كرا مات الصديق؟

مقدمة: أحاديث الغلو أو قصص الخرافة

1) الشمس على العجلة

2) التوسل بلحية أبي بكر

3) شهادة أبي بكر و جبريل

4) خاتم النبي و سجله

5) عرض جنة أبي بكر

6) الله يستحي من أبي بكر

7) كرامة دفن أبي بكر

8) جبريل يسجد مهابة من أبي بكر

9) قصة فيها كرامة لأبي بكر

10)أبوبكر شيخ يعرف والنبي شاب لا يعرف

               بحث: الانصار في البيعتين

               بحث: نبأ الهجرة    

11)أبوبكر أسن من النبي       

12)اسلام أبي بكر قبل ولادة علي

13)أبوبكر أسن أصحاب النبي

14)أبوبكر في كفة الميزان

15)توسل الشمس بأبي بكر

16)كلبة من الجن مأمورة

17)هبة أبي بكر لمحبيه

18)أبوبكر في قاب قوسين

19)الدين سمعه وبصره

20)أبوبكر ومنزلته عند الله

21)النبي مؤيد بالشيخين

22)الاشباح الخمسة من ذرية آدم

23)أبوبكر  خير أهل السماوات والارض

24)ثواب النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر

25)الحب والشكر الواجبان على الامة

26)أبوبكر في كفة الميزان

27)ما أسلم أبو مهاجر الا ابوبكر

                 بحث: إسلام والدي أبي بكر

                         إسلام أبي قحافة

                         إسلام أم أبي بكر

أبوبكر وأبواه في القرآن

آية أخرى في أبي بكر وأبيه

 

 

 

 

المقدمة: أحاديث الغلو أو قصص الخرافة

هذه أبحاث مجملة تمثل لنا نفسيات الخليفة ، وملكاته الفاضلة ، نقتصر بها في هذه العجالة وإن لم تزحفنا ولم يتأت بها القصوى ، غير ان فيها بلغة في ايقاف الباحث على حد الخليفة ، ومقياسا يعرف به القالي له من الغالي فيه ، والمقتصد فيه من القاسط عليه ، ويمتاز به سرف القول في امتداحه عن جزاف الامتداح عليه ، فيهمنا عندئذ ذكر نزر يسير مما سرده القوم من فضائله التي فيها من الغلو الفاحش ما لا يخفى على أي أحد ثم نشفعه بما جاء في غيره حتى يعرف أهل الغلو في الفضائل .

 

الشمس على العجلة

ذكر الشيخ ابراهيم العبيدي المالكي في كتابه " عمدة التحقيق " في بشائر آل الصديق ( 1 ) نقلا عن كتاب " العقائق " والصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص 184 نقلا عن " عيون المجالس " قالوا : روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لعائشة رضي الله عنها : إن الله تعالى لما خلق الشمس خلقها من لؤلؤة بيضاء بقدر الدنيا مائة وأربعين مرة وجعلها على عجلة ، وخلق للعجلة ثمانمائة وستين عروة ، وجعل في كل عروة سلسلة من الياقوت الاحمر ، وأمر ستين ألفا من الملائكة المقربين أن يجروها بتلك السلاسل مع قوتهم التي إختصهم الله بها ، والشمس مثل الفلك على تلك العجلة وهي تدور في القبة الخضراء ، وتجلو جمالها على أهل الغبراء ، وفي كل يوم تقف على خط الاستواء فوق الكعبة لانها مركز الارض و تقول : يا ملائكة ربي إني لاستحي من الله عزوجل إذا وصلت إلى محاذاة الكعبة التي هي قبلة المؤمنين أن أجوز عليها ، والملائكة تجر الشمس لتعبر على الكعبة بكل قوتها

--------------------------------------------------------------

 (1) ص 184 هامش روض الرياحين لليافعى المطبوع بمصر سنة 1315 .

 

فلا تقبل منهم وتعجز الملائكة عنها ، فالله تعالى يوحي إلى الملائكة وحي إلهام فينادون : أيها الشمس بحرمة الرجل الذي إسمه منقوش على وجهك المنير إلا رجعت إلى ما كنت فيه من السير فإذا سمعت ذلك تحركت بقدرة المالك ، فقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله  من هو الرجل الذي إسمه منقوش عليها ؟ قال : هو أبوبكر الصديق يا عائشة  قبل أن يخلق الله العالم علم بعلمه القديم أنه يخلق الهواء ، ويخلق على الهواء هذه السماء ، ويخلق بحرا من الماء ، ويخلق عليه عجلة مركبا للشمس المشرقة على الدنيا ، وإن الشمس تتمرد على الملائكة إذا وصلت إلى الاستواء ، وإن الله تعالى قدر أن يخلق في آخر الزمان نبيا مفضلا على الانبياء وهو بعلك يا عائشة  على رغم الاعداء ، ونقش على وجه الشمس اسم وزيره أعني أبابكر صديق المصطفى ، فاذا أقسمت الملائكة عليها به زالت الشمس ، وعادت إلى سيرها ، بقدرة المولى ، وكذلك إذا مر العاصي من امتي على نار جهنم وأرادت النار على المؤمن أن تهجم ، فلحرمة محبة الله في قلبه ونقش اسمه على لسانه ترجع النار إلى ورائها هاربة ، ولغيره طالبة .

 

قال الاميني :

 إن مما يغمرني في الحيرة أن هذه لعجلة ، لم لم يكتشف عنها علماء الهيئة قديما وحديثا ، مع توفر أدوات الكشف ومحصلاته لاهل الهيئة الجديدة خاصة ؟ وانهم لماذا استقرت آرائهم بعد تقدم العلم واستفحال أمره وكثرة اكتشافاته على دوران الارض على الشمس ؟

وتعلمنا الرواية عن أن البخار لم يكن مستخدما عند إنشاء تلك العجلة فيمدها الله سبحانه به حتى لا يشعر بارادة مريد ، ولا حياء من يستحي ، فيمضي بالعجلة ويوصله في أسرع وقت إلى حيث شئ لها قدما ، ولكن العجب ان الله سبحانه لم لم يستبدل بالبخار عن الملائكة بعد اكتشافه فيطلق صراح اولئك الآلاف المؤلفة المقيدة بسلاسل بلاء العجلة ، ويعتقهم عن مكابدة تمرد الشمس في كل يوم ؟

 وهناك مسألة لا أدري من المجيب عنها وهي : ان ارادة الله سبحانه الفائقة على كل قوة جامحة وهي تمسك السماء بغير عمد ترونها ، وتسير الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ، صنع الله الذي أتقن كل شئ ، لم لم تقم مقام اولئك المسخرين لجر الشمس حتى لا يوقفها تمرد ، ولا تحتاج إلى عرى وسلاسل ، أو الاقسام بمن كتب اسمه عليها ؟ وما الذي أحوج المولى سبحانه في تسيير الشمس إلى هذه الادوات من العجلة والعرى والسلاسل ، وخلق اولئك الجم الغفير من الملائكة واستخدامهم بالجر الثقيل ، وهو الذي إذا أراد شيئا أن يكون يقول له : كن . فيكون ؟

 

 ثم إن الشمس هلا كانت تعلم ان إرادة الله سبحانه ماضية عليها بجريها إلى الغاية المقصودة ؟ فما هذا التوقف والتمرد ؟ والله تعالى أعلم بعظمة الكعبة وشرفها منها وقد جعلها في خطة سيرها . أني للشمس أن تجهل بها ؟ وهي هي الشاعرة بخط الاستواء ، ومحاذاة الكعبة ووصولها إلى تلك النقطة المقدسة ، وهي العارفة بمقامات الصديق ، وان اسمه منقوش عليها ، وان من واجبها أن تنقاد لا تجمح على من أقسم به عليها .

ومن عويصات لا تنحل : تجديد الشمس تمردها كل يوم ، والشمس تجري لمستقرء لها ذلك تقدير العزيز العليم (1) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل وسابق النهار و كل في فلك يسبحون (2)

 وأعوص من ذلك : انشاد الملائكة إياها في كل نهار بتلك الانشودة الضخمة و وحي الله إليهم بها طيلة عمر الدنيا

 

هكذا تشوه رواة السوء سمعة السنة الشريفة ، وهي مقدسة عن هذه الاوهام الخرافية وان هذه كلها من جراء الغلو الممقوت في الفضائل ، ولو كان مختلق هذه المرسلة المقطوعة عن الاسناد يعلم ما ذكرناه من الفضايح المترتبة على افتعالها لمااقتحم هذاالاقتحام المزري .

