدون لرصاصة الرحمة الآن؟ كانت اسرائيل البلد الوحيد في العالم الذي تعرض الى انتقادات في وثائق قُدمت الى المؤتمر الرسمي للامم المتحدة ضد العنصرية. فلماذا هذا الانفصام الأخلاقي الصارخ؟
افتوني مأجورين!
في التحليل النهائي اعتقد ان الأمر يتعلق بكيفية تعريف الصهيونية. فالصهيونية عند دعاتها تمثل عودة شعب مضطَهد تاريخيا ومتناقص ديموغرافيا الى وطنه (32). ولكن الصهيونية عند خصومها عنصرية ـ ايديولوجيا يحتضنها يهود اوروبيون اثرياء استثمروا الافتراض القائل ان "شعب الله المختار" يستطيع ان يسرق اراضي الغير ويستوطنها من خلال قانون تمييزي اسمه "قانون العودة" (33). ويسري القانون على صفة واحدة خاصة واستبعادية هي النَسَب اليهودي. ومثلما كان الرايخ الثالث يتغنى بالنقاء العرقي للآريين فان اسرائيل قائمة لتكريس امتياز اليهود البيولوجي.
لنعطِ كل ذي حق حقه. فان ديفيد ماتاس David Matas ، المحامي الدولي الشهير في مجال حقوق الانسان ، يذهب الى ان من الغريب وضع الصهيونية والعنصرية في خانة واحدة. وهو يذكِّرنا "ان اليهود ينتمون الى كل الألوان. فهناك يهود سود ـ الفلاشا ـ نُقلوا جوا من اثيوبيا الى اسرائيل بموجب "قانون العودة" (34). وهذا يدفعني الى التفكير في انه إذا كان الناشطون المؤيدون للفلسطينيين حريصين على الحد الأدنى من الدقة بدلا من الحماسة فان رسومهم الكاريكاتيرية ستعمل على أبلسة جنود اسرائيليين ذوي بشرة سمراء، بل وجنود سود. لماذا يكون الأشرار كلهم من البيض ، ودائما؟ سؤالي يقود الى السؤال الأكبر الذي يطرحه ماتاس وهو هل يمكن وصم قانون العودة الذي يشمل كل الأعراق بـ"العنصرية" على اسس مشروعة؟ سؤال وجيه. لكني ادرك ايضا ان جنديا يهوديا اثيوبيا في الثامنة عشرة من العمر يستطيع في اسرائيل ان يطلب من عربي في الستين ان يريه بطاقة هويته. فهذا العربي وعائلته الذين حرثوا الأرض القدس منذ أجيال عليهم الآن ان يخنعوا امام صبي له في اسرائيل ثمانية اشهر. استطيع أن افهم لماذا يشعر العربي بالمهانة. فهو ايضا لديه قضية وجيهة. أين يتركنا ذلك؟
حين يتعلق الأمر بالجنسية فان اسرائيل حقا تمارس التمييز. ومثلما تميِّز سياسة العمل الايجابي ، تمنح اسرائيل الأفضلية الى غالبية محدَّدة لَحَقَ بها ظلم تاريخي. وبهذا المعنى فان الدولة العبرية كيان يعتمد العمل الايجابي. وينبغي على الليبراليين ان يرقصوا لذلك.
هل يُعد عمل اسرائيل الايجابي نازية؟ ارحموني يا جماعة. فأنا كمسلمة استطيع ان اصبح مواطنة اسرائيلية من دون اعتناق الديانة اليهودية ، وسيتحقق ذلك في اطار عملية التأقلم وليس بموجب قانون العودة ، لكنه سيتحقق. فقد كانت اسرائيل واحدة من البلدان القليلة في العالم التي قدمت مأوى ثم منحت الجنسية للهاربين بالقوارب من الفيتناميين الذين طلبوا اللجوء السياسي في اواخر السبعينات. وليس علي ان اتساءل كيف سيبدو سجل سوريا في هذا المجال. والآن الى الدليل النهائي على التهمة الواهية بأن اسرائيل بؤرة للكراهية الهتلرية: انها البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يهاجر اليه مسيحيون عرب بإرادتهم. وهم يزدهرون ايضا مسجلين نسبة حضور اعلى بكثير في الجامعات من مواطني اسرائيل المسلمين العرب ويتمتعون عموما بصحة أحسن من اليهود أنفسهم (35).
ان الأرض الموعودة مرتين ارض مريرة ومعقدة. فان لدى اليهود الاسرائيليين صراعاتهم مع بعضهم بعضا ، ناهيكم عن المواجهات اليومية مع العرب. ولا جدوى تُذكر في تحديد مَنْ يجسِّد المنكر أو المعروف. السؤال الأجدى ربما كان مَنْ عنده استعداد لسماع ما لا يريد سماعه؟ أجد ان اسرائيل تضفي قدرا من الرحمة على "الاستعمار" أكبر مما اسبغه خصومها ذات يوم على "التحرير". والدولة العبرية تعالج التوترات بصورة مكشوفة وهذا من سمات الديمقراطية الحق. فهل يمكن رؤية ديمقراطية ذات معنى في أي دولة اسلامية اليوم؟
إذا لم تكن الامبريالية الاسرائيلية سدادة القمقم الذي يحوي ماردنا الديمقراطي فمن الجائز ان تقولوا لي ان الولايات المتحدة هي هذه السدادة. أنسوا الاسلاميين الذين التَبَسَت عليهم الرؤية. فان مسلمين اصلاحيين لا حصر لهم يعتبرون ان اميركا هي "المشكلة" . وهذا استنتاج مريح لا سيما وان قوة الولايات المتحدة مرمى سهام من كل الاتجاهات. ولكن تحت كل مظاهر الاستجهان والشعارات يكمن اعجاب اسلامي بـ.....أميركا.
لنعد الى اسرائيل لحظة. صادفني مشهد سوريالي وأنا اتجول في سوق الحي الذي يسكنه المسلمون من القدس. فقد كانت تتدلى فوق رأسي بألوان سوداء وبرتقالية تُعيد الى الأذهان عشية عيد القديسين (الهالاوين) ، يافطتان تعلنان عن "مقهى الصخرة المقدسة". ولم يترك العنوان مجالا للشك في السمعة التي يُفترَض أن يستحضرها اسم "الصخرة المقدسة" the Holy Rock ، مستوحيا "مقهى الصخرة الصلدة" the Hard Rock Café في اميركا نفسها (36). ذلك ان هذا المطعم الذي لا يمتاز إلا بغياب الشروط الصحية والزينة ، ليس فرعا من الأصل الشهير أو مرخصا له باستعمال اسمه ولكنه مع ذلك كان يحاكي ما في أميركا. لديّ حدس بأن وكالة المخابرات المركزية ( سي آي أيه ) لم تكن هي التي حملت المطعم على ذلك.
توماس فريدمان Thomas Friedman معلق الشؤون الدولية في صحيقة نيويورك تايمز ، كانت له تجربة مماثلة في الدوحة بقطر. فهو إذ كان يتجول في ما كان يأمل بأنه منطقة قَطَرية أصيلة ، استدار عند ركن الشارع "وفجأة ظهرت امامي كأنها بقعة هائلة على الأفق يافطة تعلن تاكو بيل Taco Bell". والأنكى من ذلك ، بحسب ما يؤكد ، ان المحل "كان مزدحما!"(37)
أو لا تلحظون ما أرمي اليه؟ عندما يشجب المسلمون امبريالية الولايات المتحدة ، الله يعلم اننا لا نقصد دائما الامبريالية الثقافية. والحقيقة ان غالبية المسلمين لو خُيِّروا بين احتضان الثقافة الشعبية الغربية أو رفضها ، لاختاروا احتضانها بكل سرور. فالموسورون منهم يسجلون اطفالهم في مدارس بأميركا الشمالية واوروبا. وهذا ما تناوله بكل صراحة معلق في صحيفة "دون" DAWN الاسبوعية الباكستانية عندما كتب: "انصتوا الى مثقف أو ملا أو سياسي مسلم فتسمعوا سلسلة من الشكاوى والانتقادات ضد آثام الغرب بما ارتكبه من ظلم واجحاف....ثم إسألوه أي جامعة يريد ان يتعلم فيها اطفاله ، وسيعدد ، إذا كان صادقا ، اسماء أكبر الجامعات الأميركية. وإذا كانت له مكانته في بلده فانه لن يترك حجرا إلا وقلبه محاولا اقناع البعثة الأميركية بالتدخل لمنح ابنه مقعدا في كلية أو تأشيرة دراسة ، بل انه سيكذب من اجل الحصول على مساعدة مالية لإبنه باعلان افلاسه" (38). فلتسقط أميركا ـ ولكن ليس قبل ان يَتخرَّج ابني.
ثم هناك تجارب وخبرات تتعدى مجال التعليم. فان عدد العائلات المسلمة التي تقضي اجازاتها في الغرب يفوق بكثير عدد العائلات التي تستجم في العالم الاسلامي. وقناة "الجزيرة" الفضائية تبث اعلانات اميركية لترويج العطور وتبتاع برامج من الأرشيفات الاميركية. وعلى "مركز تلفزيون الشرق الاوسط" (ام بي سي) المنافس لقناة "الجزيرة" حطم برنامج "مَنْ يريد ان يربح المليون" ارقاما قياسية في عدد المشاهدين. وفي الأيام التي سبقت الانترنت كان الصحافيون في المنطقة يتلهفون على قراءة الصحف الغربية للاطلاع على معالجات اخبارية مستقلة. وكانوا يطمعون بوظائف يستطيعون من خلالها بلوغ مستويات مهنية عالية في العمل. والأعمق مغزى ان الطريق الى "غار حراء" الذي نزل فيه الوحي على النبي محمد ، كما هو شائع ، مفروش بعلب البيبسي كولا (39).
صوَّرت نورا كيفوركيان Nora Kevorkian ، وهي صديقة انتجت الفيلم الوثائقي "ما تحت الحجاب" Veils Uncovered ، الواقعة الآتية على شريط فيديو: في احدى اسواق دمشق تبتاع نساء ملفعات بالعباءات السود ، ملابس داخلية تقرب من الخلاعة الاميركية. فان احد السراويل التحتية النسوية ، الكهربائية ، يحمل نموذجا مضيئا "يغرد" للعصفور تويتي Tweety Bird ، الذي يظهر في سلسلة من افلام الكارتون. وسروال تحتي نسوي آخر يقدم الأرنب باغز باني Bugs Bunny وهو يشير الينا بغنج قائلا "بوسوني" Kiss me . وسروال تحتي ثالث يعزف لحن اغنية تتمنى للمستمعين ان يقضوا وقتا سعيدا بمناسبة عيد ميلاد المسيح
We Wish You a Merry Christmas ولكن البطاريات غير محسوبة ضمن سعر السروال المطرِب (40). ويقول البائع بحماسة عن هذه البضاعة ، "الكل تشتري". مَنْ يريد ان يربح مليونا؟ البائع يريد.
بلغ هيام المسلمين بالثقافة الغربية مبلغا استحدث اقاويل عن وجود مؤامرة يهودية. وفي الآونة الأخيرة شجب ملالي في شتى بقاع الشرق الأوسط "بوكيمون" Pokemon ( لعبة فيديو للاطفال ) بوصفها كلمة يابانية ترجمتها "أنا يهودي(41). وعزا عالم دين سعودي "جنون الـ"بوكيمون" الى "مؤامرة يهودية تهدف الى اكراه اطفالنا على التخلي عن دينهم وقيمهم وإلهائهم عن أمور أهم مثل طلب العلم" (42). لقد حُظرت بفتوى ايقونات الفسوق الصغيرة ـ وأنا لا اقصد بها الملالي.
حان الوقت لإبراز القضية الأعمق. فحقيقة ان الكثير من المسلمين يتطلعون الى النفوذ الأميركي توفر المفتاح الى فهم سبب غضبهم الشديد على واشنطن. والمسألة ليست مسألة حسد بقدر ما هي صداقة مطلوبة من جانب واحد فقط. فمن كل البضائع والخدمات التي تصدرها اميركا الى المجتمعات المسلمة تبقى البضاعة الأكبر ، بل الخدمة الأكبر ـ الحرية ـ أقلها رواجا. وسيهرش بعض الاميركيين رؤوسهم في حيرة متساءلين لماذا لا يُعترف لهم بالفضل في تحرير الكويت وحماية العربية السعودية من مخالب صدام حسين الكيمياوية في عام 1991. السبب ان غالبية العرب يعتقدون ان الولايات المتحدة انقذت العائلات المالكة ولم تنقذ الشعوب. ويكتب فريد زكريا ، رئيس تحرير نيوزويك انترناشنال
Newsweek International "ان هناك فارقا كبيرا" بين الاثنين. "فحتى في دول الخليج الغنية يلمس المرء مشاعر الاحباط والغضب بين السكان الذين مُنحوا شيئا من الثروة ولكن لم يُمنحوا صوتا ـ فهم حبيسو قفص من ذهب" (43).
والقفص احيانا لا يكون مصنوعا من الذهب. إذ تتحسر ربة بيت اسيرة بيتها قائلة في شريط "ما تحت الحجاب" ، "يعز عليَّ ان ارى العالم يعيش بحرية ، الشيء الذي لا نملكه. لماذا تختلف حياتنا كل هذا الاختلاف عن حياتهم؟" ثم تخلع عباءتها بتوجس ولكن بتصميم امام الكاميرا. وقالت ، "من المهم ان يرى العالم كيف نعيش حياتنا".
