مقدمة: أحاديث الغلو أو قصص الخرافة
8) جبريل يسجد مهابة من أبي بكر
10)أبوبكر شيخ يعرف والنبي شاب لا يعرف
12)اسلام أبي بكر قبل ولادة علي
23)أبوبكر خير أهل السماوات والارض
24)ثواب النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر
25)الحب والشكر الواجبان على الامة
27)ما أسلم أبو مهاجر الا ابوبكر
المقدمة: أحاديث الغلو أو قصص الخرافة
هذه أبحاث مجملة تمثل لنا نفسيات الخليفة ، وملكاته الفاضلة ، نقتصر بها في هذه العجالة وإن لم تزحفنا ولم يتأت بها القصوى ، غير ان فيها بلغة في ايقاف الباحث على حد الخليفة ، ومقياسا يعرف به القالي له من الغالي فيه ، والمقتصد فيه من القاسط عليه ، ويمتاز به سرف القول في امتداحه عن جزاف الامتداح عليه ، فيهمنا عندئذ ذكر نزر يسير مما سرده القوم من فضائله التي فيها من الغلو الفاحش ما لا يخفى على أي أحد ثم نشفعه بما جاء في غيره حتى يعرف أهل الغلو في الفضائل .
ذكر الشيخ ابراهيم العبيدي المالكي في كتابه " عمدة التحقيق " في بشائر آل الصديق ( 1 ) نقلا عن كتاب " العقائق " والصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص 184 نقلا عن " عيون المجالس " قالوا : روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لعائشة رضي الله عنها : إن الله تعالى لما خلق الشمس خلقها من لؤلؤة بيضاء بقدر الدنيا مائة وأربعين مرة وجعلها على عجلة ، وخلق للعجلة ثمانمائة وستين عروة ، وجعل في كل عروة سلسلة من الياقوت الاحمر ، وأمر ستين ألفا من الملائكة المقربين أن يجروها بتلك السلاسل مع قوتهم التي إختصهم الله بها ، والشمس مثل الفلك على تلك العجلة وهي تدور في القبة الخضراء ، وتجلو جمالها على أهل الغبراء ، وفي كل يوم تقف على خط الاستواء فوق الكعبة لانها مركز الارض و تقول : يا ملائكة ربي إني لاستحي من الله عزوجل إذا وصلت إلى محاذاة الكعبة التي هي قبلة المؤمنين أن أجوز عليها ، والملائكة تجر الشمس لتعبر على الكعبة بكل قوتها
--------------------------------------------------------------
(1) ص 184 هامش روض الرياحين لليافعى المطبوع بمصر سنة 1315 .
فلا تقبل منهم وتعجز الملائكة عنها ، فالله تعالى يوحي إلى الملائكة وحي إلهام فينادون : أيها الشمس بحرمة الرجل الذي إسمه منقوش على وجهك المنير إلا رجعت إلى ما كنت فيه من السير فإذا سمعت ذلك تحركت بقدرة المالك ، فقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله من هو الرجل الذي إسمه منقوش عليها ؟ قال : هو أبوبكر الصديق يا عائشة قبل أن يخلق الله العالم علم بعلمه القديم أنه يخلق الهواء ، ويخلق على الهواء هذه السماء ، ويخلق بحرا من الماء ، ويخلق عليه عجلة مركبا للشمس المشرقة على الدنيا ، وإن الشمس تتمرد على الملائكة إذا وصلت إلى الاستواء ، وإن الله تعالى قدر أن يخلق في آخر الزمان نبيا مفضلا على الانبياء وهو بعلك يا عائشة على رغم الاعداء ، ونقش على وجه الشمس اسم وزيره أعني أبابكر صديق المصطفى ، فاذا أقسمت الملائكة عليها به زالت الشمس ، وعادت إلى سيرها ، بقدرة المولى ، وكذلك إذا مر العاصي من امتي على نار جهنم وأرادت النار على المؤمن أن تهجم ، فلحرمة محبة الله في قلبه ونقش اسمه على لسانه ترجع النار إلى ورائها هاربة ، ولغيره طالبة .