------------------------------------------------------------

(1 ) سورة يس . آية 38 . ( 2 ) سورة يس آية 40

 

التوسل بلحية أبي بكر

ذكر اليافعي في روض الرياحين ( 3 ) عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه انه قال :

 بينما نحن جلوس بالمسجد وإذا نحن برجل أعمى قد دخل علينا وسلم فرددنا عليه السلام وأجلسناه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يقضيني حاجة في حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال أبوبكر رضي الله عنه : ما حاجتك يا شيخ ؟  فقال : إن لي أهلا ولم يكن عندي ما نقتات به ، واريد من يدفع لنا شيئا نقتات به في حب رسول الله صلى الله عليه وآله . قال فنهض أبوبكر الصديق رضى الله عنه وقال : نعم أنا أعطيك ما يقوم بك في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : هل من حاجة اخرى ؟ فقال : نعم إن لي ابنة اريد من يتزوج بها في حياتي حبا في محمد صلى الله عليه وسلم فقال أبوبكر رضي الله عنه : أنا أتزوج بها في حياتك حبا في رسول الله صلى الله عليه وسلم هل من حاجة اخرى ؟ فقال : نعم اريد أن أضع يدي في شيبة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حبا في محمد صلى الله عليه وسلم .  فنهض أبوبكر رضي الله عنه ووضع لحيته في يد الاعمى وقال : امسك لحيتي في حب محمد صلى عليه وسلم . قال: فقبض الاعمى بلحية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال : يا رب أسألك بحرمة شيبة أبي بكر ألا رددت علي بصري . قال : فرد الله عليه بصره لوقته ، فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا محمد  السلام يقرئك السلام ، ويخصك بالتحية والاكرام ، ويقول لك : وعزته وجلاله لو أقسم علي كل أعمى بحرمة شيبة أبي بكر الصديق لرددت عليه

بصره ، وما تركت على وجه الارض أعمى ، وهذا كله ببركتك وعلو قدرك وشأنك عند ربك .

--------------------------------------------------------------

(3) طبع بمصر في المطبعة السعيدية هامش العرائس للثعلبى توجد الرواية في ص 443 ينقل عنه القسطلانى في المواهب ، وقال الزرقانى في شرح المواهب 3 ص 157 مؤلف حسن ، و طبع لليافعى كتاب آخر مستقلا في مصر سنة 2315 باسم روض الرياحين ايضا ، وهو تأليفه الاخر غير المطبوع في حاشية العرائس .

 

قال الاميني :

إنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور . حقا أن هذا الضرير قد عمي قلبه قبل بصره ، فلم يعقل إن القسم بشيبة رسول الله صلى الله عليه وآله أولى من شيبة أبي بكر ، فهي مقدمة قداسة وشرفا وزلفة عند الله سبحانه ، وهو صلى الله عليه وآله أكبر من أبي بكر سنا وأكثر شيبة ، فما أعمى الرجل عنها إن كان يريد مقسما به يبر الله سبحانه به قسمه؟ أو أنه له في شيبة أبي بكر غاية لم نعرفها ؟

 

ثم أين عن هذه الشيبة عميان أهل السنة ؟ وما أغفلهم عن الوحي المنزل فيها ؟ فيقسمون على الله بها فيكشف عن أبصارهم ،

 

وما بال الحفاظ وأئمة الحديث أرجأوا نشر هذه الرواية إلى القرن الثامن عهد اليافعي ؟

 

هل بخلوا على عميان الامة بمثل هذا النجاح الباهر وفي الوحي المزعوم قوله سبحانه : وعزتي وجلالي لو أقسم علي كل أعمى . الخ ؟ أو أنهم وجدوا مولد هذا الحديث بعد عصورهم فلم يشيدوا بذكره ؟ أو رؤا فيه غلوا فاحشا بتقديم لحية أبي بكر على شيبة رسول الله صلى الله عليه وآله فطووا عن روايته كشحا ؟ أو عقلوا فيه مهزأة بالله ووحيه وأمينه ونبيه فضربوا عنه صفحا ؟

 

شهادة أبي بكر وجبرئيل

ذكر النسفي ان رجلا مات بالمدينة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه فنزل جبريل وقال :  يا محمد لا تصلّ  عليه  .   فامتنع .  فجاء  أبوبكر فقال : يا نبي الله صل عليه فما علمت منه إلا خيرا . فنزل جبريل وقال : يا محمد صل عليه ، فإن شهادة أبي بكر مقدمة على شهادتي .

 

مصباح الظلام للجرداني 2 ص 25 ، نزهة المجالس 2 ص 184 .

قال الاميني :

هلم معي نناقش راوي هذه السفسطة الحساب بعد أن لم نقف لها على اسناد نناقش رجاله  ونسائله عن

أن ما أداه جبريل من الشهادة أكان من عند نفسه ؟ ولم يكن لامين الله على وحيه أن يأتي رسوله بشئ من قبل نفسه فحابا أبا بكر بتقديم شهادته أم كان وحيا من المولى سبحانه ؟ - وهو المطرد في كل هبوط له إلى الرسول الامين - فأبطل ذلك الوحي المبين مجازفة لمحض ان أبابكر شهد بضد ما جاء به ؟ وأيا ما كان فإن اخباره كان لا محالة عن عدم تأهل الرجل في الواقع للصلاة عليه في صورة نهي مفيد للتحريم ، ومؤداه ان الله سبحانه يبغض أن ترفع اليه صلاة على مثله من نبيه المحبوب ، فهل يكون قول أبي بكر بتأهله المستنبط من ظاهر الحال الذي يخطأ ويصيب ، ولا شك انه مخطأ في هذه المورد بالخصوص لنزول الوحي بخلافه ، فهل يكون قول هذا شأنه مبطلا للوحي المبين ؟ تبصر واحكم .

خاتم النبي وسجله

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خاتمه إلى أبي بكر وقال : اكتب عليه : لا إله إلا الله ، فدفعه أبوبكر إلى النقاش وقال : اكتب عليه : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . فكتب عليه . فلما جاء به أبوبكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجد عليه لا إله إلا الله محمد ، رسول الله ، أبوبكر الصديق . فقال : ما هذه الزيادة يا أبابكر ؟ فقال : ما رضيت أن افرق اسمك عن اسم الله ، وأما الباقي فما قلته فنزل جبريل وقال : إن الله سبحانه وتعالى يقول : إني كتبت اسم أبي بكر لانه ما رضي أن يفرق اسمك عن اسمي ، فأنا ما رضيت أن افرق إسمه عن اسمك .

 

نزهة المجالس للصفوري 2 ص 185 نقله عن تفسير الرازي ، مصباح الظلام للجرداني ص 25 .

 

قال الاميني :

المتسالم عليه بين المحدثين ان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله كان " محمد رسول الله " بلا أي زيادة ففي الصحاح عن أنس انه صلى الله عليه وسلم صنع خاتما من ورق ونقش فيه : محمد رسول الله . وقال : فلا ينقش أحد على نقشه .صحيح البخاري 8 : 309 ، صحيح مسلم 2 : 214 ، 215 ، صحيح الترمذي 1 : 324 . سنن ابن ماجة 2 : 384 ، 385 ، سنن النسائي 8 : 173 .

وفي رواية البخاري والترمذي عن انس قال : كان نقش الخاتم ثلاثة أسطر : محمد ، سطر.

ورسول ، سطر . والله سطر . " صحيح البخاري 8 : 309 ، صحيح الترمذي 1 : 325 " .

وروى ابن سعد في طبقاته من مرسل ابن سيرين ان نقشه كان : بسم الله محمد رسول الله . وقال ابن حجر : ولم يتابع على هذه الزيادة . ذكره عنه الزرقاني في شرح المواهب 5 : 39 .وأخرج أبوالشيخ في الاخلاق النبوية من رواية عرعرة بن البرند عن انس قال : كان مكتوبا على فص خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله . محمد رسول الله .

قال ابن حجر في فتح الباري 10 : 270 : عرعرة ضعفه ابن المديني وزيادته هذه شاذة . وقال الزرقاني في شرح المواهب 5 : 39 : كان نقش الخاتم النبوي كما في الصحيحين وغيرهما . محمد رسول الله . فلا عبرة بهذه الرواية كرواية انه كان فيه كلمتا الشهادة معا ، ورواية ابن سعد عن أبي العالية أن نقشه : صدق الله . ثم ألحق الخلفاء : محمد رسول الله .

فما قيمة ما جاء به من النقش صواغ القرون المتأخرة ، وصاغته يد الافك والغلو بعد لاي من وفاة النبي الاعظم وانقطاع الوحي عنه ، ولا يوجد في تآليف الاولين منه عين ولا أثر ؟ وأنت ترى السلف حاكمين في حديث زيادة كلمة الاخلاص والبسملة بالشذوذ وانه لا عبرة به ولا يتابع عليه ، ولا يبحث أي متضلع في الفن عن هذه الزيادة المختلفة التي لا صلة لها بالموضوع ، وليست هي إلا إستهزاء بالله ونبيه ووحيه . وأمين وحيه .