بلدها سوريا يتعامل مع الولايات المتحدة ـ التعامل الفظيع نفسه الذي تمارسه دول مسلمة اخرى. فان واشنطن تتعاقد معهم على تعذيب المعتقلين السياسيين الذين يُشتبه في أنهم ارهابيون. وبهذه الطريقة يمكن ان تدَّعي اميركا لنفسها سجلا لا غبار عليه نسبيا في مجال حقوق الانسان. المشكلة ان ناشطين من اجل حقوق الانسان يقعون بسهولة في الشبكة نفسها التي تصطاد مَنْ تقوم سوريا ومثيلاتها بتعذيبهم. وليس في هذا ما يصدم. ذلك ان دعاة حقوق الانسان هم "اعداء" عند الأنظمة السلطوية التي تتحالف معها الولايات المتحدة. لماذا لا تنبري اميركا للدفاع عن اصحاب هذه الاصوات اليتيمة الذين يعرِّضون حياتهم الى الخطر من اجل مُثُل الديمقراطية التي تصر اميركا على ضرورتها؟ لا يملك المسلمون من محبي الاصلاح إلا ان يتساءلوا ، هل اميركا معنا ـ أم مع الاوتوقراطيين؟
الرئيس جورج دبليو بوش تطرق الى هذا السؤال في يونيو ( حزيران ) 2002. وقال في كلمة القاها خلال حفل تخرج دفعة جديدة من اكاديمة ويست بوينت العسكرية ، "في مساعداتنا التنموية ، وفي جهودنا الدبلوماسية ، وفي ما نبثه من برامج موجهة الى الخارج ، وفي معوناتنا التربوية ، ستقوم الولايات المتحدة بتشجيع الاعتدال وحقوق الانسان" (44). وفي الشهر التالي واجه صِدْقُه اختبارا مصدره دولة من اكبر الدول الحليفة للولايات المتحدة ، هي مصر.
ففي يوليو ( تموز ) أُودِع سعد الدين ابراهيم السجن للمرة الثانية خلال عامين وقال ناشر صحيفة "القاهرة تايمز" Cairo Times ان الحكم عليه بالسجن سبع سنوات مع امكانية الأشغال الشاقة "يكاد يكون شهادة وفاة" تعلن موت الحقوق المدنية في مصر (45). ما أوصل استاذ السوسيولوجيا البالغ من العمر 65 عاما الى السجن يبقى غامضا. فهو صديق قديم للرئيس المصري حسني مبارك وهو الاستاذ الذي اشرف على رسالة السيدة سوزان مبارك لنيل شهادة الماجستير وكاتب خطابات لها. وكان ابراهيم يستضيف برنامجا تلفزيونيا اسبوعيا عن التنمية الاجتماعية وله ابحاث رائدة في دوافع المتشددين الاسلاميين وقام بتمثيل مصر في مؤتمرات دولية حول حقوق الانسان. ولكن هذا كله كان قبل 30 يونيو ( حزيران ) 2000 ـ ليلة القبض عليه. وخلال الأشهر الاربعة والعشرين التالية من التوقيفات المديدة والمحاكمات الصورية وفترات الحبس بات واضحا له ان "الذين أغضبتُهم قرروا التحرك لإلغاء سعد الدين ابراهيم من الحياة العامة في مصر" (46).
المرجَّح ان غضب خصومه الأسْوَد كان يغلي منذ منتصف التسعينات. ذلك ان ابراهيم بوصفه رئيس مركز ابن خلدون للدراسات التنموية في القاهرة ، شعر ان من واجبه إشباع عمله بروح صاحب الإسم الذي اطلقه على مركزه. فان ابن خلدون الذي كان من آخر عمالقة الفكر في عصر الاسلام الذهبي ، حوَّل التاريخ والسوسيولوجيا الى فرعين محترمين من فروع المعرفة. وعلى اكتاف هذا المفكر الرائد سطع اسم ابراهيم ـ في العالم العربي المسلم على الأقل ـ في عام 1994. فقد بادر الى تنظيم مؤتمر حول حقوق الأقليات ، وفي حينه كانت مصر تتمسك بقانون يفرض على المسيحيين الأقباط ان ينالوا موافقة الرئاسة قبل ان يتمكنوا من ترميم كنائسهم. وإذ طعن ابراهيم في نهج مصر الرسمي القائل ان المسلمين يعيشون في وئام تام مع المسيحيين ، اعتبر الأقباط أقلية تعاني من اضطهاد النظام. وهنا كانت الضربة الأولى. فبعد عام راقب واخرون من انصار الديمقراطية ، الانتخابات البرلمانية التي جرت في مصر وكشفوا عن ممارسة التزوير بحجم ما كان ليمكن التفكير فيه سابقا ازاء صورة البلد بوصفه واحة للتنوير العربي. ثم كانت الضربة الثانية. فان ما توصل اليه ابراهيم كان نذيرا بالاتجاه الذي لم تكن مصر تنزلق فيه فحسب بل وتحث الخطى صوبه: استبداد فاسد بدلا من ديمقراطية هشة اصلا.
لا أُريد ان اكون ساذجة بشأن الديمقراطية. فأنا اعلم ان على مصر ان تكون حازمة بعدما اغتال متعصبون اسلاميون الرئيس انور السادات في عام 1981. وفي ذلك الوقت اصدرت مصر قانون الطوارئ الذي سُجن بموجبه الوف الاسلاميين طيلة عقدين حتى الآن. والكثير من هؤلاء يشكلون خطرا لا شك فيه: في عصر يوم من أيام الجمعة عام 1994 اتخذ الأديب المصري الفائز بجائزة نوبل نجيب محفوظ مقعده داخل سيارة. واغتنم شبان من العتاة الدينيين بقاء النافذة مفتوحة لطعن محفوظ بسكين في رقبته. وكان الشيخ البالغ من العمر 82 عاما محظوظا بإصابة ذراعه فقط بالشلل ( اصابة واحدة "فقط" ). وافادت تقارير لاحقا ان الذين حاولوا قتل محفوظ تربصوا له بسبب كتاب نشره قبل ثلاثين عاما ، وكانت رموزه تذكِّر بعض القراء بشخصيات تاريخية اسلامية. فحوَّل المعتدون تلك الرمزية الى واقع وعاقبوا محفوظ وفق تأويلهم لعمله. استميحكم المعذرة ، ولكن إذا كان هذا سببا للتنكيل ( وربما للقتل ) فهو سبب بالقدر نفسه لإنقضاض قوى الأمن على هؤلاء المجرمين. فلنطبق قانون الطوارئ.
ما سلَّط ابراهيم الضوء عليه هو الطريقة التي جرى بها استغلال قانون الطوارئ هذا لمآرب غير شريفة. والحكومة المصرية تنساق وراء عنت رجال الدين لتهدئة المسلمين المحافظين. ونتيجة لذلك فان السلطة تلاحق العناصر الدينية من دعاة الحداثة الى جانب ملاحقة المتشددين.
وهناك القضية اللامعقولة للاستاذ في جامعة القاهرة نصر حامد ابو زيد الذي نشر كتابا يجادل فيه بأن معنى النص المقدس يمكن ان يصبح "اكثر انسانية" حتى ببقاء الآيات على حالها دون تغيير. وقدم كتابه هذا الى لجنة اكاديمية كانت تنظر في طلب ترقيته. وسرعان ما واجه الاستاذ الذي لم يكن يعرف ما يُبيَّت له ، تهمة "الردة". وساقه محامون اسلاميون الى القضاء مطالبين بتطليق الكافر من زوجته. وفي عام 1995 كسب الاسلاميون القضية. ولدى وزير العدل المصري سلطة ان ينقض مثل هذا الحكم ولكنه حتى الآن لم يفعل ذلك. ويعيش الزوجان المطاردان الآن في هولندا التي من ملاذها الآمن رفع ابو زيد قضية مضادة على وزير العدل المصري (47).
على طول الخط كان سعد الدين ابراهيم يشدد على علاقة بالغة الأهمية: "ان المجتمعات التي تضيِّق المجال المتاح لمشاركة المواطنين والتعبير عن اختلافهم سوف تستثير في النهاية رد فعل منحرفا ، غاضبا ومميتا" (48). بكلمات اخرى ان الاسلاميين يكسبون مريدين متعطشين للدماء حين لا يعود ثمة وجود للتمثيل السياسي. وهو غير موجود ، كما أشار ابراهيم. وفي حين ان قمع المسلمين الليبراليين يمكن ان يوهم المحافظين بسراب الاستماع الى صوتهم فان ذلك يبقى سرابا لأن قنوات التمثيل المشروعة مثل المجالس التشريعية ، تتحول الى اقطاعيات لأصدقاء الحكومة. وبعد خمس سنوات على ناقوس الخطر الذي قرعه ابراهيم عن انحسار الديمقراطية ، نشرت مجلة واشنطن كوارترلي
Washington Quarterly الفصلية هذه الملاحظة عن مصر: "في بلد يشترط ان يكون نصف اعضاء البرلمان بالكامل من الفلاحين أو العمال فان الاصطفاف الحالي يميل بقوة لصالح نخبة ضئيلة" (49). كان ذلك في عام 2000.
عام 2000 أثبت كونه عاما غريبا بحق ، لإبراهيم ولحال الديمقراطية المصرية على السواء. إذ كان ابراهيم قد عاد توا الى بلده من واشنطن حيث احتفت منظمة لمراقبة حقوق الانسان بدفاعه عن الحرية ، عندما اندلعت اعمال عنف بين مسلمين ومسيحيين أقباط في صعيد مصر ، أوقعت نحو 24 قتيلا وعددا أكبر من الجرحى ، واسفرت عن نهب مئات المتاجر والبيوت. ومن بين 55 اشتباكا مذهبيا سابقا وقعت على امتداد 30 عاما ، اعتبر ابراهيم ان هذا الأخير كان "الأبشع والأكبر". فحشَّد 500 شخصية عامة للتوقيع على اعلان مرفق بمقترحات سياسية لإنهاء "نمط ناشئ من الصراع الطائفي". وبحسب ما يقول ابراهيم فان حكومة مبارك نظرت الى هذه المبادرة على انها "تحدٍ سافر. واعتبر الاعلان عن خطورة المشكلة الطائفية تلطيخا لوجه مصر الناصع والمتسامح ، بل جريمة يُعاقب عليها ـ كما علمنا بسرعة ـ بموجب قانون صادر في عشرينات القرن الماضي دون أن يُطبق ذات يوم لمقاضاة مواطن مصري من قبل" (50).
ابراهيم ظل بمنأى عن الاعتقال طيلة اشهر. وفي هذه الأثناء واصل مع زملائه في مركز ابن خلدون العمل على تدريب طلاب لتسجيل ما يُرتكب من انتهاكات ضد حقوق الانسان ومراقبة الانتخابات. واستعدادا ليوم الاقتراع العام اتفق الاستاذ مع شخصية نارية اخرى هي الكاتب المسرحي علي سالم لانتاج شريط فيديو موضوعه ، لماذا يكلف المصريون انفسهم الإدلاء بأصواتهم. ( إذا كان هناك من يستطيع ان يجعل التربية المدنية عملية مسلَّية فهو سالم الشعبوي على نحو رائع. وكان احد كتبه ، "رحلة الى اسرائيل" A Drive to Israel التقط انسانية الدولة العبرية وتسبب في طرد سالم من اتحاد الادباء العرب. بين المصريين كان كتاب "رحلة الى اسرائيل" من أكثر الكتب مبيعا ). وذات يوم خلال هذه الفترة أُجريت مقابلة مع ابراهيم لمَّح فيها الى ان مصر ربما أخذت تنحدر الى نظام عائلي عربي آخر. وهكذا توالت الضربات ، الثالثة ، الرابعة والخامسة.
عشية 30 يونيو ( حزيران ) 2000 القى ضباط الأمن القبض على ابراهيم و27 شخصا من العاملين في مركز ابن خلدون ورابطة الناخبات المصريات. وبعد 45 يوما رهن التوقيف جرت مرافعات استمرت سبعة اشهر امام محكمة امن الدولة ، وهي محكمة من النمط العسكري ليست مشمولة بإصول المحاكمات الجزائية. وإنكب مدَّعو الحكومة على بناء قضية. أولا ، اتهموا ابراهيم باساءة استخدام اموال تلقاها من الاتحاد الاوروبي لانتاج شريطه عن الانتخابات. ولكن الاتحاد الاوروبي اعلن ان ابراهيم بريء براءة الذئب من دم يعقوب. ثم ذهب المدَّعون الى انه ما كان ينبغي ان يقبل تمويلا اجنبيا ـ هزأ صحافي عربي قائلا ان هذه حجة "مضحكة" إذا ما علمنا ان الحكومة المصرية تعيش على المساعدات الأجنبية (51). ومع ذلك دانت المحكمة جميع المتهمين الـ 28. وحكم على ابراهيم بالسجن سبع سنوات.
بعد عشرة شهور من الحبس أُصيب ابراهيم خلالها بسلسلة من الجلطات الطفيفة ، تناهى الى سمعه أن موافقة ستصدر على اعادة محاكمته. هل من الجائز ان تنتصر العدالة بعد كل ما حدث؟ احكموا بأنفسكم. حين بدأت المحاكمة الثانية في صيف 2002 مرر عضاء البرلمان المصري قانونا يفرض قيودا شديدة على عمل المنظمات غير الحكومية. ولكن في قاعة المحكمة بدا ان ملف الاتهامات العشوائية الموجهة ضد ابراهيم وزملائه يدور حول قضية واحدة ـ ان المتهمين ، وخاصة ابراهيم بوصفه زعيم العصبة "اساءوا" الى سمعة مصر في الخارج. انتهت المحاكمة في يوليو ( تموز ) 2002 بالسجن على خمسة من المتهمين الثمانية وعشرين. ومرة اخرى حُكم على ابراهيم بالحبس سبع سنوات. وكان السبب الرسمي تصريحاته على امتداد عقد من السنين بأن الحكومة تضطهد مسيحيي مصر.