قال الاميني :
إن مما يغمرني في الحيرة أن هذه لعجلة ، لم لم يكتشف عنها علماء الهيئة قديما وحديثا ، مع توفر أدوات الكشف ومحصلاته لاهل الهيئة الجديدة خاصة ؟ وانهم لماذا استقرت آرائهم بعد تقدم العلم واستفحال أمره وكثرة اكتشافاته على دوران الارض على الشمس ؟
وتعلمنا الرواية عن أن البخار لم يكن مستخدما عند إنشاء تلك العجلة فيمدها الله سبحانه به حتى لا يشعر بارادة مريد ، ولا حياء من يستحي ، فيمضي بالعجلة ويوصله في أسرع وقت إلى حيث شئ لها قدما ، ولكن العجب ان الله سبحانه لم لم يستبدل بالبخار عن الملائكة بعد اكتشافه فيطلق صراح اولئك الآلاف المؤلفة المقيدة بسلاسل بلاء العجلة ، ويعتقهم عن مكابدة تمرد الشمس في كل يوم ؟
وهناك مسألة لا أدري من المجيب عنها وهي : ان ارادة الله سبحانه الفائقة على كل قوة جامحة وهي تمسك السماء بغير عمد ترونها ، وتسير الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ، صنع الله الذي أتقن كل شئ ، لم لم تقم مقام اولئك المسخرين لجر الشمس حتى لا يوقفها تمرد ، ولا تحتاج إلى عرى وسلاسل ، أو الاقسام بمن كتب اسمه عليها ؟ وما الذي أحوج المولى سبحانه في تسيير الشمس إلى هذه الادوات من العجلة والعرى والسلاسل ، وخلق اولئك الجم الغفير من الملائكة واستخدامهم بالجر الثقيل ، وهو الذي إذا أراد شيئا أن يكون يقول له : كن . فيكون ؟
ثم إن الشمس هلا كانت تعلم ان إرادة الله سبحانه ماضية عليها بجريها إلى الغاية المقصودة ؟ فما هذا التوقف والتمرد ؟ والله تعالى أعلم بعظمة الكعبة وشرفها منها وقد جعلها في خطة سيرها . أني للشمس أن تجهل بها ؟ وهي هي الشاعرة بخط الاستواء ، ومحاذاة الكعبة ووصولها إلى تلك النقطة المقدسة ، وهي العارفة بمقامات الصديق ، وان اسمه منقوش عليها ، وان من واجبها أن تنقاد لا تجمح على من أقسم به عليها .
ومن عويصات لا تنحل : تجديد الشمس تمردها كل يوم ، والشمس تجري لمستقرء لها ذلك تقدير العزيز العليم (1) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل وسابق النهار و كل في فلك يسبحون (2)
وأعوص من ذلك : انشاد الملائكة إياها في كل نهار بتلك الانشودة الضخمة و وحي الله إليهم بها طيلة عمر الدنيا
هكذا تشوه رواة السوء سمعة السنة الشريفة ، وهي مقدسة عن هذه الاوهام الخرافية وان هذه كلها من جراء الغلو الممقوت في الفضائل ، ولو كان مختلق هذه المرسلة المقطوعة عن الاسناد يعلم ما ذكرناه من الفضايح المترتبة على افتعالها لمااقتحم هذاالاقتحام المزري .