 

ثم قد صح عند القوم ان ذلك الخاتم المنقوش الخاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم " وكان يتختم به ويختم صلى الله عليه وآله ولم يكن له خاتم غيره ولم يحتمل التعدد قط أحد في رفع اختلاف أحاديث النقش " كان عند أبي بكر في يمينه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وبعده في يد عمر ، و بعده عند عثمان في يمينه وسقط سنة ثلاثين من يده أو : من يد غيره . في بئر أريس (1) واتخذ له خاتما آخر (2) وفي رواية ابن سعد عن الانصاري كما في فتح الباري 10 : 270 وسنن النسائي 8 : 179 : انه كان في يد عثمان ست سنين من عمله . فلو كانت تلكم الاسطورة صحيحة وكان إسم الخليفة منقوشا في خاتم كان يلبسه النبي الاقدس طيلة حياته وتنظر اليه الصحابة من كثب وترى بريقه في خنصره كما في صحيح البخاري 8 : 308 ، 309 كان حقا على الخليفة والخاتم بيده أن يحتج بها يوم تسنم عرش الخلافة ، وكان هناك حوار وصخب ، لكنه لم يحتج لان ذلك الخاتم ما كان مصوغا بعد ولا منقوشا ، ولم يعط من المغيّب انه يستنحت له ذلك بعد قرون متطاولة .

 

وكان حقا على الصحابة الملتاثين به أن يحتجوا بذلك النقش المصنوع في عالم الملكوت ، فإن الاحتجاج به أولى من الاحتجاج بكبر السن وأمثاله ، لكنهم تركوا الحجاج لان هذا المولود لم يكن يولد بعد ، وإنما ولدته ام الغلو في الفضائل في آخر الدهر .

 

ولا يتأتى لاحد عرفان سر ما جاء به جبريل الخيالي من القرآن بين اسم النبي الاعظم وبين اسم أبي بكر في ذلك النقش المصوغ في عالم الغيب ، أكان أبوبكر نفس النبي الاعظم بنص القرآن الكريم ؟ أم كان قرينه في العصمة والقداسة في الذكر الحكيم ؟ أم نزلت فيه آية التبليغ مع ذلك الارهاب ؟ ام أكمل الله به الدين ، وأتم به النعمة كما بدء بالنبي الطاهر ؟ ام كان رديف النبي الاقدس في الاسلام والدعوة إلى الله من أول يومه ؟ أم كان وصيه وخليفته المنصوص عليه من بدء الدعوة ؟ أم قرنت طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته كما في صحاح جاء‌ت عنه صلى الله عليه وآله ؟ أم كان نظيره في امته بنص منه صلى الله عليه وآله ؟ أم ؟ أم ؟ إلى مائة أم . لماذا ذلك القران ؟ أنا لا أدري ، ومختلق الرواية

ايضا لا يدري .

------------------------------------------------------------------

(1) هى ميلين من المدينة وهى من أقل الآبار ماء .

(2) صحيح البخارى 8 : 306 ، صحيح مسلم 2 : 214 ، سنن النسائى 8 : 179 ، تاريخ الطبرى 5 : 65 ، تاريخ ابن كثير 8 : 155 ، تاريخ الخميس 2 : 223 ، 269 تاريخ ابى الفدا ج 1 : 168 .

 

عرض جنة أبي بكر

قال الصفوري في نزهة المجالس 2 ص 183 : رأيت في الحديث ان الملائكة اجتمعت تحت شجرة طوبى فقال ملك : وددت ان الله تعالى أعطاني قوة ألف ملك ، وكساني ريش ألف طير ، فأطير حول الجنة حتى أبلغ طرفها ، فأعطاه الله ذلك فطار ألف سنة حتى ذهبت قوته وتساقط ريشه ، ثم أعطاه الله تعالى قوة وأجنحة فطار الف سنة ثانية حتى ذهبت قوته وتساقط ريشه ، ثم أعطاه الله تعالى قوة وأجنحة فطار ألف سنة ثالثة حتى ذهبت قوته وتساقط ريشه ، فوقع على باب قصر باكيا فأشرفت عليه حوراء فقالت : أيها الملك مالي أراك باكيا وليست هذه بدار بكاء وحزن ، وإنما هي دار فرح وسرور ؟ فقال : لاني عارضت الله في قدرته . ثم أعلمها بحديثه ، فقالت له : لقد خاطرت بنفسك أتدري كم طرت في هذه الثلاثة آلاف سنة ؟ قال : لا . قالت : وعزة ربي ما طرت أكثر من جزء واحد من عشرة آلاف جزء مما أعده الله تعالى لابي بكر الصديق رضي الله عنه .

وذكره الجرداني في مصباح الظلام 2 ص 25 .

قال الاميني :

فمجموع ما أعده الله تعالى لابي بكر في الجنة هو مسير ثلاثين ألف ألف سنة لطائر يطير بقوة ألف  ملك وريش ألف طير ، جلت قدرة الباري ، أنا أكل حساب هذه الرواية إلى الشباب النابه العصري المتخرج من المدارس العالية في أرجاء العالم .

كما أرى النظرة في رجال سندها من وظائف رجال الغيب إذ من المستحيل أن يقف عليه متتبع ، ويعرفه حافظ ضليع ، أو محدث بعيد الطن‌ء ، أو رجالي واسع الخطوة من رجال عالم الشهود .

الله يستحيي من أبي بكر

عن انس بن مالك قال : جاء‌ت امرأة من الانصار فقالت : يا رسول الله  رأيت في المنام كأن النخلة التي في داري وقعت ، وزوجي في السفر . فقال : يجب عليك الصبر فلن تجتمعي به أبدا . فخرجت المرأة باكية فرأت أبابكر ، فأخبرته بمنامها ولم تذكر له قول النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إذهبي فانك تجتمعين به في هذه الليلة . فدخلت إلى منزلها وهي متفكرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم وقول أبي بكر ، فلما كان الليل وإذا بزوجها قد أتى ، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بزوجها ، فنظر إليها طويلا فجاء‌ه جبرئيل وقال : يا محمد  الذي قلته هو الحق ، ولكن لما قال الصديق إنك تجتمعين به في هذه الليلة إستحيا الله منه أن يجري على لسانه الكذب ، لانه صديق فأحياه كرامة له .

نزهة المجالس 2 ص 184.

قال الاميني :

ليتنا كنا نقف على رجال هذا الخيال النبهاء الذين أرادوا كسح معرّة الكذب عن ساحة الصديق فجروها إلى الساحة النبوية ، فكأن الله لم يبال بأن يجري الكذب على لسان نبيه الصادق المصدق ، حيث انه لم يخبر عن موت الرجل وإنما أخبر امرأته بأنها لن تجتمع به أبدا بكلمة لن المفيدة لتأبيد النفي ,المؤكد بقوله أبدا فظهر خلافه ، لكنه إستحى من أبي بكر بعد أن رجم بالغيب إفكا ظاهرا فأراد أن يرحض عنه ذلك باحياء الرجل وعدم إماتته كرامة له ، وهل يرحضه ذلك بعد أن وقع الكذب ؟ أنا لا أدرى .

 

وهل كانت كرامة أبي بكر على الله أعظم من كرامة رسوله عليه ؟ حيث لم يرض بظهور الكذب عليه ورضية على مصطفاه ، ولم يكن في انتشاره عنه كسر للاسلام لكن إنتشاره عن النبي صلى الله عليه وآله فت في عضد الدين .

 

ثم اعجب من تعليل الرواية بأن ابابكر كان صديقا . أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله سيد الصديقين أجمع ؟ وهب ان وحي هذه المزعمة خفف عن ساحة النبوة شيئا يمكن أن يفوه به من اختلقها بأن الامر كان كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لكن أحيى الله الرجل للغاية التي ذكرها فلا كذب صلى الله عليه واله وسلم... لكن يدفعه ما قدمناه من انه صلى الله عليه واله وسلم لم يخبر عن موت الرجل وإنّما أخبر عن أنها لن تجتمع به أبدا وقد وقع خلاف ما أنبأ به .

 

نعم : لعل ما مر من رأي الخليفة من جواز تقديم المفضول على الفاضل ، أو الغلو في الفضائل ، يرخصان بكل ما ذكر . 

كرامة دفن أبي بكر

أخرج ابن عساكر في تاريخه قال : روي أن أبابكر رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال لمن حضره : إذا أنا متّ وفرغتم من جهازي فاحملوني حتى تقفوا بباب البيت الذي فيه قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقفوا بالباب وقولوا : السلام عليك يارسول الله  هذا أبوبكر يستأذن . فان أذن لكم بأن فتح الباب وكان الباب مغلقا بقفل فادخلوني وادفنوني ، وإن لم يفتح الباب فأخرجوني إلى البقيع وادفنوني به ، فلما وقفوا على الباب وقالوا ما ذكر, سقط القفل وانفتح الباب وإذا بهاتف يهتف من القبر : ادخلوا الحبيب إلى الحبيب فإن الحبيب إلى الحبيب مشتاق .