كان على الرئيس بوش ان يحتج علنا ويضغط على مبارك ، حتى ولو في مبادرة تقوم على اساس مذهبي. فان اقليات مصر الدينية تحتاج الى مدافع لا يكلُّ مثل ابراهيم. ولكن ما عدا ذلك ، قدَّم ابراهيم مناسبة حقيقية لاختبار اهداف سياسة بوش الخارجية المعلنة: الاعتدال وحقوق الانسان. فاولا ، ان صحة ابراهيم ـ المتردية اصلا بسبب متاعب في القلب ـ كان من المؤكد ان تتدهور في السجن. يضاف الى ذلك ان زوجة ابراهيم سيدة اميركية وهو مواطن اميركي. وحماية مواطنيهم من الأذى هو ما يفعله الرؤساء الاميركيون ، اليس كذلك ؟ وأخيرا ، ان مصر تتلقى نحو ملياري دولا سنويا من المساعدات الاميركية في اطار معاهدة السلام مع اسرائيل ، ويشكل هذا 10 في المائة من اجمالي الميزانية المخصصة للمساعدات الخارجية الاميركية. وعلى هذا الأساس وحده قام سياسي من أشد السياسيين المحافظين في واشنطن بتشجيع بوش على استخدام ما لدى اميركا من "نفوذ واسع لدى مصر" لضمان الرأفة بابراهيم (52). وكان بمقدوره ان يذهب ابعد بكثير مما ذهب اليه.
اليكم مدى ما غامر بوش بالذهاب اليه: في اغسطس ( آب ) 2002 جمَّد زيادة بحجم 130 مليون دولار كان من المقرر اضافتها الى المساعدات المقدَّمة لمصر. ومع نص قراره بالتجميد ادرج بوش رسالة تنقل قلقه من ادانة ابراهيم. وما هذا بالشيء القليل. ففي مصر هب بيروقراطيون ومثقفون مهتاجين على تدخل بوش. ولكن مائة عربي من انحاء العالم اقتدوا بمثال بوش وبعثوا برسالة خاصة منهم لدعم ابراهيم (53). وبعد اشهر قليلة اعلنت الحكومة المصرية ان لإبراهيم الحق في محاكمة ثالثة وافرجت عنه الى حين اجرائها. وفي مارس ( آ ذار ) 2003 انتهت المحاكمة ببراءة ابراهيم مرة والى الأبد. لقد حقق بوش نتائج ، سواء أكان ذلك بصورة مباشرة او ملتوية ، من خلال الضغط على مبارك ، ونحن ينبغي ان نسجل للرئيس الاميركي تطبيقه احدى مقولاته الماثورة: حين يكون لديك رأس مال سياسي ، استخدمْه قبل ان تخسره.
لماذا ، إذاً ، لم يطالب بوش صراحة بالعفو عن ابراهيم وبذلك إشعار حليفه ـ والعالم الاسلامي كله ـ ان الديمقراطية ليست جريمة؟ يمكن اختصار الجواب على هذا السؤال ، حسب منتقديه ، بكلمة واحدة هي: العراق. فان طبول الحرب كانت تقرع متصاعدة ضد العراق وعلى اميركا ان تستميل مصر للوقوف الى جانبها. ويسخر مسلمون كثار ، ربما عن غير وجه حق ، من ان بوش سيخوض مواجهة عسكرية من اجل الديمقراطية في العراق لكنه يرفض استخدام عضلاته الدبلوماسية بالكامل من اجل الديمقراطية في مصر. خلاف ذلك ، سيد بوش ، استَمتعنا بخطابك امام خريجي عام 2002 من كلية ويست بوينت العسكرية.
يعيدني هذا الى النقطة التي اريد توصيلها: ان المسلمين لا يكرهون اميركا بقدر ما يحبونها ـ يحبونها الى حد الحاجة اليها. وقد جاء دليل اضافي على ذلك في ربيع 2003.
عندما تمرغ تمثال صدام في التراب عمَّت البهجة انحاء بغداد. وفي الأيام التالية حضرتُ حفلا بمناسبة النصر في تورنتو اقامه مسلمون شباب غالبيتهم من العلمانيين. واحاطني لفيف منهم ليقولوا انهم يجدون من الغريب أن لا يعترف مزيد من المسلمين بحكمة توجيه ضربة استباقية ضد صدام. وقالوا ان ذلك غريب لأن التحرك الاستباقي هو على وجه التحديد الاستراتيجية التي استخدمها النبي محمد لإسقاط الذين كان يشتبه في تآمرهم على الاسلام. وهز احد المحتفلين كتفه قائلا ، "إذا كانت الحرب الاستباقية خدمت المسلمين وقتذاك فلماذا لا تخدم الاميركيين الآن؟"
قلتُ متقمصة دور المعارض ، "لأن معايير السلوك تطورت منذ القرن السابع".
"قولي ذلك للبلدان المسلمة التي ما زالت تعامل المرأة وكأنها نجاسة".
فأضفتُ ، "وتحيل الحياة جحيما للأقليات الدينية". أدلى آخرون بدلوهم. وأعربنا عن قرفنا من بقاء الناشطين المسلمين المناهضين للحرب صامتين صمت الموتى على الحرب التي تُشن بإسم الله ضد أُناس من شتى الأصناف. وفيما كنا نتبادل الآراء بات واضحا لنا ان لدى المسلمين خيارا ينبغي ان يحسموه: الاعتراف بأن الهجمات الاستباقية التي شنها النبي محمد ضد اليهود كانت خاطئة أخلاقيا ، وفي هذه الحالة تكون للمسلمين مصداقية عندما يحملون على مبدأ بوش. أو القبول بما فعله النبي على انه ضروري ورشيد بإرادة الهية ، وفي هذه الحالة يمكن أن يُقال الشيء نفسه عن بوش ، فهو مسيحي تائب لديه طريقته الخاصة في التواصل مع الله. ولا يمكن للمسلمين ان يضعوا قدما هنا وقدما هناك. فهذا يُسمى معايير مزدوجة. أو ليس الأميركيون وحدهم الذين يطبقون هذه المعايير؟
سيكون هناك دائما رهط من المعادين لاميركا ومن الانعزاليين ، مسلمين وغير مسلمين ، الذين يريدون من واشنطن ان "ترفع يدها" وتكف عن التدخل. ولكن كثيرا من المسلمين الشباب الذين تحادثتُ معهم حتى قبل هذا الحفل ، يريدون من واشنطن ان "تمد يدها" ـ وتتابع تدخلها ـ من اجل حقوق الانسان. ولو كان بمقدورهم ان يقولوا ذلك من دون ان يتعرضوا الى الإدانة لحضوا اميركا على التلويح بسطوتها والمساعدة في تغيير الحقائق التالية:
· في تونس والجزائر لا يمكن للمسلمات ان يتزوجن من غير مسلمين (54). الرجال ، من الجهة الاخرى ، يجوز لهم ذلك. وفي غالبية البلدان المسلمة لا يُعد اغتصاب الزوج لزوجته جريمة ، إن كان هناك اعتراف بوجود شيء كهذا اصلا.
· اعتقلت العربية السعودية مؤخرا شيخا في الرابعة والتسعين من العمر ليكون أكبر سجين سياسي معروف سنا في العالم وذلك رغم الافراج عنه بعد اسبوعين. وكان الشيخ محمد علي العمري ، وهو عالم ديني شيعي كبير في المدينة المنورة ، اثار حفيظة السلطات السعودية باستقباله عدة زوار شيعة في مزرعته ، جاءوا للصلاة. فالمسلمون الشيعة مضطهدون شرعا في العربية السعودية ، مثلهم مثل الأقباط في مصر.
· تتدفق غالبية اللاجئين في العالم من بلدان اسلامية. وما هذا بالأمر المستغرَب إذا ما علمنا ان غالبية الحروب الأهلية التي يشهدها العالم تدور رحاها بين مسلمين. ويقول الصحافي الايراني امير طاهري ، "ان الدول العربية خاضت ما لا يقل عن 15 حربا مكشوفة أو سرية ضد بعضها بعضا منذ ثلاثينات القرن العشرين...." (55) وفي السنوات العشر الماضية قتل الاسلاميون واعداؤهم الاشتراكيون 100 الف جزائري. وفي فبراير ( شباط ) 1982 قصفت قوات البعث في سوريا حافظ الأسد مدينة كانت تؤوي متطرفين اسلاميين. وأزهق جلاوزته ارواح 25 الف شخص. وفي الفترة الممتدة من 1975 الى 1990 حصدت الحرب الأهلية اللبنانية ارواح 150 الف شخص غالبيتهم من الفلسطينيين. ويزيد هذا اكثر من عشر مرات على عدد مَنْ قتلتهم اسرائيل خلال 50 عاما من النزاع العسكري.
إذا كان من المحرج الاعتراف بأي من هذا يا اخوتي واخواتي المسلمون فإرفعوا الحرج عنكم لأننا لا نستطيع ان نعلق أحط ما فينا من علل على شماعة اميركا. فالسرطان يبدأ بنا. وفي تعليق مؤثر على "بؤس" المسلمين نُشر بعد فترة قصيرة على احداث 11 سبتمبر ( ايلول ) في صحيفة ذي نايشن The Nation اليومية الباكستانية ، تحدث رجل الأعمال عزت مجيد عن وجود "وعي متزايد" بين المسلمين "بأننا فشلنا كمجتمع مدني بعدم مواجهة الشياطين التاريخية والاجتماعية والسياسية التي في نفوسنا...." (56) ومنها حقيقة انه في بلده ذي الـ 140 مليون نسمة لا يدفع الضريبة سنويا إلا مليون شخص. أليس المتهربون من الضرائب ، بالتملص من مسؤوليتهم في اعادة بعض ما أخذوه من المجتمع ، يدفعون حكومة باكستان الى حافة الافلاس حارمين برامج عامة مثل التعليم من التمويل ، ومتسببين في زيادة الإقبال على ما أصبح دروسا خاصة في الارهاب يتعلمها الطلاب في كثير من المدارس الدينية؟
هل تدرك الغالبية منا ما كان يُراد لأمة المسلمين هذه متعددة الثقافات؟ أنا سأفيدكم. كان ذلك في عام 1947. وفي اول كلمة القاها محمد علي جناح بوصفه الحاكم العام لباكستان المستقلة ، كان جناح مفعما بالآمال لشعبه. أعلن جناح ، "انكم أحرار ، احرار في ارتياد معابدكم ، احرار في الذهاب الى جوامعكم ، أو الى أي مكان آخر من اماكن العبادة في دولة باكستان. لكم ان تنتموا الى أي ديانة أو طائفة أو مذهب ـ فهذا لا يمت بصلة الى عمل الدولة. اننا بادئون بهذا المبدأ الأساسي القائل اننا جميعا مواطنو دولة واحدة...وستجدون في الوقت المناسب ان الهندوس سيكفون عن كونهم هندوسا والمسلمين سيكفون عن كونهم مسلمين ، لا بالمعنى الديني...وانما بالمعنى السياسي كمواطنين في الدولة" (57). كان جناح متزوجا من غير مسلمة يحبها بكل جوارحه. وكانت شقيقته فاطمة كثيرا ما ترافقه في الحملة من اجل بناء باكستان. وجدد ظهورها العلني مخيلة المسلمين فاتحا هذه المخيلة على قدرات المرأة بوصفها شريكة لا خادمة. اني لستُ من المتعاطفين مع حقيقة ان المسلمين طالبوا بدولة منفصلة عن الهند ولكن عندما نالوا دولتهم فانها جاءت على الأقل بدعوى الحريات الفردية ووعدها.
يا للخسارة ، ان يجرف مد الاسلاموية المتصاعد باكستان الى التهلكة ، ألا تعتقدون ذلك؟ ففي عام 1977 جاء انقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة بالجنرال ضياء الحق الذي كان يحب الغولف والتنس والنظام المطلق. ولإحكام قبضته الرخوة أحاط حاكم البلاد الجديد نفسه بملالي متزلفين خلعوا عليه لقب "امير المؤمنين" الذي كان يُطلق على الخلفاء الراشدين حصرا. ولكسب رضا الزعامات الريفية جمع ضياء الحق بين القراءة العقابية للاسلام والأعراف القَبَلية. وبهذا الطريقة ظهر الرجم بوصفه عقابا شرعيا للزنا ، وبات تقديم اربعة شهود من الرجال على جريمة الاغتصاب شرطا لتوجيه الاتهام الى الجاني. ولكن لنفترض عدم توافر هذا العدد من العيون الذكرية شاهدة على جريمة اغتصاب. لا بد والحال هذه ان تكون القضية جريمة زنا ارتكبتها المرأة فيكون مصيرها الحكم عليها بالرجم.
في عام 1979 ، خلال الفترة نفسها تقريبا التي بدأ فيها سريان هذه القوانين الخانقة ، فاز الباكستاني عبد السلام بجائزة نوبل للفيزياء مشارَكَةً مع عالمين اميركيين آخرين. وكان المرء يتوقع ان تحتفي بلاده بهذا الإبن البار. ولكن بدلا من ذلك حاول متظاهرون منعه من العودة الى باكستان ، بل ان قانونا اصدره البرلمان ذهب الى حد اسقاط الجنسية عنه. اما جريمة عبد السلام فهي انتماؤه الى طائفة الأحمدية التي تشكل احد المذاهب الأقلوية في الاسلام. هذه كل جريمته. وهذا ما جعل عالِما مسلما نال ثناء العالم وتقديره ، شخصا غير مرغوب فيه في وطنه.