------------------------------------------------------------
(1 ) سورة يس . آية 38 . ( 2 ) سورة يس آية 40
ذكر اليافعي في روض الرياحين ( 3 ) عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه انه قال :
بينما نحن جلوس بالمسجد وإذا نحن برجل أعمى قد دخل علينا وسلم فرددنا عليه السلام وأجلسناه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يقضيني حاجة في حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال أبوبكر رضي الله عنه : ما حاجتك يا شيخ ؟ فقال : إن لي أهلا ولم يكن عندي ما نقتات به ، واريد من يدفع لنا شيئا نقتات به في حب رسول الله صلى الله عليه وآله . قال فنهض أبوبكر الصديق رضى الله عنه وقال : نعم أنا أعطيك ما يقوم بك في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : هل من حاجة اخرى ؟ فقال : نعم إن لي ابنة اريد من يتزوج بها في حياتي حبا في محمد صلى الله عليه وسلم فقال أبوبكر رضي الله عنه : أنا أتزوج بها في حياتك حبا في رسول الله صلى الله عليه وسلم هل من حاجة اخرى ؟ فقال : نعم اريد أن أضع يدي في شيبة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حبا في محمد صلى الله عليه وسلم . فنهض أبوبكر رضي الله عنه ووضع لحيته في يد الاعمى وقال : امسك لحيتي في حب محمد صلى عليه وسلم . قال: فقبض الاعمى بلحية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال : يا رب أسألك بحرمة شيبة أبي بكر ألا رددت علي بصري . قال : فرد الله عليه بصره لوقته ، فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا محمد السلام يقرئك السلام ، ويخصك بالتحية والاكرام ، ويقول لك : وعزته وجلاله لو أقسم علي كل أعمى بحرمة شيبة أبي بكر الصديق لرددت عليه
بصره ، وما تركت على وجه الارض أعمى ، وهذا كله ببركتك وعلو قدرك وشأنك عند ربك .
--------------------------------------------------------------
(3) طبع بمصر في المطبعة السعيدية هامش العرائس للثعلبى توجد الرواية في ص 443 ينقل عنه القسطلانى في المواهب ، وقال الزرقانى في شرح المواهب 3 ص 157 مؤلف حسن ، و طبع لليافعى كتاب آخر مستقلا في مصر سنة 2315 باسم روض الرياحين ايضا ، وهو تأليفه الاخر غير المطبوع في حاشية العرائس .
قال الاميني :
إنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور . حقا أن هذا الضرير قد عمي قلبه قبل بصره ، فلم يعقل إن القسم بشيبة رسول الله صلى الله عليه وآله أولى من شيبة أبي بكر ، فهي مقدمة قداسة وشرفا وزلفة عند الله سبحانه ، وهو صلى الله عليه وآله أكبر من أبي بكر سنا وأكثر شيبة ، فما أعمى الرجل عنها إن كان يريد مقسما به يبر الله سبحانه به قسمه؟ أو أنه له في شيبة أبي بكر غاية لم نعرفها ؟
ثم أين عن هذه الشيبة عميان أهل السنة ؟ وما أغفلهم عن الوحي المنزل فيها ؟ فيقسمون على الله بها فيكشف عن أبصارهم ،
وما بال الحفاظ وأئمة الحديث أرجأوا نشر هذه الرواية إلى القرن الثامن عهد اليافعي ؟
هل بخلوا على عميان الامة بمثل هذا النجاح الباهر وفي الوحي المزعوم قوله سبحانه : وعزتي وجلالي لو أقسم علي كل أعمى . الخ ؟ أو أنهم وجدوا مولد هذا الحديث بعد عصورهم فلم يشيدوا بذكره ؟ أو رؤا فيه غلوا فاحشا بتقديم لحية أبي بكر على شيبة رسول الله صلى الله عليه وآله فطووا عن روايته كشحا ؟ أو عقلوا فيه مهزأة بالله ووحيه وأمينه ونبيه فضربوا عنه صفحا ؟
ذكر النسفي ان رجلا مات بالمدينة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه فنزل جبريل وقال : يا محمد لا تصلّ عليه . فامتنع . فجاء أبوبكر فقال : يا نبي الله صل عليه فما علمت منه إلا خيرا . فنزل جبريل وقال : يا محمد صل عليه ، فإن شهادة أبي بكر مقدمة على شهادتي .
مصباح الظلام للجرداني 2 ص 25 ، نزهة المجالس 2 ص 184 .