وذكره الرازي في تفسيره 5 ص 378 ، والحلبي في السيرة النبوية 3 ص 394 ، والديار بكري في تاريخ الخميس 2 : 264 ، والقرماني في أخبار الدول هامش الكامل 1 ص 200 ، والصفوري في نزهة المجالس 2 ص 198 .  

قال الاميني :

أراد رواة هذه الرواية تصحيح عمل القوم في دفن الخليفة في موطن القداسة (حجرة النبي صلى الله عليه وآله ) بعد أن أعيتهم المشكلة وعجزوا عن الجواب .

 

فإن الحجرة الشريفة إما أن تكون باقية على ملكه صلى الله عليه وآله كما هو الحق المبين . أو أنها عادت صدقة يؤل أمرها إلى المسلمين أجمع ؟

وعلى الاول كان يشترط فيه رضاء أولاد وارثته الوحيدة السبطين الامامين وأخواتهما ولم يستأذن منهم أحد .

وعلى الثاني كان يجب على الخليفة أو على من تولى الامر بعده أن يسأذن الجامعة الاسلامية ولم يكن من أي منهما شئ من ذلك .

فبقي الدفن هنالك خارجا عن ناموس الشريعة .

 

وإن قيل : إنه دفن بحق ابنته ؟ فأي حق لها بعد ما جاء به أبوها من قوله : إنا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة ؟

على انا اسلفنا في الجزء السادس من الغدير ص 190 ط 2(1) : انه لم يكن لامهات المؤمنين إلا السكنى في حجرهن كالمعتدة ولم يكن لهن ترتيب آثار الملك على شئ منها . وقدمنا هنالك ايضا ان على فرض الميراث وعلى تقدير الارث من العقار فإن لعائشة تسع الثمن من حجرتها لانه صلى الله عليه وآله توفي عن تسع ، ومساحة المحل لا يسع تسع ثمنها جثمان انسان مهما كبرت الحجرة .

على أن حقها كان مشاعا وليس لها التصرف فيه بغير اذن شريكاتها في الميراث .

 

أراد القوم التفصي عن هذه المشكلات فكونوا ما يستتبع مشكلة بعد مشكلة و هي :

ان الخليفة هل قال ما قاله بعهد من النبي صلى الله عليه وآله أو انه أحاط علما بالمغيب ؟

أما الثاني فلا أحسب أحدا يدعي له ذلك بعد ما أحطنا خبرا بكل ما قيل في فضائله ، وبعد ما أوقفناك على مبلغ علمه في المشهودات ، فأين هو عن الغيوب ؟

وأما الاول فلو كان ذلك لما كان لترديده بين الدفن في الحجرة إن فتح الباب وسقط القفل ، وبين الذهاب به إلى البقيع إن لم يكن ذلك ، فان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله لا بد أن يكون ، فلا ترديد فيه .

 

نعم : من المحتمل انه صلى الله عليه وآله لم يعهد ذلك لنفس أبي بكر وإنما رواه عنه من لا يثق به الخليفة ولذلك نوه بما قال بالترديد ،

أو أن الرواية لا صحة لها ، ولذلك لا تنتشر في الصحاح والمسانيد إلى عهد الحافظ ابن عساكر .

وهي على فرض صحتها مكرمة عظمى وقعت بمشهد الصحابة ومزدحم المهاجرين والانصار يوم شيعوه إلى مقره الاخير ، وكان يجب والحالة هذه أن يتواصل الهتاف بها ، وبذلك الهتاف المسموع من القبر الشريف منذ ذلك العهد إلى منصرم الدهر ، ولم يكن يوم ذاك في الابصار غشاوة ، ولا في الآذان وقر ، ولا في الالسنة بكم ،لكنه ويا للاسف لم ينبس أحد عنها ببنت شفة ، وما ذلك إلا لان المكرمة لم تقع ، والقفل ما سقط ، والباب ما انفتح ، والهتاف لم يكن ، وادخلوا الحبيب إلى الحبيب ، فإن الحبيب إلى الحبيب مشتاق مهزأة نشأت من الغلو في الفضائل تنبأ عن روح التصوف في مختلق الرواية . نعم :  

                                         ما كل من زار الحمى سمع الندا                               مـن أهـلـه أهـلا بـذاك الزائــر

 

م - هذه الكرامة المنحوتة المنحولة ذكرها الرازي ومن بعده مرسلين إياها ارسال المسلم ، محتجين بها عداد فضائل أبي بكر ، غير مكترثين لما في اسنادها من العلل أو جاهلين بها ، وإنما أخرجها ابن عساكر من طريق أبي طاهر موسى بن محمد بن عطاء المقدسي عن عبدالجليل المدني عن حبة العرني فقال : هذا منكر ، وأبو الطاهر كذاب ، وعبدالجليل مجهول ، وفي لسان الميزان 3 : 391 : خبر باطل . ا ه‍

وأبوالطاهر المقدسي كذبه ابوزرعة وأبوحاتم . وقال النسائي ليس بثقة و قال ابن حبان : لا تحل الرواية عنه كان يضع الحديث . وقال ابن عدي : كان يسرق الحديث . وقال العقيلي : يحدث عن الثقات بالبواطيل والموضوعات ، منكر الحديث وقال منصور بن اسماعيل : كان يضع الحديث على مالك .

-----------------------------------------------------------

 (1):جاءفي الجزء السادس من الغدير ص 190 ط 2 :

    عن عمر وبن ميمون قال : قال عمر بن الخطاب لابنه عبدالله : انطلق إلى عائشة ام المؤمنين فقل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل : أمير المؤمنين ، فاني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه . فمضى فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكى فقال : يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه .

قالت : كنت اريده لنفسي ولاوثرن به اليوم على نفسي فلما أقبل قيل : هذا عبدالله بن عمر قد جاء فقال : ارفعوني . فأسنده رجل إليه فقال : مالديك ؟ قال : الذي يحب أمير المؤمنين أذنت . قال : ألحمدلله ما كان شئ أهم إلي من ذلك المضجع ، فإذا أنا قضيت فاحملوني وأن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين  (صحيح البخارى 5 ص 226 وج 2 ص 263 وأخرجه جمع كثير من الحفاظ وأئمة الحديث لا نطيل بذكرهم المقام ) .

قال الاميني : ليت الخليفة عرفنا ما وجه الاستيذان من عائشة ؟ فهل ملكت هي حجرة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالارث ؟ فأين قوله صلى الله عليه واله وسلم المزعوم : نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة ؟ وبذلك زحزحوا عن الصديقة الطاهرة فدكا ، وبذلك منع أبوبكر عائشة وبقية أزواجه صلى الله عليه واله وسلم لما جئن إليه يطلبن ثمنهن ـ (السيرة الحلبية 3 ص 390 )ـ وإن كان الخليفة عدل عن ذلك الرأى لما انكشف له من عدم صحة الرواية ؟ فإن ورثة ابنة رسول الله كانت أولى بالاذن فإنها هي المالكة إذن ، وأما عائشة فلها التسع من الثمن فإن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم توفي عن تسع ، فكان الذي يلحق عائشة من الحجرة الشريفة ألتسع من الثمن ، وما عسى أن يكون من ذلك لها إلا شبرا أو دون شبرين وذلك لا يسع دفن جثمان الخليفة وهب أنه كان يضم إلى ذلك نصيب ابنته حفصة فإن الجميع يقصر عن ذلك المضطجع ، فالتصرف في تلك الحجرة الشريفة من دون رخصة من يملكها من العترة النبوية الطاهرة وامهات المؤمنين لايلائم ميزان الشرع المقدس .

ربما يقرأ القارئ في المقام ماجاء به إبن بطال من قوله : إنما استأذنها عمر لان الموضع كان بيتها وكان لها فيه حق ( فتح الباري 3 ص200) . فيحسب هناك حقا لام المؤمنين يستدعي ذلك الاستيذان ويصححه ، وإن هو إلا حق السكنى ومجرد إضافة البيت إلى عائشة وهما لا يوجبان الملك ، قال ابن حجر في فتح الباري 7 ص 53 : استدل به وباستيذان عمر لها على ذلك على أنها كانت تملك البيت ، وفيه نظر بل الواقع انها كانت تملك منفعته بالسكنى فيه والاسكان ولا يورث عنها ، وحكم أزواج النبي كالمعتدات لانهن لا يتزوجن بعده صلى الله عليه واله وسلم . اه‍ .