جمعتُ تفاصيل اخرى عن عبد السلام من سائق سيارة اجرة في تورنتو يُدعى احمد. وإذ ابدى احمد ثقته بيّ معتبرا اني تلك "المسلمة التي تظهر في التلفزيون" راح يندب "كيف ان جماعتنا يقتتلون فيما بينهم" مركزين على "القبيلة" أكثر من تركيزهم على "الحب" (58). حب! لم اسمع ذات يوم رجلا مسلما يستخدم تلك الكلمة المؤلفة من حرفي الحاء والباء. لا بد ان يكون هذا الانسان شخصا مختلفا فرحتُ انقِّب. اتَّضح ان سائق سيارة الاجرة نفسه احمدي. سألتُه عن عبد السلام عسى ولعله يعرف الاسم. وفي مرآة السيارة رأيتُ احمد يرفع حاجبيه. وقال لي ، "ان الأخ عبد السلام حاول ان يتبرع بمبلغ جائزته [ جائزة نوبل ] للحكومة. وكان يريد بناء مختبرات علمية للباكستانيين الشباب ولكن ضياء رفض عرضه". وسرَّني احمد بسبب آخر لاعتبار عبد السلام بطله: فان عبد السلام بوصفه ابن فلاح كان عليه ان يذلل كثيرا من الصعاب. ويبدو انه كان مجتهدا في طلب العلم حتى انه كان يدرس تحت مصابيح الشارع حين لم يكن الوقود متاحا لفوانيس الكيروسين في مدرسته. وسواء أكان ذلك صحيحا أم لم يكن فقد كان بامكان هذه الرواية أن تنسج اسطورة وطنية تلهم اجيالا من الباكستانيين ذوي الأصول المتواضعة لبلوغ المجد. ولكن الحكومة بدلا من ذلك فرَّطت بعبد السلام ـ وبرصيد فكري أكبر بكثير ـ في لهاث مسعور وراء اسلام ضيق الأفق.
عنعنات ضياء الحق باقية رغم وفاته في عام 1988. ومنذ ذلك الحين تصاعد زخم الاسلاموية بفضل جيوسياسة قذرة الى حد كبير. ففي عام 1989 الحق الوف "المجاهدين" هزيمة بالغزو السوفياتي لأفغانستان. ومع عودة المقاتلين العرب المسلمين الى منطقة الخليج وصلت القوات الاميركية الى العربية السعودية لحمايتها من اجتياح عراقي محتمل. ففي عام 1990 ، كما تذكرون ، قام صدام حسين بغزو الكويت واحتلالها. وخاف السعوديون من أن يكرر فعلته معهم. ولدرء هذا الخطر طلبوا من الاميركيين ان يدافعوا لهم عن ارضهم ـ ونفطهم. وكان من الممكن ان يوفر الوجود الاميركي في العربية السعودية ذريعة لأن يعلن مجاهدون عاطلون عن العمل الجهاد داخل المملكة. ولكن فدية ضخمة دُفعت لتفادي ذلك. إذ اخذت البترودولارات تنهال على الجمعيات الخيرية الاسلامية وادت الى تنامي المدارس الدينية في عموم المنطقة بمتوالية هندسية. وكان نصيب باكستان كبيرا من هذه الأموال ، وسرعان ما فرَّخت مدارسها الدينية وجبات نخبوية من الدارسين فيها ليُعرَفوا لاحقا باسم "طالبان" ـ كناية بطلاب المدارس الدينية. ماذا فعل مسلمو الطبقة الوسطى في باكستان؟ غالبيتهم سمحوا لأنفسهم بمجاراة التيار الاصولي الغاشم.
من الاصوات المعارضة التي تصاعدت صوت الدبلوماسي والمفكر الباكستاني اكبر احمد. إذ بدأ في عام 1997 تصوير فيلم يروي سيرة ملحمية لحياة جناح. وبحسب احمد فان "مسؤولين مهمين" و"مواطنين حريصين" في باكستان حذروه من تصوير الاسلام المتسامح الذي كان يؤمن به جناح ، حتى ان صحفا واحزابا سياسية راحت تهلوس بأن "سلمان رشدي كتب سيناريو الفيلم" ، وتوَّجت هلوستها باعتبار مشروعه "جزء من مؤامرة هندوسية او صهيونية" (59). احمد صوَّر الفيلم رغم ذلك وفاز عليه بعدة جوائز دولية. ولكن كما حدث مع عبد السلام ، كانت آيات التقدير من وطنه أتفه من ان تستحق الذكر.
منذ 11 سبتمبر ( ايلول ) استجمع الزعيم الباكستاني برويز مشرف شجاعته وقال ما هو بديهي: ان المسلمين اليوم هم "الأكثر فقرا والأكثر أمية والأكثر تخلفا والأكثر لا صحة والأكثر لا تنورا والأكثر حرمانا والأكثر ضعفا في الجنس البشري برمته" (60). كلمات رنانة من رجل نكث بوعوده بتحجيم قوانين مكافحة الكفر وضبط المدارس الدينية. ما لا يجرؤ مشرف على ان يقوله هو ان مدارس بلده التي استباحها الملالي ما زالت تفرِّخ معتوهين. اكبر احمد يستطيع ان يحدثكم عن ذلك. فحين عاد مؤخرا في زيارة لباكستان فاتح معلمين في المدارس الدينية عن ضرورة دراسة سيغموند فرويد وماكس فيبر. "قوبلتُ بنظرة بلهاء وادركتُ عمق المشكلة عندما تلقيتُ ردا سلبيا حتى على اقتراحي دراسة مفكرين مسلمين مثل المؤرخ ابن خلدون أو الشاعر الصوفي مولانا جلال الرومي" (61). وهذا ليس الغرب عاملا على ابقاء المسلمين جاهلين بقدراتهم الابداعية الفذة بل المسؤولون هم المسلمون انفسهم.
على الغرار نفسه من الضروري ان يعلم غالبية الاميركيين ان لهم مصلحة ذاتية مستنيرة في ان "يكونوا هناك" لدعم المسلمين ذوي التفكير الديمقراطي قبل اندلاع الأزمة التالية. فكروا كيف كان بمقدور الاهتمام الاميركي أن ينقذ ملايين الأبرياء من غضب طالبان ناهيكم عن "القاعدة". وقد سمعنا كلنا ان الرئيس رونالد ريغان اغدق المديح والسلاح على المجاهدين في اطار استراتيجيته لمحاربة الشيوعية. ولكنه اعطاهم ما هو أكثر. فان الحكومة الاميركية موَّلت كتبا مدرسية مسكونة بالعنف نشرتها جامعة نبراسكا. وحين كان الأطفال الاميركيون يتعلمون طرح التفاح من البرتقال كان الطلاب الأفغان يتعلمون الرياضيات ـ والعقيدة ـ من صفحات مليئة بصور حراب ممشوقة. وما زال بعض الطلاب يتعلمون ذلك: هذه الكتب المقررة أخذت تختفي من المدارس الأفغانية ولكن ببطء شديد.
لا نحتاج الى جنرال يتقن فن الحرب لفهم الدرس. فعندما انسحب السوفيات من افغانستان في عام 1989 ، أدارت الولايات المتحدة ظهرها للبلد مفترضة أن المهمة قد أُنجزت. وما أدارت ظهرها له في الحقيقة كان صراعا على السلطة. فالمجهادون إذ كانوا محاربين متمرسين ، قاموا خلال السنوات التالية بانقلاب في افغانستان ، ومع ذلك لم يُبد صانعو السياسة الأميركية اهتماما يُذكر. وفي عام 1998 أجرت صحيفة باريسية مقابلة مع زبغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر. وقد سألته صحيفة "لو نوفيل اوبزرفاتور" انه بعدما باتت "الأصولية الاسلامية تشكل خطرا عالميا ألم يكن حريَّا بالسياسة الخارجية الاميركية ان توليه اهتماما أكبر؟" وبقصر نظر يثير الحنق أجاب بريجينسكي ، الذي لا يُدين بالولاء لا لإدارة ريغان ولا لإدارة كلنتون ، "أيهما الأكثر أهمية لتاريخ العالم؟ بعض المسلمين المهتاجين أم تحرير اوروبا الوسطى ونهاية الحرب الباردة؟" (62)
كان بريجينسكي سيكون أكثر ذكاء لو تذكَّر الرائحة التي تنبَّه اليها الرئيس ايزنهاور في اواخر الخمسينات. فقد لاحظ ايزنهاور خلال نقاش مع أركان ادارته وجود "حملة كراهية ضدنا لا من جانب الحكومات وانما من شعوب" العالم العربي (63). وتوصل مجلس امنه القومي من تحليل الوضع الى استنتاج مفاده ان عامة العرب الاعتياديين يشعرون ان الولايات المتحدة بدعمها انظمة حكم قمعية من اجل السيطرة على امدادات النفط ، انما تقف حائلا دون تحقيق الديمقراطية. وكانت هذه النظرة المتبصرة على شاشة الرادار منذ اربعين عاما عندما استولت حركة طالبان على السلطة في افغانستان ووفرت ملاذا آمنا لإرهابيي "القاعدة".
كنتُ اتمنى لو استطيع القول ان قصر نظر واشنطن عولج كما عولج نظام الحكم في افغانستان والعراق. ولكني لا أستطيع. اسمحوا لي أن أُوضح بحديث تابعتُه مؤخرا بين المقدِّم التلفزيوني فل دوناهو وضيف برنامجه تشارلز دولان الذي كان وقتذاك نائب رئيس اللجنة الاستشارية الأميركية للدبلوماسية الشعبية ، وهي هيئة تحاول ان تتصدى لصورة اميركا السلبية في العالم.
دولان: اعتقد ان ادارة بوش حققت اشياء رائعة منذ مجيئها الى الحكم على صعيد الدبلوماسية الشعبية. وما زال الحُكم لم يصدر على بعض هذه الأشياء ، ولكنهم يحاولون...
دوناهو: الانسحاب من [ بروتوكول ] كيوتو [ لحماية البيئة ] والابتعاد عن المحكمة الجزائية الدولية ، وشتم الأمم المتحدة. نحن حقا نبدو وكأننا نريد ان نعمل بمفردنا ، لا نحتاج الى أحد يساعدنا.
دولان: فل ، إذا كنتَ تريد مني ان اتحدث عن سياساتهم فيمكننا انتاج خمسة برامج اخرى.
دوناهو: لكن ما نتحدث عنه هو لماذا ينبغي ان تكون هذه صورتنا! يبدو اننا لا نريد ان نلعب مع أي احد آخر ، مع أي منظمة دولية مهما كان شكلها! نحن نبدو متغطرسين في هذا الموقف.
دولان: لكني أتحدث عن الطريقة التي نتواصل بها مع العالم ـ ما كنا نتحدث عنه الآن. كيف نرد على الصور الزائفة عن اميركا في الخارج؟ اعتقد ان هذا هو ما نتحدث عنه (64).
هل كان دولان غبيا ؟ أُقدِّر انه ما كان ليستطيع ان ينتقد رئيسه أو سياساته في التلفزيون ولكن هذه ليست هي القضية. فان دولان لم يرد الاقتراب من الاسئلة المتعلقة بما إذا كانت هناك حقا صور سلبية لاميركا. كل ما كان يريد الحديث عنه هو سبل مكافحة مثل هذه الصور بأدوات وتكتيكات على مستوى الاتصالات والاعلام. يا لها من مفاجأة؟ ان دولان يعمل ايضا نائب رئيس كيتشام Ketchum وهي وكالة للعلاقات العامة. يا أميركا ، ليس هذا هو جوهر الدبلوماسية الشعبية. ما ينبغي التركيز عليه هو بذل مجهود حقيقي لعمل الصواب لا ليبدو وكأننا نعمل الصواب.
صحيح يا اميركا ان اقدامَكِ على سحق طالبان أسعد ملايين الأفغان ولكن تقاعسكِ منذ ذلك الحين عن نشر قوات أبعد من كابول لم يسعد إلا امراء الحرب القبليين والمتعاطفين مع طالبان. والحق ان الدستور الجديد ينص على حقوق المرأة واستقلال القضاء ، من الناحية النظرية. أما في الواقع العملي فإن اميرا من امراء الحرب وصفه وزير الدفاع الاميركي بأنه "شخص جذاب وحصيف ومتزن" ، اعاد هيئة العمل بالمعروف والنهي عن المنكر. وتفرض هذه الهيئة فصل البنات عن البنين فصلا صارما وتسخر من حرية الصحافة وتمنع القراءات الشعرية وتضرب النساء اللواتي يتجاسرن على الشروع بتشكيل جمعيات نسوية ، وتمهد التربة لعودة طالبان. حصيف؟ متزن؟ أأنتِ جادة يا أميركا؟ إذا كنتِ جادة فأين انتِ خارج كابول؟ أنتِ لا تروق لكِ فكرة اضطلاع جنودِكِ بدور قوات حفظ السلام ولكن لماذا لا تُعجِّلين في هذه الحالة بتدريب الشرطة المحلية ولا تعززين القوات الدولية المتمركزة هناك بالفعل؟ أين نزوعك الفطري الى الأمن ـ والى الحرية؟
اما انتم يا شقيقاتي واشقائي في الاسلام ، فاني اسمع تذمُرَكم. وعلى واشنطن ان تقدِّر بأنه عندما يزمجر المسلمون الليبراليون ، "اننا نكرهك!" فليس هذا لأن اميركا تبطش مباشرة بالعالم الاسلامي بل لأن اميركا تمتنع ، على الضد من مصالحها الأمنية ذاتها ، عن المساعدة في تخفيف وطأة البطش على المدى البعيد. أراكم تريدون ان تندهوا ، "اصحي يا واشنطن!" ، وأنا اشارككم شعوركم هذا. ولكني أُريد ان اصرخ بكم أنتم أن "اكبروا!". إذ على المسلمين الليبراليين ان يرفعوا الصوت عاليا بشأن الحقيقة التالية: ان اميركا هي الأمل المرتجى لا رأس الافعى. وأن يكون الرئيس بوش انبرى للدفاع عن سعد الدين ابراهيم ، وبالتالي عن الديمقراطية المصرية ، فان هذا يعطينا سببا للثقة باميركا. وأطلب منكم ما طلبه ابراهيم من الناخبين في بلده: كفوا عن النظرة السوداوية واتخذوا موقفا بناء ، فمن الجائز ان يكون الاميركيون بحاجة الى مساعدتنا "نحن لهم" على ادراك ما فيهم من طاقة خيِّرة بوصفهم انسانيين.