قال الاميني :
هلم معي نناقش راوي هذه السفسطة الحساب بعد أن لم نقف لها على اسناد نناقش رجاله ونسائله عن
أن ما أداه جبريل من الشهادة أكان من عند نفسه ؟ ولم يكن لامين الله على وحيه أن يأتي رسوله بشئ من قبل نفسه فحابا أبا بكر بتقديم شهادته أم كان وحيا من المولى سبحانه ؟ - وهو المطرد في كل هبوط له إلى الرسول الامين - فأبطل ذلك الوحي المبين مجازفة لمحض ان أبابكر شهد بضد ما جاء به ؟ وأيا ما كان فإن اخباره كان لا محالة عن عدم تأهل الرجل في الواقع للصلاة عليه في صورة نهي مفيد للتحريم ، ومؤداه ان الله سبحانه يبغض أن ترفع اليه صلاة على مثله من نبيه المحبوب ، فهل يكون قول أبي بكر بتأهله المستنبط من ظاهر الحال الذي يخطأ ويصيب ، ولا شك انه مخطأ في هذه المورد بالخصوص لنزول الوحي بخلافه ، فهل يكون قول هذا شأنه مبطلا للوحي المبين ؟ تبصر واحكم .
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خاتمه إلى أبي بكر وقال : اكتب عليه : لا إله إلا الله ، فدفعه أبوبكر إلى النقاش وقال : اكتب عليه : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . فكتب عليه . فلما جاء به أبوبكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجد عليه لا إله إلا الله محمد ، رسول الله ، أبوبكر الصديق . فقال : ما هذه الزيادة يا أبابكر ؟ فقال : ما رضيت أن افرق اسمك عن اسم الله ، وأما الباقي فما قلته فنزل جبريل وقال : إن الله سبحانه وتعالى يقول : إني كتبت اسم أبي بكر لانه ما رضي أن يفرق اسمك عن اسمي ، فأنا ما رضيت أن افرق إسمه عن اسمك .
نزهة المجالس للصفوري 2 ص 185 نقله عن تفسير الرازي ، مصباح الظلام للجرداني ص 25 .
قال الاميني :
المتسالم عليه بين المحدثين ان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله كان " محمد رسول الله " بلا أي زيادة ففي الصحاح عن أنس انه صلى الله عليه وسلم صنع خاتما من ورق ونقش فيه : محمد رسول الله . وقال : فلا ينقش أحد على نقشه .صحيح البخاري 8 : 309 ، صحيح مسلم 2 : 214 ، 215 ، صحيح الترمذي 1 : 324 . سنن ابن ماجة 2 : 384 ، 385 ، سنن النسائي 8 : 173 .
وفي رواية البخاري والترمذي عن انس قال : كان نقش الخاتم ثلاثة أسطر : محمد ، سطر.
ورسول ، سطر . والله سطر . " صحيح البخاري 8 : 309 ، صحيح الترمذي 1 : 325 " .
وروى ابن سعد في طبقاته من مرسل ابن سيرين ان نقشه كان : بسم الله محمد رسول الله . وقال ابن حجر : ولم يتابع على هذه الزيادة . ذكره عنه الزرقاني في شرح المواهب 5 : 39 .وأخرج أبوالشيخ في الاخلاق النبوية من رواية عرعرة بن البرند عن انس قال : كان مكتوبا على فص خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله . محمد رسول الله .
قال ابن حجر في فتح الباري 10 : 270 : عرعرة ضعفه ابن المديني وزيادته هذه شاذة . وقال الزرقاني في شرح المواهب 5 : 39 : كان نقش الخاتم النبوي كما في الصحيحين وغيرهما . محمد رسول الله . فلا عبرة بهذه الرواية كرواية انه كان فيه كلمتا الشهادة معا ، ورواية ابن سعد عن أبي العالية أن نقشه : صدق الله . ثم ألحق الخلفاء : محمد رسول الله .
فما قيمة ما جاء به من النقش صواغ القرون المتأخرة ، وصاغته يد الافك والغلو بعد لاي من وفاة النبي الاعظم وانقطاع الوحي عنه ، ولا يوجد في تآليف الاولين منه عين ولا أثر ؟ وأنت ترى السلف حاكمين في حديث زيادة كلمة الاخلاص والبسملة بالشذوذ وانه لا عبرة به ولا يتابع عليه ، ولا يبحث أي متضلع في الفن عن هذه الزيادة المختلفة التي لا صلة لها بالموضوع ، وليست هي إلا إستهزاء بالله ونبيه ووحيه . وأمين وحيه .