وقال في ج 6 ص 160 : ويؤيده - يعني عدم الملك - ان ورثتهن لم يرثن عنهن منازلهن ، ولو كانت البيوت ملكا لهن لانتقلت إلى ورثتهن وفي ترك ورثتهن حقوقهم دلالة على ذلك ، ولهذا زيدت بيوتهن في المسجد النبوي بعد موتهن لعموم نفعه للمسلمين كما فعل فيما كان يصرف لهن من النفقات . والله أعلم . اه‍ .

وقال العيني في عمدة القاري 7 ص 132 في حديث عائشة ( لماثقل رسول الله استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي ) : أسندت البيت إلى نفسها ، ووجه ذلك أن سكنى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في بيوت النبي من الخصايص ، فلما استحققن النفقة لحبسهن استحققن السكني مابقين ، فنبه البخاري بسوق أحاديث هذا الباب وهي سبعة على أن بهذه النسبة تتحقق دوام إستحقاق سكناهن للبيوت ما بقين . اه‍ .

وقال القسطلاني في إرشاد الساري 5 ص 190 : أسندت ( عائشة ) البيت إلى نفسها ووجه ذلك أن سكن أزواجه عليه الصلاة والسلام في بيوته من الخصائص، فكمااستحققن النفقة لحبسهن إستحققن السكنى مابقين، فنبه علىأن بهذه النسبة تحقق دوام إستحقاقهن لسكنى البيوت مابقين . اه‍ . فالقارئ جد عليم عندئذ بأن ام المؤمنين لم يكن لها من حجرة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلا السكنى فيها كالمعتدة ، وليس لها قط أن تتصرف فيها بما يترتب على الملك .

والخطب الفظيع عد الحفاظ هذا الاستيذان وهذا الدفن من مناقب الخليفة ذاهلين عن قانون الاسلام العام في التصرف في أموال الناس . ولست أدري بأي حق أوصى الامام الحسن السبط الزكي صلوات الله عليه أن يدفن في تلك الحجرة الشريفة ؟ وهل منعته عائشة عن أن يدفن بها؟ أو أذنت له وما اطيعت ؟ - ولا رأي لمن لايطاع - فتسلح بنو امية وقالوا : لاندعه أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وكاد أن تقع الفتنة ( تاريخ ابن كثير 8 ص44 وجملة اخرى من معاجم السير ) لم هذه كلها ؟ أنا لا أدري .

 

جبريل يسجد مهابة من أبي بكر

حدث عالم الامة الشيخ يوسف الفيشي المالكي قال : كان جبريل إذا قدم أبوبكر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحادثه يقوم إجلالا للصديق دون غيره ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ فقال جبريل : أبوبكر له علي مشيخة في الازل ، وما ذاك إلا ان الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم حدثتني نفسي بما طرد به إبليس فحين قال الله تعالى : اسجدوا . رأيت قبة عظيمة عليها مكتوب أبوبكر أبوبكر . مرارا وهو يقول . اسجد . فسجدت من هيبة أبي بكر فكان ما كان .

 

ذكره العبيدي المالكي في عمدة التحقيق هامش روض الرياحين ص 111 فقال : وحدثني ايضا شيخنا الاستاذ محمد زين العابدين البكري بما يقارب ما قاله الفيشي و سمعتها من غالب مشايخنا بالازهر .

 

قال الاميني :

عجبا لهؤلاء القوم لم يسلم منهم حتى أمين الله على وحيه ( جبرائيل ) المعصوم من الزلل من أول يومه فجعلوه في عداد إبليس اللعين الطريد لو لا أن أبابكر تدارك أمره .

 

عجبا لهذا الملك المزعوم يأتمنه المولى سبحانه ثم يرتاب في أمره ، ولا يصلح ذلك الشنار القول بأنه إنما أئتمنه بعد زلته تلك ، فانه سبحانه لا يأتمن من يمكن في حديث نفسه الكفر ، فلعل تلك الخاطرة دبت فيه ولم يحصل من يسدده فتعود هاجسته كفرا صريحا .

عجبا لهذا الملك المقرب تروعه هيبة أبي بكر ولا تأخذه هيبة الاله العظيم فيطيع أبابكر وهو يهم أن يطيع الله في أمره بالسجدة ، وأي سجدة هذه وما قيمتها من مثل جبرئيل وقد وقعت من هيبة أبي بكر لا بصفة القربان إلى المولى سبحانه والزلفى لديه والامتثال لامره فكأن هيبة أبي بكر في الملا الاعلى أعظم وأفخم من هيبة بارئه جلت عظمته .

 

ثم أين كانت قبة أبي بكر من مستوى عالم الملكوت ؟ ومن الاحرى أن تضرب هنالك قبة نبي العظمة حتى يسدد فيها من شارف الزلة لا قبة إنسان من الممكن أن تكتنفه المئاثم ، وتموت بضعة المصطفى وهي واجدة عليه .

 

ومن أين علم أبوبكر بهاجسة جبرئيل وحديث نفسه ؟ أو هل كان يعلم الغيب ؟ أو اوحي اليه بواسطة غير أمين الوحي ؟ لك الحكم في هذه كلها أيها القارئ الكريم .

 

 ثم العجب من مشايخ الازهر الذين أخبتوا إلى هذه الخزاية فأثبتوها في الكتب ولهجوا بها في الاندية ، وخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى فنشروها في الملا العلمي وشوهوا بها صفحة التاريخ وسمعة الاسلام المقدس !

 

 نعم : أرادوا نحت فضيلة للخليفة فأعماهم الغلو في الفضائل فنحتوها رذيلة لجبرئيل الامين ، كل ذلك لانهم افتعلوها من غير بصيرة في الدين ، أو روية شاعرة في المبادى الاسلامية .

وأحسب أن من اختلق هذه الرواية أراد إثباتها تجاه ما يروى لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام من تسديده لجبرئيل يوم خاطبه الله سبحانه : من أنا ومن أنت ؟ فتروى قليلا وقد أخذته هيبة الجليل سبحانه حتى أدركته نورانية مولانا الامام عليه السلام ، فعلمه أن يقول : أنت الجليل وأنا عبدك جبرئيل . وقد نظم ذلك الشاعر المبدع الشيخ صالح التميمي من قصيدة له في مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وخمسها الشاعر المفلق عبدالباقي افندي العمري كما في ديوانه ص 126 وفي ديوان صاحب الاصل ص 4 قالا :

                                          روضـة أنت للعقول ودوح                  يجتنى من طوباك رشد ونصح

                                          ومتى هب من عبيرك نفح                  شمل الروح من نسـيمك روح

                                                                حـين مـن ربـــه أتــاه النــداء

                                         طـالما للامـلاك كـنت دليــــلا                ولـنــامـوسـهم هـديـت سـبيـلا

                                         يوم نادى رب السما جبرئيلا                 قائـلا : مـن أنـا فـروى قليــلا

                                                                وهـو لولاك فاتـه الاهتـداء (1)

                                        لـك شـكـل نتيجـة للقـضـايـا                    لـك قـلـب للعـالـميـن مـرايــا

                                        لك فعل حوى رفيع المزايـا                    لك إسـم رآه خـيــر الـبـرايـــا

                                                               مـذ تـدلـى وضـمـه الاسـراء

وليست هذه كقصة أبي بكر ، فليس فيها ان جبريل نوى ما نواه إبليس من المروق عن أمره سبحانه ، ولا فيها ان امير المؤمنين أنبأ عن مغيب ، ولا أن هيبته غلبت هيبة الله العظيم ولا ان جبريل سجد من هيبته ، ولا ان له هنا لك قبة عظيمة مكتوب عليها : علي علي ، ولا أنه هتف مخاطبا : لجبرئيل بقوله : اسجد . و روعه بذلك ليست فيها هذه كلها لان الشيعة في المنتأى عن الغلو في الفضائل .

-------------------------------------------------------

(1 ) يعنى الاهتداء إلى ذلك الجواب الحسن الجميل .