لبلوغ هذا الهدف على المسلمين ان يواجهوا سؤالا اساسيا: أي مساعدة نحتاج على وجه التحديد من اجل الإصلاح؟ ما هي على وجه الدقة المشكلة الخاصة التي تضخمت لتصبح مشكلة الجميع؟ بما انه لا اسرائيل ولا اميركا تكمن في جذر البؤس الذي يعانيه المسلمون في العالم ، أهو الاسلام الذي يكمن في جذر هذا البؤس؟ فالاسلام يضم بانوراما من الثقافات التي تمتد من شمال افريقيا الى جنوب اسيا ، وفي كل ثقافة منها يتخلف الاقتصاد وسجل حقوق الانسان عن ركب الغالبية من العالم. هل الاسلام يتفوق على كل ما سواه في قتل الابداع والحيوية والديمقراطية؟
سيكون من السهل نفي ذلك دون عناء. فكروا في المسألة على هذا النحو: ان باكستان ، وهي دولة ذات غالبية مسلمة بوضوح ، ولدت عام 1947 ، قبل عام من نشوء دول اسرائيل ، ذات الغالبية اليهودية. ولو سادت رؤية جناح لكان بمقدور باكستان ان تكون دولة حديثة وتعددية وتبقى روحانية كإسرائيل. ولكن المآل انتهى بها الى عكس ذلك: اقطاعية أكثر منها حديثة ، طائفية اكثر منها تعددية ، ممسوسة اكثر منها روحانية ودعوني امضي بالمقارنة أبعد. في عام 2002 حقق ثنائي في لعبة التنس يتألف من باكستاني واسرائيلي نجاحا باهرا استأثر بالعناوين البارزة في الصحافة الرياضية. وقد تحدثت وسائل الاعلام عن نجاحهما لا لأنهما يمثلان افق تعاون بين المسلمين واليهود فحسب وانما بسبب ردود افعال كل من بلديهما ايضا. فان اتحاد التنس الاسرائيلي أشاد بلاعبه في حين ان اتحاد التنس الباكستاني هدد لاعبه بالمنع. وإذا كانت اسرائيل تستطيع ان ترى ابعد من السياسة رغم الحصار اليومي الذي يضربه عليها جيرانها المسلمون ، لماذا لا تستطيع باكستان ـ أو لا تريد ـ قبول التحدي؟ من المؤكد ان لهذه الثنائية صلة ما بالبوصلة الأخلاقية لكل من البلدين ، مسترشدة ، كما هو حتمي ، بالقيم الدينية لكل منهما. ومن المؤكد ان الحقيقة الماثلة في ان الديمقراطية تعيش في اسرائيل لها دلالتها بشأن الممارسة الشعبية للديانة اليهودية لا يمكن القول ان مثلها موجود في الاسلام السائد ـ ليس بعد على اقل تقدير.
ولكن لا شيء من هذا يعني لا محالة ان الاسلام هو المشكلة. فان غالبية مسلمي العالم ـ أي المسلمون من خارج الشرق الأوسط ـ يعيشون في انظمة ديمقراطية انتخابية. ولكن في الوقت نفسه لا تبيح حكوماتهم إلا القليل من الحريات والقليل من المحاسبة. ولعل طاقة الاسلام على ممارسة ديمقراطية ذات معنى ، تتألق في حقيقة ان القرآن لا يصف أي شكل محدَّد للحكم. وعلى افتراض ان القرآن كلام الله ـ بأكمله أو في جزء منه ـ ألا يكون هذا الصمت مقصودا؟ إلا يدل الى اننا بوصفنا افرادا نمتلك ارادة حرة ، ينبغي ان نشارك في حكمنا؟ يكون هذا منطقيا لو كان المسلمون أمة يوحدها الايمان بالله. الجميع يقول نحن مثل هذه الأمة. ونحن نعتقد بأننا امة كهذه. ولا بد ان نكون هذه الأمة.
لنفترض اننا لسنا هذه الأمة. لنفترض ان ما يجمع بيننا ليس الايمان بالله وانما الخضوع لثقافة معينة. أمن الجائز ان الاسلام ، حتى من الصنف السلبي ، هو ايمان بأنماط الصحراء اكثر منه بحكمة الارادة الالهية ، وان المسلمين يتربون على محاكاة علاقات القوة لقبيلة عربية حيث يحكم الشيوخ ويرزح الاخرون تحت حكمهم؟ اصيغوا السمع الى الملك فهد عاهل العربية السعودية. فهو يقول ان النظام الديمقراطي المتعارف عليه في العالم "لا يناسب هذه المنطقة". وان "لا مكان للنظام الانتخابي في العقيدة الاسلامية" لأن الاسلام ينظر الى القائد على انه "الراعي" المسؤول عن رعيته (65). فالملك لا يساوي المسلمين بالخراف فحسب بل انه يذهب الى حد الإطلاق قائلا ان ما هو سيئ للجزيرة العربية الصحراوية ـ "المنطقة" ـ لا بد ان يكون سيئا للاسلام ـ "العقيدة". قد تحتجون ، معي ، بأنه مخطئ في اقدامه على هذه الطفرة ، ولكن الواضح ان المسلمين لا يحتجون جماهيريا. وينبغي ان نحتج لأسباب ليس اقلها ان العاهل السعودي يحمل لقب خادم الحرمين ـ جامعي النبي في مكة والمدينة. مَنْ الذي انتخبه ليكون سادن الاسلام؟ فنحن لم ننتخبه. مَنْ يسكت عليه. نحن الذين نسكت عليه. ولكننا ندفع ثمنا باهظا لإحجامنا حتى عن التفكير في الأمر.
هلى استعمار الجزيرة العربية الصحراوية هو المشكلة التي نحتاج الى مساعدة لإصلاحها؟
1 ـ نكتة ، رواها محمد ابو سمرة ، "الشهادة في المجتمع الفلسطيني الحديث" ، ( كلمة القاها في تورنتو ) ، 6 اكتوبر / تشرين الأول ، 2002.
2 ـ Jewish and Middle Eastern non-Jewish populations share a common pool of Y-chromosome biallelic haplotypes, Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America, Volume 97, issue 12, June 6, p. 10 of online version. Down load this report at www.pnas.org.
3 ـ القرآن ، 17: 104.
انظر ايضا ، القرآن 5: 20 ـ 21 ، "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم انبياء وجعلكم ملوكا وأتاكم ما لم يؤتِ احدا من العالمين". و "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدُّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين".
هنا يدعو الله اليهود الى ان يدخلوا الأرض المقدسة اياً يكن ساكنها. وكانت جريمتهم انهم تخلفوا عن الركب فلم ينفذوا مشيئة الله.
4 ـ خالد العظم ، مذكرات خالد العظم ، الجزء الأول ( بيروت: الدار المتحدة للنشر ، 1973 ) ، ص 386.
الإقرار بأن الحرب هي السبب في مشكلة اللاجئين لا يعني ان المرء لا يستطيع ان يتخذ موقفا متوازنا أو حتى متعاطفا مع القضية الفلسطينية. للاطلاع على ما يثبت ذلك انظر
Benny Morris, The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947-49 (New York: Cambridge University Press, 1989)
5 ـ Kanan Makiya, “Can Tolerance be Born of Cruelty in the Arab World?” New Perspectives Quarterly, Winter 2002, p. 3 of online version. Read it at www.digitalnpq.org.
6ـ Paul Adams, “Tourists, investors shun Beirut despite
facelift”, Globe and Mail, 27 March, 2002.
7 ـ Arieh Avneri, The Claim of Dispossession: Jewish Land Settlement and the Arabs 1878-1948 (New Brunswick, New jersey: Transaction Books, 1984), p. 114.
يكتب افنيري Avneri على وجه التحديد انه "في 31 مارس ( آذار ) 1911 بعث نحو 150 شخصية عربية من وجهاء القدس على رأسهم راغب النشاشيبي ببرقية الى البرلمان التركي يحتجون فيها على بيع الأراضي لليهود. وحتى قادة عرب معتدلون مثل رئيس بلدية القدس حسين الحسيني ، الذي كان يعتقد بأن هناك الكثير مما يمكن للعرب ان يتعلموه من اليهود ، اعربوا عن توجسهم من بيع الاراضي: "رغم ذلك كله يجب ان نتحلى باليقظة تجاه الصهاينة لأنه إذا استمرت الاوضاع على حالها الآن ، لن يمر وقت طويل قبل ان تنتقل ارضنا كلها الى ايديهم. ان فلاحنا فقير ومعدم والفقير مستعد حتى للتخلي عن ارضه من اجل الحفاظ على جسمه وروحه. ولهذا السبب يجب ان تصدر الحكومة قانونا ضد بيع الاراضي لليهود ، آخذين في الاعتبار ظروف البلد".
8 ـ في الوقت الذي تنفي تركيا رسميا وقوع جريمة الابادة بحق الأرمن ، لا ينكرها حتى أكثر الصحافيين الغربيين الذين يخطرون ببالي تعاطفا مع المسلمين ، وهو روبرت فيسك. انظر صحيفة ذي اندبندنت The Independent ، 5 اغسطس ( آب ) ، 2000.
ولكن ما ينطوي على مفارقة ان اسرائيل لا تعترف بوقوع جريمة الابادة ضد الأرمن في كتبها المقررة للدراسات الاجتماعية في مدارسها وذلك خشية ازعاج تركيا ، اقوى حلفائها الاقليميين. وهذه سياسة اسرائيلية لن اتردد قطعا في انتقادها. فهي خاطئة اخلاقيا وتاريخيا.
9 ـ Palestine Royal Commission report, Cmd 5479 London, July 1037), p. 135.
10 ـ Sandra Mackey, Passion & Politics: The Turbulent World of the Arabs (New York: Plume, 1994), pp. 121-22.
هذا الكتاب عمل رائع ، وان كان مغاليا في تعاطفه ، حول الثقافة العربية وليس فقط التاريخ العربي.
11 ـ 10 ديسمير ( كانون الأول ) ، 1938 تقرير في صحيفة نيوز كرونكل
News Chronicle ، ينقل عنه موريس بيرلمان
Maurice Pearlman, Mufti of Jerusalm: The Story of Haj Amin el Husseini (London: V. Gollancz, 1974), p. 20.
هذه المشاعر تردد على نحو لافت ما يُنقل عن مزارع فلسطيني في قوله عن الارهابيين: "يدَّعون انهم ابطال. فلم يجلبوا لنا سوى الدمار والتشرد. لقد استخدوا مزارعنا وبيوتنا واطفالنا للاختباء". انظر
Paul Adams, “Protests a rare sign of support by Palestinians for a ceasefire”, Globe and Mail, May 21, 2003.
12 ـ كما ينقل موريس بيرلمان
Maurice Pearlman, Mufti of Jerusalem, p. 29.
13 ـ هتلر كما ينقل عنه روبرت ويستريك
Robert Wistrich, Hitler’s Apocalypse: Jews and the Nazi Legacy (London: Weidenfeld & Nicolson, 1985), p. 164.
أُوصي على الأخص بقراءة الفصلين الموسومين:
“Swastika, Crescent and Star of David” and “Militant Islam and Arab Nationalism".
14 ـ السير مارتن جلبرت Sir Martin Gilbert ( كلمة القاها في تورنتو ) ، 30 يناير ( كانون الثاني ) ، 2003.
15 ـ كما ينقل موريس بيرلمان عن الحاج امين في عمله
Mufti of Jerusalem, p. 51.
16 ـ هذه الحقيقة لا تأتي من مصدر صهيوني وانما من مصدر معاد للصهيونية هو وليد خالدي
Walid Khalidi, “Revisiting the UNGA Partition resolution”, Journal of Palestine Studies, Issue 105, Autumn 1997, p. 11.
يكتب خالدي: "من حيث السكان يكون للدولة الفلسطينية المقترحة 818 الف فلسطيني" و"اقل من 10 آلاف يهودي". ولكن "سيكون للدولة اليهودية نحو 499 الف يهودي وحوالي 438 الف فلسطيني..."
17 ـ برنارد لويس
Bernard Lewis, The Middle East: 200 years of History from the Rise of Christianity to the Present day (Weidenfeld & Nicolson, 1995), p. 365.
18 ـ Gilles Kepel, Jihad: The Trail of Political islam (Cambridge: Harvard University Press, 2002), p. 53.
19 ـ جابر عصفور
Gaber Asfour, “Osama bin Laden: Financier of Intolerant ‘Desert’ Islam”, New Perspectives Quarterl, Winter 2002. Donwload at www.digitalnpq.
20 ـ محمد ابو سمرة ، "الشهادة في المجتمع الفلسطيني الحديث" ، (كلمة القاها في تورنتو) ، 6 اكتوبر ( تشرين الأول ) ، 2002.
21 ـ صحيفة "الحياة الجديدة" ، 2 سبتمبر ( ايلول ) ، 2002. ترجمة اندبندنت ميديا ريفيو اناليسيس Independent Media Review Analysis وقد جرى تدقيقها بالمقارنة مع ترجمات اخرى ، والنص العربي منقول منها.
من المثير ان نلاحظ ان نبيل عمرو الذي كان نفسه رئيس تحرير سابقا ، كان وزير الاعلام في حكومة رئيس الوزراء السابق محمود عباس.
22 ـ يوسف اليوسف
Yousef Al-Yousef, “Israeli propaganda nominated for Oscar”, www.arabia.com, March 21, 2002.
بالمناسبة يُوصف يوسف اليوسف في هذه المادة بأنه رئيس منظمة "المسلمين الاميركيين من اجل السلام العالمي والعدالة" ـ وهي منظمة اميركية مسلمة للدفاع عن حقوق الانسان مقرها في واشنطن دي سي.
23 ـ الأكاديمي المقصود هو نعيم جناح ، الناطق باسم لجنة التضامن مع فلسطين في جنوب افريقيا. وكان قد القى في 30 سبتمبر ( ايلول ) 2002 كلمة موضوعها "جنوب افريقيا واسرائيل ـ ممارسة الابارتهايد".
24 ـ البرلماني ذو العلاقة هو امنون روبنشتاين.
25 ـ انطوان شماس ، وهو كاتب من عرب اسرائيل ، كما ينقل عنه يوسف لابيد
Yosef Lapid, “To my candid, envious friend”, Jerusalem Post, June 13, 1995.
الصحيفة الناطقة بالعبرية التي نشر فيها شماس هي "حائير" ، من صحف تل ابيب المحلية.