ثم قد صح عند القوم ان ذلك الخاتم المنقوش الخاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم " وكان يتختم به ويختم صلى الله عليه وآله ولم يكن له خاتم غيره ولم يحتمل التعدد قط أحد في رفع اختلاف أحاديث النقش " كان عند أبي بكر في يمينه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وبعده في يد عمر ، و بعده عند عثمان في يمينه وسقط سنة ثلاثين من يده أو : من يد غيره . في بئر أريس (1) واتخذ له خاتما آخر (2) وفي رواية ابن سعد عن الانصاري كما في فتح الباري 10 : 270 وسنن النسائي 8 : 179 : انه كان في يد عثمان ست سنين من عمله . فلو كانت تلكم الاسطورة صحيحة وكان إسم الخليفة منقوشا في خاتم كان يلبسه النبي الاقدس طيلة حياته وتنظر اليه الصحابة من كثب وترى بريقه في خنصره كما في صحيح البخاري 8 : 308 ، 309 كان حقا على الخليفة والخاتم بيده أن يحتج بها يوم تسنم عرش الخلافة ، وكان هناك حوار وصخب ، لكنه لم يحتج لان ذلك الخاتم ما كان مصوغا بعد ولا منقوشا ، ولم يعط من المغيّب انه يستنحت له ذلك بعد قرون متطاولة .
وكان حقا على الصحابة الملتاثين به أن يحتجوا بذلك النقش المصنوع في عالم الملكوت ، فإن الاحتجاج به أولى من الاحتجاج بكبر السن وأمثاله ، لكنهم تركوا الحجاج لان هذا المولود لم يكن يولد بعد ، وإنما ولدته ام الغلو في الفضائل في آخر الدهر .
ولا يتأتى لاحد عرفان سر ما جاء به جبريل الخيالي من القرآن بين اسم النبي الاعظم وبين اسم أبي بكر في ذلك النقش المصوغ في عالم الغيب ، أكان أبوبكر نفس النبي الاعظم بنص القرآن الكريم ؟ أم كان قرينه في العصمة والقداسة في الذكر الحكيم ؟ أم نزلت فيه آية التبليغ مع ذلك الارهاب ؟ ام أكمل الله به الدين ، وأتم به النعمة كما بدء بالنبي الطاهر ؟ ام كان رديف النبي الاقدس في الاسلام والدعوة إلى الله من أول يومه ؟ أم كان وصيه وخليفته المنصوص عليه من بدء الدعوة ؟ أم قرنت طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته كما في صحاح جاءت عنه صلى الله عليه وآله ؟ أم كان نظيره في امته بنص منه صلى الله عليه وآله ؟ أم ؟ أم ؟ إلى مائة أم . لماذا ذلك القران ؟ أنا لا أدري ، ومختلق الرواية
ايضا لا يدري .
------------------------------------------------------------------
(1) هى ميلين من المدينة وهى من أقل الآبار ماء .
(2) صحيح البخارى 8 : 306 ، صحيح مسلم 2 : 214 ، سنن النسائى 8 : 179 ، تاريخ الطبرى 5 : 65 ، تاريخ ابن كثير 8 : 155 ، تاريخ الخميس 2 : 223 ، 269 تاريخ ابى الفدا ج 1 : 168 .
قال الصفوري في نزهة المجالس 2 ص 183 : رأيت في الحديث ان الملائكة اجتمعت تحت شجرة طوبى فقال ملك : وددت ان الله تعالى أعطاني قوة ألف ملك ، وكساني ريش ألف طير ، فأطير حول الجنة حتى أبلغ طرفها ، فأعطاه الله ذلك فطار ألف سنة حتى ذهبت قوته وتساقط ريشه ، ثم أعطاه الله تعالى قوة وأجنحة فطار الف سنة ثانية حتى ذهبت قوته وتساقط ريشه ، ثم أعطاه الله تعالى قوة وأجنحة فطار ألف سنة ثالثة حتى ذهبت قوته وتساقط ريشه ، فوقع على باب قصر باكيا فأشرفت عليه حوراء فقالت : أيها الملك مالي أراك باكيا وليست هذه بدار بكاء وحزن ، وإنما هي دار فرح وسرور ؟ فقال : لاني عارضت الله في قدرته . ثم أعلمها بحديثه ، فقالت له : لقد خاطرت بنفسك أتدري كم طرت في هذه الثلاثة آلاف سنة ؟ قال : لا . قالت : وعزة ربي ما طرت أكثر من جزء واحد من عشرة آلاف جزء مما أعده الله تعالى لابي بكر الصديق رضي الله عنه .