 

 

قصة فيها كرامة لابي بكر

أخبر ابوالعباس ابن عبدالواحد عن الشيخ الصالح عمر بن الزغبي قال : كنت مجاورا بالمدينة المشرفة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام فخرجت يوم عاشوراء الذي تجتمع فيه الامامية في قبة العباس وقد اجتموا في القبة قال : فوقفت أنا على باب القبة وقلت : اريد في محبة أبي بكر شيئا . فخرج إلي شيخ منهم وقال : اجلس حتى نفرغ ونعطيك ، فجلست حتى فرغوا ثم خرج ذلك الرجل وأخذ بيدي ومضى بي إلى داره وأدخلني الدار وأغلق ورائي الباب وسلط عليّ عبدين فكتّفاني وأوجعاني ضربا ، ثم أمرهما بقطع لساني فقطعاه ، ثم أمرهما فحلاّ أكتافي وقال : اخرج إلى الذي طلبت في محبته ليرد إليك لسانك . قال : فخرجت من عنده إلى الحجرة الشريفة النبوية وأنا أبكي من شدة الوجع والالم فقلت في نفسي : يا رسول الله  قد تعلم ما أصابني في محبة أبي بكر فإن كان صاحبك حقا ؟ فأحب أن يرجع إليّ لساني وبتّ في الحجرة قلقا من شدة الالم فأخذتني سنة من النوم فنمت فرأيت في منامي ان لساني قد عاد إلى حاله كما كان فاستيقظت فوجدته في فـيّ صحيحا كما كان وأنا أتكلم فقلت : الحمد لله الذي رد عليّ لساني وازددت محبة في أبي بكر رضي الله عنه ، فلما كان العام الثاني في يوم عاشوراء اجتمعوا على عادتهم فخرجت إلى باب القبة وقلت : اريد في محبة أبي بكر دينارا ، فقام إلـيّ شاب عن الحاضرين وقال لي : اجلس حتى نفرغ . فجلست فلما فرغوا خرج إلـيّ ذلك الشاب وأخذ بيدي ومضى بي إلى تلك الدار فأدخلني فيها و وضع بين يدي طعاما ، ولما فرغنا قام الشاب وفتح عليّ بابا على بيت في الدار وجعل يبكي فقمت لانظر ما سبب بكائه فرأيت في البيت قردا مربوطا فسألته عن قضيته فزاد بكاء فسكنته حتى سكن ، فقلت له : بالله أخبرني عن حالك فقال: إن حلفت لي أن لا تخبر أحدا من أهل المدينة أخبرتك ، فحلفت له ، فقال : اعلم أنه أتانا في عام أول رجل و طلب في محبة أبي بكر رضي الله عنه شيئا في قبة العباس يوم عاشوراء فقام إليه أبي و كان من أكابر الامامية والشيعة فقال له : اجلس حتى نفرغ . فلما فرغوا أتى به إلى هذه الدار وسلط عليه عبدين فضرباه ، وأمر بقطع لسانه فقطع ، وأخرجه فمضى لسبيله ولم نعرف له خبرا ، فلما كان الليل ونمنا صرخ أبي صرخة عظيمةفاستيقظنا من شدة صرخته فوجدناه قد مسخه الله قردا ففزعنا منه وأدخلناه هذا البيت وربطناه ، وأظهرنا للناس موته وهو ذا نبكي عليه بكرة وعشيا . فقلت له : إذا رأيت الذي قطع أبوك لسانه تعرفه ؟ قال : لا والله فقلت : أنا هو والله ، أنا الذي قطع أبوك لساني ، وقصصت عليه القصة فأكب علي يقبل رأسي ويدي ثم أعطاني ثوبا ودينارا وسألني كيف رد الله علي لساني ؟ فأخبرته وانصرفت .

 

 مصباح الظلام للجرداني ص 23 من الطبعة الرابعة المصرية المطبوعة بمطبعة الرحمانية بمصر سنة 1347 ه‍ ، ونزهة المجالس للصفوري 2 ص 195 .

 

قال الاميني :

ما أحوج القوم إلى اختلاق هذه الاساطير المشمرجة وهي لا يصدقها أي قار وباد مهما يقرها قصاص في اذنيه ولا يصير بها الامر إلى قراره مهما حبكت نسقه يد الافك وأبدعت في نسجه مهرة الافتعال .

 

أنى يصدق ذو مسكة بأن رجلا شهيرا يعد من علية قوم ومن أكابر امة تمسخ ويربط في داره وهو بعد مجهول لا يعرف اسمه ، ولا ينبئ عنه خبير ، و يسع لخلفه إخفاء أمره بدعوى موته ، ولم يسأل أهله عن تجهيزه وتشييعه ودفنه وقبره وسبب موته ، وتتأتى لولده الغشية عليها عن أعين الناس وأسماعهم كأن في آذانهم صمما وفي أبصارهم عمى .

 

ولماذا أخذه إبن الجاني - الذي لم يخلق بعد لا هو ولا أبوه- ضيفه إلى والده وهو لا يعرف الرجل ولم يخش من الفضيحة ، ولماذا أو قفه على أمر أبيه وعواره وقد كان يستخفيه ويظهر للناس موته ؟

 

وأنى يصدق بأن رجلا قطع لسانه دون مبدئه وحبه لخليفته قد استخفى قصته ، وما أشاع بها ، وما صاح وما باح بمظلمته ، وما أبان أمره عند قومه ، وما أفاض عن شأنه بكلمة ، ولا يمّم قاضيا ولاحاكما ولا الدوائر الحكومية الصالحة للنظر في مظلمته من عدلية أو دائرة شرطة ، وعقيرته مرفوعة من شدة الالم ، ولم يزل القوم يتربص الدوائر على الشيعة ، ويختلق عليهم طامات كهذه .

 

وأنى يصدق انه لما خرج من دار من جنى عليه وهو مقصوص اللسان وقد ملأ فمه دمه ، ولاذ بالحجرة الشريفة باكيا قلقا من شدة الالم ، ما باه له أي أحد ، وما عرفت مع هذه كلها من أمره قذعملة ، ولا تنبه لامره سدنة الحضرة الشريفة ؟

 

وما بال الرجل لم يمط الستر في وقته عن جناية عدو خليفته ، ولم يفش سره ، ولم يعلن كرامة الصديق ، ولم يفضح عدوه ، ولم يعرب عن هذه المكرمة الغالية ، ولم يقرّط الآذان بسماعها ، وينبس أمره ولم ينبشه ، كأن لسانه بعد مقطوع ،  وأنه لم يجده في  فيه صحيحا ؟  أو رضي بأن يفشفش (1) بعده أعلام قومه ؟

-----------------------------------------------------------

(1) فشفش : افرط في الكذب ، وانتحل ما لغيره

 

وإن تعجب فعجب عود هذا الشحاذ الجرئ إلى سؤاله مرة ثانية في سنته القابلة بعد أن رأى ما رأى قبل أن أعوم ، ووقوفه في ذلك الموقف الخطر في قبة العباس يوم عاشوراء ، ومضيه من دون أي تحاش إلى تلك الدار التي وقعت فيها واقعته الخطرة الهائلة ، ودخوله فيها رابطا جأشه ، وإلقاء‌ة نفسه إلى التهلكة ، ولم يكن يعرف شيئا من قصة الشيعي ومسخه ، ولا من حنو الشاب وعطفه ، وقد قال الله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلىالتهلكة

 

ولعله كان في هذه كلها على ثقة وطمأنينة من انه قط لا يبقى بلا لسان ، وان لسان مهما قطع يردّ اليه كما كان من بركة الخليفة ، وهو في حسبانه هذا وقدومه إلى المهالك مجتهد وله أجره وإن أخطأ كاجتهاد سلفه .

 

وقد أنصف الشيخ الصالح المدني في اختلاق هذه القصة على شيعي كبير لم يولد بعد ولم تسمه امه .

 

 وجاء غيره باسطورة معتوه قموص الحنجرة (1) وافتجر (2) في القول و أفجس (3) ألا وهو الشيخ عليا المالكي ، قال الشيخ ابراهيم العبيدي المالكي في عمدة التحقيق المطبوع بمصر في هامش روض الرياحين ص 133 : سمعت خالي العالم الشيخ عليا المالكي يقول : إن الرافضي إذا أشرف على الموت يقلب الله صورة وجهه وجه خنزير فلا يموت إلا إذا مسخ وجهه وجه خنزير ، ويكون ذلك علامة على انه مات على الرفض ، فيستبشرون بذلك الروافض ، وإن لم يقلب وجهه عند الموت يحزنون ويقولون : إنه مات سنيا ، انتهى .

 

وتخرق بعض الثقات في تاريخ حلب شاهدا على هذه المخرقة فقال : لما مات ابن منير (4) خرج جماعة من شبان حلب يتفرجون فقال بعضهم لبعض : قد سمعنا انه لا يموت أحد ممن كان يسب أبابكر وعمر إلا ويمسخه الله تعالى في قبره خنزيرا ولا شك أن ابن منير كان يسبهما ، فأجمعوا رأيهم على المضي إلى قبره ، فمضوا ونبشوه فوجدوا صورته خنزيرا ووجهه منحرفا عن جهة القبلة إلى جهة الشمال ، فأخرجوا على قبره ليشاهده الناس ثم بدالهم أن يحرقوه فأحرقوه بالنار وأعادوه في قبره وردوا عليه التراب وانصرفوا ، وذكره العلامة الجرداني في مصباح الظلام المؤلف سنة 1301 والمطبوع بمصر سنة 1347 وقرظه جمع من الاعلام ألا وهم كما في آخر الكتاب : العالم العفيف السيد محمود أنسي الشافعي الدمياطي ، والعلامة الشيخ محمد جودة ، والعلامة الاوحد الشيخ محمد الحمامصي ، وحضرة الفاضل اللبيب الشيخ عطية محمود قطارية ، والعالم العامل الشيخ محمد القاضي ، وحضرة الشاعر اللبيب محمد أفندي نجل العلامة الشيخ محمد النشار ليست هذه النفثات إلا كتيت (5) الاحن ، ونغران (6) الشحناء . وإن شئت قلت :

-------------------------------------------------------

(1) يقال فلان قموص الحنجرة : اى كذاب .