26 ـ مساعدي في مجال البحث تراسل مباشرة مع كاتب الرسالة ارجان الفاسد الذي أكد ان صحيفة "القدس" لم تتراجع قط. اقرأ القصة كاملة.
27 ـ ادوارد سعيد ، لوموند ديبلوماتيك ، سبتمبر ( ايلول ) 1998 ، ص 6.
Edward said, “Israel-Palestine: a third way,” Le Monde Diplomatique (English translation), September 1998, p. 6.
28 ـ ادوارد سعيد ، المصدر السابق ، ص 7.
29 ـ [ القوا نظرة على بعضها ]. استطلعتُ من اصدقاء غير يهود حضروا المؤتمر ، وتذكر العديد منهم رؤية هذه الرسوم الكاريكاتيرية.
30 ـ للاطلاع على امثلة موثقة توثيقا كاملا على ذلك انظر الموقع
www.memri.org
واقرأ عمل روبرت ويستريك
Robert Wistrich, Muslim Anti-Semitism: A Clear and Present Danger (American Jewish Committee, 2002)
في كل من هذين المصدرين تُساق الأمثلة مشفوعة بأسانيد دون الاكتفاء بإيرادها.
31 ـ وزير الدفاع المقصود هو مصطفى طلاس.
32 ـ البعض يقول ان مارتن لوثر كنغ كان يؤيد الصهيونية. ولكن ليس هناك دليل دامغ على ذلك. ويبدو ان ما يسمى "رسالة الى صديق معاد للصهيونية" بعث بها كنغ رسالة ملفقة. وهي كثيرا ما تُقتَبَس بوصفها جزء من كتاباته الكاملة بعنوان
This I Believe . ولكن الاقتباس لا يأتي ابدا على ذكر ارقام الصفحات ، وذلك لأن الـ"رسالة الى صديق معاد للصهيونية" رسالة لا وجود لها بكل بساطة.
33 ـ بحسب معهد الابحاث الاعلامية في الشرق الاوسط ، كتب احمد دحبور ، الأمين العام لوزارة الاعلام الفلسطينية ، في صحيفة "الحياة الجديدة" ، بعددها الصادر في 14 نوفمبر ( تشرين الثاني ) 2002 انه "إذا لم نقدم الصهيونية على حقيقتها ـ حركة قومية عنصرية اوروبية ظهرت على هامش الاستعمار والامبريالية القديمين ، فاننا سنقع فريسة سهلة..."
34 ـ David Matas, “Israel and the Palestinians: Myths and realities” (Institute for International Affairs of B’Nai Brith
Canada, 2001), p.5
يثير ماتاس Matas نقطة هامة اخرى حيث يقول: "ان القانون الأساسي في المانيا يسمح لأي شخص بان يصبح مواطنا إذا كان من ذرية شخص كان مواطنا المانيا وحُرم من تلك الجنسية لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية خلال الفترة الواقعة بين 30 يناير ( كانون الثاني ) 1933 و 8 مايو ( ايار ) 1945. ولا يتعين على هذا الشخص ان يكون من ذرية الجيل الأول. هذا القانون الالماني يُسمى بصورة غير رسمية "قانون العودة" ولكن لم يصدر ذات يوم قرار عن الامم المتحدة يعتبر قانون العودة الالماني هذا قانونا عنصريا.
35 ـ امنون روبنشتاين
“Amnon Rubinstein, A minority within a minority”, Haaretz, October 7, 2002.
وينقل روبنشتاين عن الدكتور الكس لوينتال Alex Lowenthal ، مدير الخدمات الصحية العامة في وزارة الصحة الاسرائيلية ، قوله "ان لدى العرب المسيحيين أحسن المؤشرات الصحية في اسرائيل ، أحسن من اليهود".
36 ـ انظر الصورة.
يبدو العرب شغوفين باستخدام الأسماء الاميركية ، ومنها Toys ‘R’ Us و
Blockbuster Video [انظر امثلة على هذه المحاكاة من رام الله]
37 ـ توماس فريدمان
Thomas Friedman, The Lexus and the Olive Tree (New York: Farrar, Straus Giroux, 1999), p. 278.
38 ـ عرفان حسين
Irfan Husain, “When will we ever learn?” DAWN, December 21, 2002.
39 ـ فريد اسحاق
Farid Esack, On Being a Muslim: Finding a Religious Path in the World Today (Oxford: Oneworld Publications, 1999), p. 15.
40 ـ [انظر هذا الكليب]
41 ـ فريد زكريا
Fareed Zakaria, The Future of Freedom: Illiberal Democracy at Home and Abroad (New York: W. W. Norton, 2003), pp. 135-36.
42 ـ تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية ( ا ف ب ) ، 5 ابريل ( نسيان ) 2001
Hala Boncompagni, “Japanese pocket monster ‘Pokemon’ game fans passions in Jordan,” Agence France Presse wire service, April 5, 2001.
ذكرت بونكومباني Boncompangi انه بعد الفتاوى التي صدرت في العربية السعودية وقطر بمنع لعبة "بوكيمون" التهبت العواطف في عمان ايضا حيث اثارت الللعبة توترا بين المسيحيين فيما يرى بعض الاردنيين انها مؤامرة اسرائيلية.
وشعر الأب امانويل اسطيفان بنا من طائفة المسيحيين الارثوذكسيين السريان بوطأة النتائج منذ أيام عندما وصلت أول الرسائل المجهولة اليه بواسطة الفاكس.
وجاء في هذه الرسائل ان كلمة "بوكيمون" واسماء الشخصيات الموجودة في اللعبة كلمات يهودية جذرها في اللغة السريانية القديمة وانها تسيئ الى الاسلام ، كما صرح القس لوكالة الصحافة الفرنسية (اف ب). وقالت هذه الرسائل ان كلمة بوكيمون تعني "أنا يهودي" وان بيكاتشو (الشخصية الرئيسية في اللعبة) انما هو وصف رديء وجارح جدا لكلمة الله.
43 ـ اتهم العالم الديني نفسه ، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الشيخ ، غالبية اوراق البوكيمون التي يجري تداولها بأنها "تحمل نجوما سداسية هي رمز الصهيونية العالمية ودولة اسرائيل" فضلا عن "صلبان ذات اشكال مختلفة".
44 ـ الرئيس جورج دبليو بوش (كلمة في الاكاديمة العسكرية الاميركية ، ويست بوينت ، نيويورك) ، 1 يونيو ( حزيران ) 2002. انظر الموقع
www.whitehouse.gov.
45 ـ هشام قاسم في مقابلة صحافية ، الاذاعة الوطنية العامة ، 29 يوليو ( تموز ) ، 2002.
46 ـ سعد الدين ابراهيم ( كلمة القاها في بيت الحرية Freedom House ، واشنطن ، دي سي ) ، 21 اكتوبر ( تشرين الأول ) ، 2002.
47 ـ للاطلاع على عرض ممتاز لقضية ابو زيد انظر
Mary Anne Weaver, “Revolution by Stealth,” New Yorker, June 8 1998.
48 ـ سعد الدين ابراهيم (كلمة القاها في بيت الحرية ، واشنطن ، دي سي) ، 21 اكتوبر ( تشرين الأول ) ، 2002.
49 ـ Jon B. Alterman, “Egypt: Stable but for How Long?”, The Washington Quarterly, Volume 23, Number 4, Autumn 2000, p. 115.
50 ـ سعد الدين ابراهيم (كلمة القاها في بيت الحرية ، واشنطن ، دي سي) ، 21 اكتوبر ( تشرين الأول )، 2002. الاقتباسان السابقان ايضا من هذا المصدر.
51 ـ Rami Khouri, “Don’t stifle a rare Arab voice of moderation”, Globe and mail,July 5, 2000.
52 ـ Claudia Winkler, “Egypt’s Sakharov”, Weekly Standard, July 31, 2002, p. 1 of online version. Download at www.weeklystandard.com.
53 ـ للاطلاع على هذه الرسالة انظر الموقع www.memri.org. وانقر على
Reform in the Arab Muslim World ثم انتقل الى
October 15, 2000: Liberal Arab Intellectuals Call on President Mubarak to Free Dr. Saad Al-Deen Ibrahim.
54 ـ تلقيتُ شهادات من عدة نساء. لأسباب لا تخفى على القارئ لا تريد هؤلاء النساء كشف هوياتهن.
55 ـ أمير طاهري
Amir Taheri, “The Arab Role”, National Review Online, December 20, 2002.
56 ـ عزت مجيد كما ينقل عنه توم فريدمان
Tom Friendman, “Breaking the Circle”, New York Times, November 16, 2001.
أخذ فريدمان الاقتباس مما يسميه "صحيفة ذي نايشن The Nation الباكستانية الشعبية".
57 ـ محمد علي جناح (في اول خطاب له بصفته الحاكم العام لباكستان) ، 11 اغسطس ( آب ) ، 1947.
58 ـ احمد ، حديث في تورنتو ، 13 سبتمبر ( ايلول ) 2002.
59 ـ Akbar Ahmed and Lawrence Rosen, “Islam and Freedom of Thought,” www.islamfortoday.com (archived), p. 2.
60 ـ برويز مشرف كما ينقل عنه الموقع www.bbc.co.uk, 16 فبراير ( شباط ) ، 2002.
61 ـ Akbar Ahmed, “Reforming the Madrassah,” www.beliefnet.com (archived), p. 1.
62 ـ زبغنيو بريجينسكي ، لو نوفيل اوبزرفاتور Le Nouvel Observateur ، 15 ـ 21 يناير ( كانون الثاني ) ، 1998 ، ص 76.
63 ـ الرئيس ايزنهاور كما ينقل عنه نعوم تشومسكي
Naom Chomsky, “Drain the swamp and there will be no more mosquitoes”, The Guardian, September 9, 2002, p. 1 of online version.
64 ـ “Donahue”, MSNBC, August 2, 2002.
65 ـ الملك فهد كما ينقل عنه جون ايسبوسيتو
John Esposito, “A Response to ‘The place of Tolerance in Islam’, Boston Review, February/March 2002, p. 2 of online version.
الفصل السادس
بطن الاسلام الرخو
منذ زمن ليس ببعيد ، تناولتُ موضوعَي الله والمثليين خلال اسبوع للمكاشفة يفصح فيه الأفراد عن حقيقة توجههم الجنسي أُقيم في جامعة شمال اميركية (1 ). وكان منظوري في معالجة الموضوعين منظورا عالميا شاملا ينطلق من المسيحية وصولا الى اليهودية والاسلام. وكانت القاعة قد غصت بالحاضرين من معتنقي هذه الديانات ، دون ان يتميز أحد منهم على نحو خاص. مجموعة واحدة فقط حضرت منظَّمة. فان جمعية الطلاب المسلمين (ام اس أي) أرسلت كتيبة من الاعضاء انتشروا في ارجاء القاعة. وكانوا جميعهم وقوفا بحيث كلما رفعتُ عيني عن الملاحظات التي أمامي ، واينما أدرتُ وجهي تلتقي نظراتي بطلعة الاسلام الحقيقية ، ذات القسمات المتجهمة.
في الجلسة المخصصة للأسئلة والأجوبة ، طرحتُ سؤالا على جمهوري من الحاضرين. إذا كان الاسلام هو "السراط المستقيم" فلماذا توجد طرق ملتوية في الممارسة العملية؟ لماذا لا تستطيع صديقتي من الشرق الأوسط ان تُسمي الاسلام قوة تقدمية مغتنمةً مثل هذه الفرصة لتتولى بنفسها تصميم حجابها ، في حين تبعث لي صديقة اخرى ببطاقة بريدية من باكستان تظهر فيها نساء داخل شوالات سوداء بالكاد فيها شق للنظر أو التنفس؟ ( تقول البطاقة التي طُبعت في زمن حكومة طالبان ، بجذل: "تحيات من بيشاور!" ). كان مرامي من ذلك ، الاشارة الى ان الاسلام ليس صريحا في كل الأمور كما يُقال للمسلمين عادة.
تلك النقطة ضاعت في ما أعقب ذلك من هرج ومرج. هتف عضو في جمعية الطلاب المسلمين متسائلا من مؤخرة القاعة ، "لماذا الاختلاف في الممارسة؟ لأن الباكستانيين ليسوا مسلمين حقيقيين. فهم مهتدون ، والاسلام نزل على العرب". هنا ادار افراد عصبته من الجنوب اسيويين رؤوسهم بعيدا عني باتجاهه وقد بدا عليهم الارتياع والأذى مما سمعوه. لقد انهارت أمام انظاري الكتيبة المعادية للمثليين التي ارسلتها جمعية الطلاب المسلمين.
في اليوم التالي راسلتني باكستانية بالبريد الالكتروني. أرادتْ ان تعتذر لأنها كانت مع الطلاب الذين حاولوا تخويفي. قلتُ ، لاضير فردَّت ، بل كل الضير. فهي إذ جرَحَها تشكيك زميلها العربي في اسلامها أمضت الليل في التفكير. وقد أكدت قائلة ، "اني احتفظ بحقي في تحدي المثليين ولكن عليّ ان اقول أني لم اشعر بالارتياح الى القيام بذلك بمحاولة استفزازك. ففي قرارة نفسي أعرفُ ان الحجة تستحق مقابلتها بالحجة. وأنا ببساطة لم اعرف كيف اختلف مع "القيادة المركزية"". في مراسلات لاحقة بالبريد الالكتروني أوضحت انها تعني القيادة المركزية "العربية". كما تساءلتْ ما إذا كان سيجري التعامل مع العنصرية العربية في جمعيتها الطلابية.