وذكره الجرداني في مصباح الظلام 2 ص 25 .
قال الاميني :
فمجموع ما أعده الله تعالى لابي بكر في الجنة هو مسير ثلاثين ألف ألف سنة لطائر يطير بقوة ألف ملك وريش ألف طير ، جلت قدرة الباري ، أنا أكل حساب هذه الرواية إلى الشباب النابه العصري المتخرج من المدارس العالية في أرجاء العالم .
كما أرى النظرة في رجال سندها من وظائف رجال الغيب إذ من المستحيل أن يقف عليه متتبع ، ويعرفه حافظ ضليع ، أو محدث بعيد الطنء ، أو رجالي واسع الخطوة من رجال عالم الشهود .
عن انس بن مالك قال : جاءت امرأة من الانصار فقالت : يا رسول الله رأيت في المنام كأن النخلة التي في داري وقعت ، وزوجي في السفر . فقال : يجب عليك الصبر فلن تجتمعي به أبدا . فخرجت المرأة باكية فرأت أبابكر ، فأخبرته بمنامها ولم تذكر له قول النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إذهبي فانك تجتمعين به في هذه الليلة . فدخلت إلى منزلها وهي متفكرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم وقول أبي بكر ، فلما كان الليل وإذا بزوجها قد أتى ، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بزوجها ، فنظر إليها طويلا فجاءه جبرئيل وقال : يا محمد الذي قلته هو الحق ، ولكن لما قال الصديق إنك تجتمعين به في هذه الليلة إستحيا الله منه أن يجري على لسانه الكذب ، لانه صديق فأحياه كرامة له .
نزهة المجالس 2 ص 184.
قال الاميني :
ليتنا كنا نقف على رجال هذا الخيال النبهاء الذين أرادوا كسح معرّة الكذب عن ساحة الصديق فجروها إلى الساحة النبوية ، فكأن الله لم يبال بأن يجري الكذب على لسان نبيه الصادق المصدق ، حيث انه لم يخبر عن موت الرجل وإنما أخبر امرأته بأنها لن تجتمع به أبدا بكلمة لن المفيدة لتأبيد النفي ,المؤكد بقوله أبدا فظهر خلافه ، لكنه إستحى من أبي بكر بعد أن رجم بالغيب إفكا ظاهرا فأراد أن يرحض عنه ذلك باحياء الرجل وعدم إماتته كرامة له ، وهل يرحضه ذلك بعد أن وقع الكذب ؟ أنا لا أدرى .
وهل كانت كرامة أبي بكر على الله أعظم من كرامة رسوله عليه ؟ حيث لم يرض بظهور الكذب عليه ورضية على مصطفاه ، ولم يكن في انتشاره عنه كسر للاسلام لكن إنتشاره عن النبي صلى الله عليه وآله فت في عضد الدين .
ثم اعجب من تعليل الرواية بأن ابابكر كان صديقا . أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله سيد الصديقين أجمع ؟ وهب ان وحي هذه المزعمة خفف عن ساحة النبوة شيئا يمكن أن يفوه به من اختلقها بأن الامر كان كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لكن أحيى الله الرجل للغاية التي ذكرها فلا كذب صلى الله عليه واله وسلم... لكن يدفعه ما قدمناه من انه صلى الله عليه واله وسلم لم يخبر عن موت الرجل وإنّما أخبر عن أنها لن تجتمع به أبدا وقد وقع خلاف ما أنبأ به .
نعم : لعل ما مر من رأي الخليفة من جواز تقديم المفضول على الفاضل ، أو الغلو في الفضائل ، يرخصان بكل ما ذكر .