(2) افتجر في الكلام : اى اختلقه وذكره من غير ان يسمعه من احد .

(3) أفجس : افتخر بالباطل ،

(4) احد شعراء الغدير مرت ترجمته في الجزء الرابع ص 279 - 289 ط 2 مات في دمشق ثم

    نقل إلى حلب فدفن بها ،

(5) الكتيت : صوت غليان القدر والنبيذ ونحوهما .

(6) نغر الرجل على فلان نغرا ونغرانا : غلا جوفه عليه غضبا .

 

 

 

إنها سكرة الحب ، وسرف المغالاة . قد أعمت الاهواء بصاير اولئك الرجال فجاؤا بهذه المخاريق المخزية ، والافائك المزخرفة ، بيتوها غير مكترثين لمغبة صنيعهم ، و لا متحاشين عن معرة قيلهم ، وشتان بينها وبين أدب الدين ، أدب العلم ، أدب التأليف ، أدب العفة ، أدب الدعاية والنشر . إنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ، ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول .

 

كأن هؤلاء يحدّثون عن امّة بائدة لم يبق لها الملوان من يشاهده أحد من الاجيال الحاضرة ، أو ليست الشيعة هؤلاء الذين هم مبثوثون في أرجاء العالم وأجواء الامم ، يشاهدهم كل ذي بصر وبصيرة أحياء وأمواتا ؟

 

فمن ذاالذي شهد أحدهم أنه انقلب عند موته خنزيرا غير اولئك الشبان الموهومين الذين شاهدوا ابن منير في قبره ؟

 

وهل الشيخ عليا المالكي هو وجد أحدا من الشيعة كما وصفه ؟ أو روي له ذلك الافك فوثق به كما وثق العبيدي ؟

 

وهل كان يمكنه أن يقف على الموتى جميعا أو أكثرهم وليس هو بمغسل الموتى أو من حفاري القبور ولا من نباشيها ؟

 

على ان التشيع ليس من ولائد تلكم العصور وإنما بدء به منذ العهد النبوي ، فهل كان السلف الشيعي من الصحابة والتابعين يموتون كذلك وكان فيهم من يعرف بالتشيع كأبي ذر وسلمان وعمار والمقداد وأبي الطفيل ؟

 

فهل يسحب هذا الرجل ذيل مزعمته إلى ساحة اولئك الاعاظم ؟ قطعت جهيزة قول كل خطيب (1) .

---------------------------------------------------

(1) مثل يضرب لمن يقطع على الناس ماهم فيه بحماقة يأتى بها.

 

 

أبوبكر شيخ يعرف . والنبي شاب لا يعرف

عن أنس بن مالك قال : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وأبوبكر شيخ يعرف والنبي صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف فيلقى الرجل أبابكر (1) فيقول : يا أبابكر  من هذاالذي بين يديك ؟ فيقول : يهديني السبيل ، فيحسب الحاسب انه يهديه الطريق وإنما يعني سبيل الخير .

وفي لفظ : إن أبابكر كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم وكان أعرف بذلك الطريق فيراه الرجل يعرفه فيقول : يا أبابكر  من هذا الغلام بين يديك ؟ وفي لفظ أحمد : كانوا يقولون : يا أبابكر  ما هذا الغلام بين يديك ؟ فيقول : هذا يهديني السبيل .

وفي لفظ : قالوا : يا أبابكر  من هذ الذي تعظمه هذا الاعظام ؟ قال : هذا يهديني الطريق وهو أعرف به مني .

وفي رواية : ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء أبي بكر ناقته . وفي التمهيد لابن عبد البر : انه لما أتي براحلة أبي بكر سأل أبوبكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ويردفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنت اركب وأردفك أنا فان الرجل أحق بصدر دابته  فكان إذا قيل له : من هذا وراء‌ك ؟ قال : هذا يهديني السبيل.

وفي لفظ : لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة تلقاه المسلمون فقام أبوبكر للناس ، وجلس النبي صامتا ، وأبوبكر شيخ والنبي شاب ، فطفق من جاء من الانصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يجئ أبابكر فيعرفه بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأقبل أبوبكر حتى ظلل عليه بردائه فعرفه الناس عند ذلك .

 

صحيح البخاري باب هجرة النبي 6 : 53 ، سيرة ابن هشام 2 : 109 ، طبقات ابن سعد       1 : 222 ، مسند أحمد 3 : 287 ، معارف ابن قتيبة ص 75 ، الرياض النضرة 1 : 78 ،

79 ، 80 ، المواهب اللدنية 1 : 86 ، السيرة الحلبية 2 : 46 ، 61 .

---------------------------------------------------------

(1) في الانتقال من بنى عمرو . كذا قاله القسطلانى في ارشاد السارى 6 ص 214 وبنو عمرو ابن عوف هم من الانصار النازلين بقباء كان قد نزل عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله في هجرته إلى المدينة كما يأتى تفصيله.

 

قال الاميني :

ما أنزل الدهر نبي الاسلام حتى قيل : إنه شاب لا يعرف . كأنه غلام نكرة اتخذه شيخ انتشر صوته كصيته بين الناس دليلا في مسيره يرتدفه تارة و يمشّيه بين يديه اخرى ومهما سأل عنه يقول : هذا يهديني الطريق وهو أعرف به مني ، كأن نبي الاسلام صلى الله عليه وآله لم يكن ذلك الذي كان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم فعرفوه على بكرة أبيهم من آمن منهم ومن لم يؤمن ، خصوصا الانصار المدنيون منهم وفيهم رجال الاوس والخزرج ، وقد بايعوه عند العقبة الاولى مرة ، وبايعه منهم مرة ثانية عند العقبة ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان .

وكأنه صلى الله عليه وآله لم يكن ذلك الذي أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة قبله ، وكان بتلك الهجرة غلقت أبواب ، وخلت دور اناس من السكنى ، وهاجر أهلها رجالا ونساء‌ا وكان في مقدم المهاجرين ما يناهز ستين رجلا ، فلم يبق في مكة المعظمة من أسلم معه صلى الله عليه وآله إلا أمير المؤمنين وأبوبكر وكأن المدينة ليست بدار بني النجار وهم خؤولة النبي الاقدس.

وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن الذي إتخذ المدينة قاعدة ملكه ، وعاصمة حكومته ، ومعسكر نهضته ، فبث فيها رجاله وخاصته من أهلها ومن المهاجرين فكانوا يرقبون مقدمه الشريف في كل حين حتى ، إذا وافوه مقبلا عليهم استقبلوه بقضهم وقضيضهم وفيهم أهل البيعتين ومن تقدمه من المهاجرين وكلهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ، وإنه صلى الله عليه وآله مكث في قباء عند بني عمرو بن عوف أياما وليالي حتى أسس مسجده الشريف فيها ، فعرفه كل من في قباء ممن لم يكن يعرفه قبل من رجال الاوس والخزرج ، واتصل به كل من قدمها من المدينة فعرفوه جميعا ، وقد صلى الجمعة في قباء وفي بطن الوادي وادي رانونا وائتم به من حضر المسلمين عامة .

وبقضاء من الطبيعة ان الناس عند التطلع إلى رؤيته صلى الله عليه وآله كان يومي إليه كل عارف ، ويسأل عنه كل جاهل ، ويتقدم المبايعون إلى التعرف به والتزلف اليه ، فلا يبقى في المجتمع جاهل به حتى يسأل أبابكر عنه في انتقاله من بني عمرو وبقوله : من هذا الغلام بين يديك يا أبابكر ؟

فكأن القادم رجل عادي ما دوخ صيته الاقطار ، ولم يره بشر من ذلك الجمع الحافل ، ولم يحتفل به ذلك الاحتفال ، ولا احتفى به تلك الحفاوة ، وما صعدت ذوات الخدور على  الاجاجير (1) وما هزجت الصبيان والولائد بقولهن :

 

                                                  طـلع البـدر عـلـينـا                 من ثنيـات الـوداع

                                                  وجـب الشكر علينا                 مـا دعـا لـلــّه داع

                                                  أيـها المبعوث فينـا                جئت بالامر المطاع

وكأنه قدم في صورة منكرة بلا أي تقدمة إلى بلد لا يعرفه فيه أحد حتى خص السؤال عنه بأبي بكر فحسب .

-------------------------------------------------------

(1) جمع الاجار بكسر الاول وتشديد الجيم : السطح .