أنا كان عندي التساؤل نفسه طيلة سنوات عملي في برنامج "تلفزيون شاذ". فان عددا يفوق الحد من المشاهدين المسلمين تهجموا على هويتي الروحية لأسباب عرقية محضة. والرسالة المفضلة عندي من "عربي غيور" عمَّدتني بصفة "سحاقية خنزيرة كذابة" لأن "فلاحة هندية" مثلي لن تفهم الاسلام. ارحموني يا ناس. لم يفهم هذا العربي ان حياتي في فترة المراهقة كانت مشبعة بالعروبة حتى أني عندما كان الأطفال يعيِّروني بأصلي الباكستاني مستخدمين كلمة "باكي" التحقيرية ، كنتُ أتصدى لهم بالقول أني في الحقيقة عربية. وعلى المشاهد الذي سمَّاني "خنزيرة" اكتفيتُ بالرد ان لحم الخنزير حرام علينا نحن المسلمين ، فهل يُعقَل ان نكون خنازير؟ الشيء الوحيد الذي كان بحاجة الى "تقويم" فيه هو شتائمه التي يطلقها في غير محلها.
في حينه لم أدرك المغزى الأعمق للقضية. اما الآن فاني ادركه. ذلك ان المسألة تتعلق بامتياز المؤسس. فحين يدَّعي العرب بامتياز تحديد اجندة الاسلام ، يسلطون الضوء على كيف حل التخويف محل الفكر. وإذ فَقَدَ العقل العربي القدرة على التفكير بوضوح فقدها معه العقل المسلم ايضا ـ كأن على المسلمين كافة ان يسيروا ( أو يعرجوا ) في خطى متساوقة مع أتباع العقيدة الأوائل. "نحن لسنا أذكياء بما فيه الكفاية" ( 2 ) ، هو التفسير الشائع في عموم العالم الاسلامي لسبب ان المسلمين الآخرين لم يتمكنوا من تخطيط اعتداءات 11 سبتمبر ( ايلول ). كما تحتل المؤامرات الصهيونية مكانة متميزة في اللغط حول مَنْ هو الفاعل. وينبغي ألا نستغرب من انتشار هذه النظريات انعكاسيا في الشرق الأوسط حيث اسرائيل هي العدو اللدود. ولكن الاقتناع بأن اليهود كانوا وراء 11 سبتمبر ( ايلول ) يسري بثقة أكبر في باكستان واسيا الوسطى والمجتمعات الاسلامية الكبيرة ، التعددية تقليديا في جنوب شرق آسيا حيث لا مكان للاحقاد العربية كي تترك بصمتها على الاسلام ، إلا إذا كان المسلمون ، كما سبق ان قُلت ، قبيلة عربية أكثر منهم أُسرة عالمية ( 3 ).
في القبيلة العربية ، على الأفراد من الفئات الدنيا ان يدينوا بالولاء المطلق لشيوخها. وعلى الامتثال يتوقف احساس الفرد بالهوية ، إن لم يكن بالأمن. لعل هذا هو السبب في ان النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي ، وهو حرب اقليمية بكل المعايير الوطنية ، أصبح محكا لوحدة المسلمين في العالم. فان تقويم الحقائق تقويما مدروسا ليس خارجا عن الصدد فحسب بل وغير مُستحَب ايضا. واتخاذ الجانب المأمون ، احتراما للروابط القبلية ، هو الأهم. الصحافي المخضرم فريد زكريا يؤكد ما اذهبُ اليه في كتابه الصادر عام 2003 ، The Future of Freedom ( "مستقبل الحرية" ). فهو يقول: "ان مسلمي اندونيسيا ، الذين قبل 20 عاما خلت لم يكونوا يعرفون أين تقع فلسطين ، متشددون الآن في دعمهم لقضيتها. ويمتد النفوذ العربي حتى الى مضمار العمارة. ذلك ان العالم الاسلامي جمع دائما في أبنيته بين المؤثرات العربية والسمات المحلية ـ من هندوسية وجاوية وروسية. ولكن يجري الآن تجاهل الثقافات المحلية في اماكن مثل اندونيسيا وماليزيا لأنها لا تُعتبر اسلامية بما فيه الكفاية ( أي ليست عربية )" ( 4 ).
لعلها العقلية الصحراوية هي التي أوجدت النزعة الذمية dhimmitude ، متبدية بالقمع المنهجي لليهود والمسيحيين في بلاد المسلمين. لماذا عامَلَ المسلمون بعض الأقوام ، حتى في ذروة تسامحنا ، بوصفهم أدنى منزلة؟ ما الذي أفضى الى وثائق تمييزية مثل "عهدة عمر"؟ لا بد ان يكون شيء أكثر من القرآن ، الذي يبيح محبة غير المسلمين. فما الذي رجح كفة التعصب؟ دعوني اقترح الآتي: لا مكان للمساواة في الصحراء إذا أُريد الحفاظ على تراتبية القبيلة سالمة.
لعل قبضة القَبَليّة الصحراوية هي السبب في ان الانتحاريين الفلسطينيين يعتمدون على العطايا التي يقدمها الحكام المستبدون العرب ( 5 ). فان ابوية الصحراء تعني توزيع المكارم التي يمنُّ بها شيخ القبيلة. وعلى هذا الصعيد "نحتاج الى كثير من النقد الذاتي" ، كما قال لي الدكتور اياد سراج من صالون منزله المزخرف في غزة في يوليو ( تموز ) عام 2003. والدكتور سراج مؤسس منظمة لعلاج الأمراض العقلية في غزة the Gaza Community Mental Health Programme وهو ايضا فلسطيني دفعت صراحته ياسر عرفات الى اعتقاله. يتحدث الدكتور سراج باستفاضة عن ما أنزله الاسرائيليون على انفسهم من احساس بالخوف والذنب يحيلهم الى ظالمين ، ثم يتبرع بشيء عن شعبه هو فيقول: "أعرفُ ان لدينا الكثير من الأمراض النفسية psychopathology . فهذا مجتمع ذكوري لا دور فيه للمرأة ، ولا وجود لحرية التعبير ، بل هناك جو خانق من التخويف....ان هذه بنية قَبَليَّة يُعدُّ الاختلاف فيها خيانة. لم نتوصل بعد الى حال من المواطنة في البلدان العربية يكون الأشخاص معها متساوين امام القانون. وهذا أمر خطير للغاية".
وأنا اصدِّق ذلك. فان رجاء شهادة لم يتمكن من الافصاح عن ما يدور في ذهنه في رام الله لأن الشبكة الاخطبوطية من العلاقات الاجتماعية تسحق الفرد ، كما يعترف هو نفسه. والاشخاص يجدون انفسهم مربوطين ، بهذا القدر أو ذاك ، في سلسلة لا حيز يُذكر فيها لحلقة ضعيفة ـ لصوت معارض. ويخاطر المرء بحياته عندما يغني خارج السرب لأن مصيره ليس بيده على الاطلاق. انه مُلك القبيلة. وشرف المرء ليس شرفه وحده ، والخروج عن الصف يجلب العار على أقاربه وفي احيان كثيرة على العشيرة كلها.
ولعل شخصية الاسلام الصحراوية هي السبب في ان بالامكان اغتصاب المرأة في باكستان لغسل ما لحق بالعشيرة من عار ، حتى وإن لم تكن هي المسؤولة عن تلطيخ شرف العشيرة بل أحد آخر. فلأن المرأة هي مُلك عائلتها يكون اغتصابها عارا على العائلة ، ما يجعل من المرأة بيدقا مناسبا في الخصومات الثأرية بين العائلات.
بعضكم سيحتج ، "ان هذا ليس اسلاما. فالقوانين المعمول بها في باكستان ، مثلها مثل القوانين السارية في العالم الاسلامي برمته ، تجمع بين التقاليد الدينية والتقاليد غير الدينية!" قد يكون في هذا شيء من الصواب ، وعندئذ يغدو السؤال: هل يمكن اقتلاع معايير الصحراء من الاسلام؟ إذا كان ثمة إمكان كهذا ، وفقط بإمكان كهذا ، سيكون لدينا بصيص أمل بالاصلاح.
أتحداكم وأنتم تفكرون في ذلك ، ان تجيبوا عن السؤال الآتي: لماذا يكون من الصعوبة بمكان انتشال الاسلام من العادات المحلية ـ العادات القَبَلية ـ إذا لم يكن ثمة شيء قَبَلي بعمق في الدين نفسه اساسا؟ فان لكل دين نماذجه الانعزالية ، له قبائله في الروح والعقل. ولكن ما يجب اماطة اللثام عنه في الاسلام هو بُعدُه الصحراوي القبلي الذي يرتقي بفعل رص الصفوف الى مستوى غير معقول.
جابر عصفور كاتب مصري يُبدي ارتياعه إذ يرى زحف "اسلام الصحراء" على ما في بلده من تقليد في التبادل الصاخب بالأخذ والرد. وهو يشير الى ان اسلام الصحراء يتعارض مع ما في "حياة "الحارة" من تعددية ومساومات ، إذ انه متعصب" ( 6 ). وعلى غرار بدو القرن السابع الذين كانوا يرون في كل منعطف ثأرا يتربص بهم فان الاسلاميين الذين يستوحون حياة الصحراء يرتابون فورا بـ"الآخر" وحتى يضمرون له الكراهية. و"الآخر" هو اليهود ، والغربيون ، والمرأة التي يقول عصفور ان ثقافة الصحراء تعدُّها "مصدرا للغواية والشر" ( 7 ). وهو يزعم ان اموال النفط التي تدفقت على العربية السعودية اسهمت في اشاعة عادات الصحراء القاسية. دون شك. ولكني اعتقد ان هذه العادات حددَّت شكل الاسلام زمنا أطول بكثير مما نريد الاعتراف به.
تسليمة نسرين ، وهي كاتبة نسوية وطبيبة أُبعدت من بلدها بنغلاديش ، اعطتني مثالا ملموسا على ما عاشته قبل ان يُصيب السعوديون ثراءهم بزمن بعيد. قالت نسرين: "قيل لي في طفولتي ان الله بكل شيء عليم. وكل شيء يعني كل شيء". إذاً ، ينبغي ان يكون الله عليما باللغة البنغالية ، أليس كذلك؟ فسألتْ نسرين والدتها ، "لماذا عليّ والحال هذه ان أُصلِّي بالعربية؟ عندما أُريد ان اتكلم الى الله لماذا يتعين عليّ ان استخدم لغة غيري؟" والدتها لم تقدم اسبابا بل كليشهات معهودة. "استظهرت من القرآن لأن الحديث يذهب الى انك عندما تموت يأتيك مَلَكان يسألانك اسئلة من الروح ، ويتعين ان تكون الاجابات بالعربية وإلا فان قبرك يطبق عليك بقسوة. لماذا لا يعرف هذان المَلَكان اللغة البنغالية؟ يبدو وكأن الله احتل عقول المسلمين ، كأنه غزاها" ( 8 ). وجزاء تحدياتها للاحتلال الديني في سن البلوغ أُجبرت نسرين على الهرب من وطنها في عام 1994. وهي الآن تعيش في مكان غير معروف في السويد.
احترام والدتها للغة العربية يُعيد الى الأذهان احترام السيد خاكي وعدد لا يُحصى من المسلمين لها. أنا لم أفهم قط ـ هذا الاحترام وليس فقط اللغة نفسها. هل يُشعر المسيحيون بعضهم بعضا بالدونية لجهلهم باليونانية ، اللغة الأصلية التي كُتب بها "العهد الجديد"؟. مر زمن لم يكن بالوسع فيه ممارسة شعائر الديانة المسيحية إلا باللغة اللاتينية ، الأمر الذي كان يحمي سلطة رجال الكهنوت في الفاتيكان. المسلمون ليس لديكم فاتيكان. ولكن ثم ماذا؟ فأنا ، شأني شأن تسليمة نسرين ، قيل لي ان اتواصل مع الله بلسان سيان عندي ان يكون حتى يونانيا. لماذا ينبغي ان تكون العربية لغة لا تُعوَّض؟ قطعا ان كلمة الله الاولى التي نزلت على النبي كانت "اقرأ!" ، والعربية هي ما قرأه. ولكن ، كما قلتُ سابقا ، كان محمد أُميا. وما هذا بخافٍ على المسلمين. وقدرته على القراءة بمشيئة الله كانت تشير الى تحقق معجزة لا الى سمو لغته الأم.
يبدو لي ان الامبرياليين الثقافيين العرب يتنافسون مع الله على لقب "العلي القدير". والقرآن يصر على انه "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم" ( 9 ). فلماذا ، إذاً ، يتعين على المسلمين ان يركعوا باتجاه مكة خمس مرات في اليوم؟ أليس في هذا ما يُشير الى خنوع للصحراء؟
سمُّوني سطحية ، ولكن بالامكان تلمس القَبَلية الصحراوية حتى في ما يُقال للمسلمين ان يرتدوه من ملبس. فان ملايين النساء المسلمات خارج الجزيرة العربية ، بما في ذلك الغرب ، يتحجبن. وهن يقبلن بأن التحجب فعل يدلُّ الى الخضوع الروحي. انه اقرب الى الاستسلام الثقافي. هل تعرفون من أين حصلت النساء الايرانيات على تصميم الشادور الذي ساد بعد الثورة ـ العباءة التي لا تكشف حتى عن خصلة من الشعر؟ من ملا كان يقود الشيعة في لبنان ( 10 ). فكان الشادور سلعة تم استيرادها برسم جمركي باهظ. وفي حين ان القرآن يقضي بتحجب نساء النبي فانه لا يفرض ابدا مثل هذه الممارسة على النساء كافة. وإذا أردتم الحق ، لماذا ينبغي ان يفرضها؟ فالحجاب يحمي المرأة من رمل الصحراء وحرارتها ـ وما هي بمشكلة ملحة خارج الجزيرة العربية والصحراء الكبرى في شمال افريقيا والفلاة الاسترالية. وهذا يعني ان باستطاعتي ان ارتدي كنزة ذات ياقة ضيقة وقبعة من النوع الذي يعتمره لاعبو البايس بول لاستيفاء شروط الحشمة التي يأمر بها الدين. وأن أتحجب "لأن هذا ما يُفترَض بي أن افعله" انما هو بمثابة انتصار لموضة عرب الصحراء الذين اصبح لباسهم التقليدي أكثر الرموز موثوقية في كيفية الظهور بمظهر المسلمة التقية. قولوا لي هل المطلوب من الله ان يعمل كما تعمل مجلة "برادا" Prada المتخصصة بالازياء؟
ان محاكاة سكان الصحراء بملبسهم أو لغتهم أو صلاتهم لا تعني بالضرورة الالتزام بكلام خالق الكون. ولكن أنَّا لك ان تعرف ذلك وقد اقترن نشر الاسلام بالخرافات على مر القرون. وهذه الخرافات أحالت المسلمين من غير العرب الى عملاء لأسيادهم العرب ـ زبائن يجب ان يشتروا ما يُباع لهم باسم "التنوير" الاسلامي.