أخرج ابن عساكر في تاريخه قال : روي أن أبابكر رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال لمن حضره : إذا أنا متّ وفرغتم من جهازي فاحملوني حتى تقفوا بباب البيت الذي فيه قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقفوا بالباب وقولوا : السلام عليك يارسول الله هذا أبوبكر يستأذن . فان أذن لكم بأن فتح الباب وكان الباب مغلقا بقفل فادخلوني وادفنوني ، وإن لم يفتح الباب فأخرجوني إلى البقيع وادفنوني به ، فلما وقفوا على الباب وقالوا ما ذكر, سقط القفل وانفتح الباب وإذا بهاتف يهتف من القبر : ادخلوا الحبيب إلى الحبيب فإن الحبيب إلى الحبيب مشتاق .
وذكره الرازي في تفسيره 5 ص 378 ، والحلبي في السيرة النبوية 3 ص 394 ، والديار بكري في تاريخ الخميس 2 : 264 ، والقرماني في أخبار الدول هامش الكامل 1 ص 200 ، والصفوري في نزهة المجالس 2 ص 198 .
قال الاميني :
أراد رواة هذه الرواية تصحيح عمل القوم في دفن الخليفة في موطن القداسة (حجرة النبي صلى الله عليه وآله ) بعد أن أعيتهم المشكلة وعجزوا عن الجواب .
فإن الحجرة الشريفة إما أن تكون باقية على ملكه صلى الله عليه وآله كما هو الحق المبين . أو أنها عادت صدقة يؤل أمرها إلى المسلمين أجمع ؟
وعلى الاول كان يشترط فيه رضاء أولاد وارثته الوحيدة السبطين الامامين وأخواتهما ولم يستأذن منهم أحد .
وعلى الثاني كان يجب على الخليفة أو على من تولى الامر بعده أن يسأذن الجامعة الاسلامية ولم يكن من أي منهما شئ من ذلك .
فبقي الدفن هنالك خارجا عن ناموس الشريعة .
وإن قيل : إنه دفن بحق ابنته ؟ فأي حق لها بعد ما جاء به أبوها من قوله : إنا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة ؟
على انا اسلفنا في الجزء السادس من الغدير ص 190 ط 2(1) : انه لم يكن لامهات المؤمنين إلا السكنى في حجرهن كالمعتدة ولم يكن لهن ترتيب آثار الملك على شئ منها . وقدمنا هنالك ايضا ان على فرض الميراث وعلى تقدير الارث من العقار فإن لعائشة تسع الثمن من حجرتها لانه صلى الله عليه وآله توفي عن تسع ، ومساحة المحل لا يسع تسع ثمنها جثمان انسان مهما كبرت الحجرة .
على أن حقها كان مشاعا وليس لها التصرف فيه بغير اذن شريكاتها في الميراث .
أراد القوم التفصي عن هذه المشكلات فكونوا ما يستتبع مشكلة بعد مشكلة و هي :
ان الخليفة هل قال ما قاله بعهد من النبي صلى الله عليه وآله أو انه أحاط علما بالمغيب ؟
أما الثاني فلا أحسب أحدا يدعي له ذلك بعد ما أحطنا خبرا بكل ما قيل في فضائله ، وبعد ما أوقفناك على مبلغ علمه في المشهودات ، فأين هو عن الغيوب ؟
وأما الاول فلو كان ذلك لما كان لترديده بين الدفن في الحجرة إن فتح الباب وسقط القفل ، وبين الذهاب به إلى البقيع إن لم يكن ذلك ، فان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله لا بد أن يكون ، فلا ترديد فيه .
نعم : من المحتمل انه صلى الله عليه وآله لم يعهد ذلك لنفس أبي بكر وإنما رواه عنه من لا يثق به الخليفة ولذلك نوه بما قال بالترديد ،
أو أن الرواية لا صحة لها ، ولذلك لا تنتشر في الصحاح والمسانيد إلى عهد الحافظ ابن عساكر .
وهي على فرض صحتها مكرمة عظمى وقعت بمشهد الصحابة ومزدحم المهاجرين والانصار يوم شيعوه إلى مقره ال