وعندي فان اشد ما يثير الحنق من هذه الخرافات هو "الجاهلية" ، الانحطاط الاخلاقي الذي يُقال انه كان سائدا قبل ظهور الاسلام. وقد تصفحتُ مؤخرا عند احد الأقارب في تورنتو كتابا يشير الى الفترة السابقة على الاسلام بوصفها "عصر الجاهلية" ـ وقد كُتبت العبارة بحروف كبيرة (11 ). صحيح ان الجزيرة العربية في القرن السابع كانت غارقة في بحر من التحلل والعنف استحث ضرورة انبثاق عقيدة توحيدية. ليس عندي خلاف مع ذلك. ولكن القرآن لا يتحدث عن التخلف الأخلاقي إلا في سياق التاريخ "العربي". واللغز المحيِّر هو ان العرب افترضوا ان الأقوام غير العربية التي قهروها كانت جاهلة اخلاقيا على اختلافها. وجرى تعليم المقهورين عمليا انه إذ احاط القرآن الفترة السابقة على ظهور الاسلام بظلام دامس فان أي معارف قبل مجئ محمد هي بمثابة كفر وزرُه على كاهل كل مسلم خارج الجزيرة العربية بقدر ما هو على كاهل أهلها. هذه الخرافة هي ما حوَّل والدة تسليمة نسرين الى روبوت ديني تستظهر العربية بوزر الآثم.
في. أس. نايبول ، مَثَله مثل فريد زكريا ، رأى العواقب على نطاق أوسع. فقبل سنوات تذكَّر نايبول رحلاته في ايران وباكستان وماليزيا واندونيسيا. وإذ اعترف بنضالاتها ضد المستعمرين الاوروبيين فانه سرعان ما اكتشف انه "ما من استعمار كان شاملا مثل الاستعمار الذي جاء مع دين العرب....فقد كان من مقومات دين العرب ان كل ما سبقه خطأ وضلال وهرطقة: لم يكن هناك متسع في قلب هؤلاء المؤمنين وعقلهم لماضيهم قبل محمد" ( 12 ). وأنا قد استمعتُ الى مسلمين ليسوا بالقلائل يشطبون على نايبول بوصفه عنصريا. وثمة في هذا مفارقة لأن النقطة التي يطرحها تساعد على توضيح السبب في أني عندما كنتُ اتعلم في المدرسة الدينية ، لم اسمع أي شيء بالمرة عن المصادر اليهودية والمسيحية للعديد من التقاليد الاسلامية. فالاعتراف بهذه المؤثرات يعني ان العالم لم يكن غارقا في ظلام الجاهلية قبل الاسلام ، وان المسلمين العرب استعاروا ممن سبقوهم ، وانهم هجائن بذمتهم دَيْن للآخرين وليسوا ثوريين انقياء. ولكن قول هذا كله يشكل تحديا للقبيلة. وهذا غير وارد بأي حال من الأحوال ، اليس كذلك؟
ربما كان واردا. فكروا في السؤال "التابو" ما إذا كان القرآن كلام الله من البداية الى النهاية. فخلال العقود الاولى من الاسلام ، احرز العرب الذين لم يكن لديهم الوقت الكافي لهضم الدين الجديد ، نجاحات عسكرية باهرة عالميا بإسم الله. ومن الجائز ان القرآن تطلَّب أن يُجمَع على عجل لمواجهة ضغوط بناء الامبراطورية. وفي مبحث ريادي بعنوان What is the Koran? "ما هو القرآن" روت مجلة اتلانتيك مونثلي الشهرية Atlantic Monthly قصة قائد عسكري عائد من اذربيجان. وحذر القائد العسكري خليفة محمد الثالث عثمان بن عفان بأن الذين دخلوا الاسلام حديثا بدأوا يختصمون حول ما يقوله القرآن. وناشد الخليفة ان يوقف هؤلاء عند حدهم قبل ان يشعلوا نار الفتنة مثلما اشعلها اليهود والمسيحيون من قبلهم. فأمر عثمان بتغيير جذري في التعامل مع القرآن على وجه السرعة. وصار المحفوظ من الآيات يُكتب والمتناثر من رقوق النص المقدس يُجمع لضمِّها كلها في صيغة واحدة من القرآن. وتقرر اتلاف النسخ "الناقصة" أو غير الرسمية من القرآن. سؤال: بعد أن أُقرت الصيغة النهائية بهذه العجالة على انها النص الكامل ، ماذا لو لم يكن هذا النص "كاملا"؟
من المنطقي ان تكون للقرآن نواقص. فان سرعة بناء الامبراطورية العربية كان من شأنها ان تبلور أولويات تضع الدين في خدمة الاستعمار وليس العكس. أليس من الجائز ان تكون بعض آيات القرآن تعرَّضت الى التلاعب لتحقيق مواعيد واهداف سياسية؟ أليس من الجائز ايضا ان المحاربين العرب ، الذين كانوا أكثر تآلفا مع عاداتهم الغليظة منه مع دينهم الجديد ، طعَّموا الاسلام الذي صدَّروه بالكثير من هذه العادات؟ ليس من الصعب ان نرى كيف ان المخزون الثقافي لعرب الصحراء ، كالحواجز القبلية ، سيظهر وكأنه الاسلام بوجهه الناصع. ولا هو بالصعب ان نتخيل كيف ان اسلاما يخدم الغرض سيصبح اسلاما طيعا ـ أقل طاعة لله منه للمحاربين في سبيله.
ولكن قبضة القَبَلية تراخت في القرون الاولى من الاسلام وازدهر الابداع. كيف نفسر العصر الذهبي الذي عاشته التجارة والمناضرة والتلاقح الثقافي؟ ما الذي انجب عالما وفيلسوفا منفتح القلب مثل الكندي الذي اعرب عن "كل الامتنان للأجيال السابقة من الأعاجم الذين لو لم يعيشوا ، لتعذر علينا نحن ، على ما فينا من حماسة ، أن نتمكن في زمن حياتنا من تجميع مبادئ الحق هذه....؟" (13) بإختصار ، أين كان موطن الصواب؟ أهو يا تُرى تصور مستقبل ما!
كان تراكم الانتصارات العسكرية يعني ان العرب شعروا بأن لديهم مستقبلا عظيما وآمنا ، الأمر الذي كان ، بدوره ، يعني ان لا داعي لأن يكون الاسلام جامدا أو متعنتا بلا مهادنة. الأفضل ، في الحقيقة ، ان يكون الاسلام مرنا ليمكن توطيد الامبراطورية المتسعة بوتائر متسارعة ، وادارتها. صحيح انه لم يكن من الممكن فصل الدين عن السياسة ، ولكن كان بالامكان فصل الإطلاق عن السُمعة. وادراك ان النزعة الإطلاقية لا تبني سُمعة قد يكون هو ما دفع امراء طموحين الى توظيف خيرة العقول وقتذاك ـ من اليهود والمسيحيين ، بالطبع ، ولكن من المسلمين غير العرب ايضا. والمسلمون غير العرب هم الذين أبدعوا المجموعة الكاملة من الاعمال الفكرية في الشرع الاسلامي حتى مجئ العصر الذهبي وفي اثنائه. فقد ازدهرت نحو 135 مدرسة فكرية في مرحلة سابقة. ولعل العبرة من ذلك ان المسلمين العرب أوجدوا توازنا بين ماضيهم القَبَلي ومستقبل تعددي.
في هذه الحالة ثمة عبرة اخرى نستخلصها. فعندما فَقَدَ المسلمون العرب امبراطوريتهم نفضوا ايديهم ايضا من الموازنة بين الماضي والمستقبل ، بين القَبَلية والتسامح. واندحروا في معارك خاضوها ضد غير العرب من البربر الى المغول ، ومن الصليبيين الى الاتراك العثمانيين. وكانت هذه الهزائم مهينة للمحاربين العرب المخضرمين. ولكن الأنكى من ذلك ان عقولهم تلقت ضربات ماحقة. ففي القرن الثالث عشر يُروى ان المغول رموا ملايين المخطوطات في نهر دجلة "الذي تحول ماؤه اسود طيلة ايام بسبب ما سال فيه من مداد ودم" ( 14 )، على حد تعبير مسلم استبدت به العاطفة. اما الصليبيون فقد لجأوا الى اشعال حرائق هائلة حيث قام الاساقفة ذات مرة بإضرام النار في نحو 80 الف مجلَّد مترَعَة بالافكار. وثمة هنا استعارة مجازية للطريقة التي أخذ العرب ينظرون بها الى مستقبلهم: مستقبل غارق ، محروق أو مُصادَر. وقد كانو بحاجة الى بلسم شافٍ.
المجد الوحيد الذي يمكن ان يدَّعيه العرب بلا مراء هو مجد اللحظة التي ظهر فيها الاسلام. وأن يكون القرآن انبثق من قلب الجزيرة العربية ، بلغة العرب ، فان هذا كان يشير الى ان آيات "الختام" التي أنزلها الله ستكون مُلك مَنْ يمثِّلون الجزيرة العربية الى الأبد. وما من أحد سواهم يستطيع أن يكون قريبا الى ذلك قرب العرب ، جغرافيا وروحيا. وهنا تكمن العزة ، بل وحتى الخلاص ، بعد هذا السقوط المدوي. ولكن هذا البلسم كان قنبلة. وقد تردى التوازن ذو الأهمية الحاسمة بين الماضي والمستقبل ترديا مطردا الى استغراق دفاعي في الماضي ـ وعلى الأخص الى تعلق بلحظة التأسيس. وأنا اسمي ذلك نزعة "تأسيسية" ( من التأسيس على غرار الاصولية من الأصل ـ foundamentalism مقابل
Fundamentalism).
لقد كانت هذه "النزعة التأسيسية" وراء العديد من المآسي, فان رجال الدين ، الذين كان الاسلام ولي نعمتهم الحديثة ، اصبحوا عمليا سدنته. ومع غلق باب الاجتهاد بحلول القرن الثاني عشر ، كان المفتون قد أخذوا يبسطون سطوتهم لمراقبة الحقيقة. ومع تضييق الخناق على الحقيقة تعاظمت سلطتهم ليصبحوا اقرب الى الجنود منهم الى العلماء. وأصبح التجديد بكل اصنافه موضع شبهة الى ان تم تحريمه نهائيا. وباعتبارهم اوصياء على لحظة التأسيس عاد علماء الدين الى النصوص الأصلية "الكاملة" ، الى القرآن والحديث ، دليلا على حظر السعي الى أي معرفة اضافية. ومن بين احاديث النبي التي راجت تحذيره من كل ما هو جديد بوصفه "كل محادثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ( 15 ).
يا لها من طريقة عظيمة لبناء المستقبل ، أليس كذلك؟
كان ينبغي ان يقتصر تكبيل التجديد على الجزيرة العربية إن كانت ثمة ضرورة لذلك اصلا. وبدلا من ذلك طاول الحُكم بتحريم التجديد ، المسلمين ابعد من الصحراء بكثير. ففي عام 1579 مثلا تلقت اسطنبول مرصدا فلكيا. وفي عام 1580 قضى علماء الدين بهدمه. ويلاحظ العالم المسلم مراد هوفمان ان جامعة الأزهر رغم صيتها الذائع "كانت قاصرة في مجال العلم". يا له من تراجع بالمقارنة مع بضعة قرون لا أكثر حين كان الاسلام سيد العالم في علوم الفلك والرياضيات والطب والكثير غير ذلك. وان هذه الانتكاسة تزكِّي ما ذهب اليه مَنْ بدأ تشغيل اول مطبعة في اسطنبول ـ والعالم الاسلامي ـ عام 1728. إذ قال ابراهيم متفرقة في طلبه الموافقة على اقامة مشروع تجاري "ان من الهام أهمية حيوية للمسلمين ، الذين كانوا متقدمين على الغرب في العلوم ، أن لا يسمحوا لأنفسهم بالانكفاء". وبحلول عام 1745 اضطر الى غلق مشروعه. فقد أفتى الملالي بمنع المطبعة.
ليس معنى هذا ان ابداع المسلمين توقف تماما. ففي مطالع القرن العشرين على سبيل المثال ، ايقظت أميرة فارسية ، لفترة قصيرة ، وعيا نسويا ( أو وعيا قوميا ، على اية حال ) اسفر عن تغيير شامل في دستور دولتها ( 16 ). وفي اصفهان بايران ، واغرا بالهند ، وفاس بالمغرب ، وسراييفو بيوغسلافيا ـ وكلها مدن كوزموبوليتانية حتى النخاع ـ لم تلق الدعوات الى التدين المتزمت استجابة تُذكر. كما ان هذه الدعوات كانت بلا معنى عند طوائف محدَّدة في الاسلام. وكما تؤكد كارين ارمسترونغ فان "الاسماعيليين ـ فرقة شيعية ـ كانوا يُدْعَون الى البحث عن الحقيقة اينما وجدت ، والصوفيين كانوا متفانين في حب النبي عيسى ، والفلاسفة ، بوحي من دراسة افلاطون وارسطو ، كانوا يبحثون عن شكل من الايمان أكثر شمولا" (17). ولكن كل هؤلاء الأشخاص والأماكن كانوا في الأطراف. فالبعيديون عن الصحراء لم يسيروا في الاتجاه العام. الجزيرة العربية هي التي كانت تمضي في هذا الاتجاه.