 

 

ثم ما هذه التعمية في جواب أبي بكر بقوله : إنه يهديني السبيل يريد سبيل السعادة فيحسب الحاسب انه يهديه الطريق ؟ ألخوف كانت ؟ ولم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا على العدة والعدد والمنعة والعزة ، وقد بايعته الانصار على التفاني دونه . أو كان يخاف أبوبكر قريشا وهو في حصن الدين المنيع ودرعه الحصينة ؟ أم كانت لغير ذلك ؟ فاسأل عنه خبيرا .

والعجب كل العجب ان رجلا هذه سيرته في التقية عن الناس في عاصمة الاسلام بين فرسان المهاجرين والانصار كيف صح عنه ما جاء عن ابن مسعود وما روي عن مجاهد مرسلا من قولهم : إن أول من أظهر الاسلام سبعة : رسول الله ، وأبوبكر . الخ (1) .

 

على أن الحالة كانت تقتضي أن يسأل كل قادم إلى المدينة يوم ذاك عن شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وأوان نزوله بها لا عن الغلام بين أيدي أبي بكر.

والعجب ان الجهل برسول الله في مزعمة هذاالراوي  كان مستمرا بين مستقبليه " وكلهم نفوسهم نزّاعة إلى عرفانه والتبرك برؤيته " حتى ظلله أبوبكر بردائه فعرفه الناس عند ذلك.

ومتى كان أبوبكر شيخا والنبي شابا وهو صلى الله عليه وآله أكبر منه بسنتين وعدة أشهر كما يأتي تفصيله إنشاء الله ؟ وابن قتيبة أخذ هذا الحديث بظاهره فقال في المعارف ص 75 : هذا الحديث يدل على أن أبابكر كان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدة طويلة ، والمعروف عند أهل الاخبار ما حكيناه . اه‍ . وحكى قبل هذا ان رسول الله صلى الله عليه وآله هو أكبر سنا من أبي بكر .

---------------------------------------------------------

(1) تاريخ ابن كثير 3 : 58 ، تأريخ ابن عساكر 6 ص 448 .

 

 

نعم : عرف شراح البخاري من المتأخرين موضع الغمز فأولوا كون أبي بكر شيخا بظهور الشيب في لحيته . وكون النبي شابا بسواد كريمته ، والعارف بأساليب الكلام يعلم انه تمحل محض ، وأن المفهوم من تلك كما فهمه ابن قتيبة : كون أبي بكر شيخا ورسول الله شابا لا غير ذلك . وإلا فما معنى قولهم : ما هذا الغلام بين يديك ؟ و : من هذا الغلام بين يديك ؟ ومن المعلوم ان الغلام لا يطلق على من عمر خمسون سنة تقريبا مهما اسود عارضه.

وعلى صحة هذا التأويل أين المأوّلون من صحيحة ابن عباس قال : قال أبوبكر :

يا رسول الله  قد شبت ؟ قال : شيّبتني هود والواقعة . الحديث .

وروى مثله الحفاظ عن ابن مسعود ، وفي لفظ أبي جحيفة : قالوا : يا رسول الله  نراك قد شبت ؟ قال : شيبتني هود وأخواتها (1) فهذه الصحيحة تعرب عن أنه صلى الله عليه وآله كان قد بان فيه الشيب على خلاف الطبيعة ، وأسرع فيه حتى أصبح مسئولا عنه وعما أثره فيه صلى الله عليه وآله فأين منها ذلك التأويل البارد ؟

------------------------------------------

(1) أخرجه الحافظ الترمذى في جامعه ، والحكيم الترمذى في نوادر الاصول ، وابويعلى ، والطبرانى ، وابن ابى شيبة ، والحاكم في المستدرك 2 : 343 وصححه هو واقره الذهبى ، والقرطبى في تفيسره 7 : 1 . وابونصر في اللمع ص 280 ، وابن كثير في تفسيره  2 : 435 ، والخازن في تفسيره 2 : 335 .

 

وربما يقال في حل مشكلة ( يعرف ولا يعرف ) : إن أبابكر كان تاجراعرفه الناس في المدينة عند اختلافه إلى الشام ، لكنه على فرض تسليم كونه تاجرا ، وعلى تقدير تسليم سفره إلى الشام ودون إثباته خرط القتاد ، مقابل بأن رسول الله صلى الله عليه وآله ايضا كان يحاول التجارة يستطرق المدينة إلي الشام ، فلو كانت التجارة بمجرّدها تستدعي معرفة الناس بالتاجر فهو في النبي الاعظم أولى لان شرفه المكتسب ، وشهرته وبالامانة ، وعظمته في النفوس ، وتحلّيه بالفضائل ، وبروز عصمته وقداسته عند الناس من أول يومه ، وشرفه الطائل في نسبه ، أجلب لتوجه النفوس اليه ، بخلاف التاجر الذي هو خلو من كل ذلك .

على أن التاجر متى هبط مصرا فعارفوه رجال معدودون ممن شاركوه في الحرفة ، أو شارفوه في المعاملة ، وهذا التعارف يخص باناس تعد بالانامل لا عامة الناس كما حسبوه ، وأنى هذا من سفر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وأبوبكر يوم ذاك يرضع من ثدي امه ، خرجت به صلى الله عليه وآله ام أيمن لما بلغ ست سنين من عمره إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزور به أخواله ، فنزلت به في دار النابغة رجل من بني عدي بن النجار فأقامت به شهرا . ومما وقع في تلك السفرة :

قالت ام أيمن : أتاني رجلان من اليهود يوما نصف النهار بالمدينة فقالا : أخرجي لنا أحمد . فأخرجته ونظرا إليه وقلباه مليا ثم قال أحدهما لصاحبه : هذا نبي هذه الامة ، وهذه دار هجرته ، وسيكون بهذه البلدة من القتل والسبي أمر عظيم . قالت ام ايمن : وعيت ذلك كله من كلامهما (1) أبعد هذه كلها ، وبعد تلكم الارهاصات للنبوة التي ملات بين الخافقين ، وبعد ذلك الصيت الطائل الذي دوخ الاقطار ، وبعد مضي خمسون سنة من عمره الشريف صلى الله عليه وآله رسول الله شاب لا يعرف وأبوبكر شيخ يعرف ، يسأل عنه : من هذا الغلام بين يديك ؟

----------------------------------------------------

(1)دلائل النبوّةلأبي نعيم 1 :50 ,صفةالصفوةلابن الجوزي 1 :20 ,تاريخ ابن كثير 2 :279  , بهجة المحافل 1 : 44 .

 

ولايضاح هذه الجمل من الحري أن نسرد كيفية هجرته صلى الله عليه وآله حتى تزيد بصيرة القارئ على موقع الافك من هذه المجهلة المأثورة في الصحاح والمسانيد الصادرة عن الغلو في الفضائل عميا وصما . فأقول :

 

 ( الانصار في البيعتين )

 

كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعرض نفسه علي القبائل في المواسم إذا كان يدعوهم إلى الله ويخبرهم انه نبي مرسل فعرض نفسه على كندة . وعلى بني عبدالله بطن من كلب . وعلى بني حنيفة . وعلى بنى عامر بن صعصعة . وعلى قوم من بني عبدالاشهل . فلما أراد الله عزوجل إظهار دينه ، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وآله وإنجاز موعده له خرج صلى الله عليه وآله وسلم في الموسم الذى لقي فيه النفر من الانصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا وفيهم : أسعد بن زرارة أبوامامة النجاري . وعوف بن الحرث بن عفراء . ورافع بن مالك . وقطبة بن عامر بن حديدة . وعقبة بن عامر بن نابي . وجابر بن عبدالله  فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله ودعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الاسلام ، وتلا عليهم القرآن فأجابوه فيما دعا إليهم ثم انصرفوا عنه صلى الله عليه وآله راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا . فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم ، فلم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الانصار إثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة الاولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب . وهم :

أبوامامة أسعد بن زرارة . وعوف بن عفراء . ومعاذ بن عفراء . ورافع بن مالك . وذكوان بن عبد قيس . وعبادة بن الصامت . ويزيد بن ثعلبة . والعباس بن عبادة . وعقبة بن عامر . وقطبة بن عامر . وابوالهيثم بن التيهان . وعويم بن ساعدة .

 

قال عبادة بن الصامت : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الاولى : على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف . فلما إنصرف القوم عنه صلى الله عليه وسلم بعث رسول الله معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرأهم القرآن ، ويعلمهم الاسلام ، ويفقههم في الدين ، ويقيم فيهم الجمعة والجماعة ، وكان مصعب يسمى بالمدينة : المقرئ ، وكان منزله على أسعد بن زرارة أبي أمامة . النجاري وكان يصلي بهم الجمعة والجماعة فأقام عنده يدعوان الناس الاسلام حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون .

 

ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة ، وخرج من خرج من الانصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق .

قال كعب : فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبوجابر سيد ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا ، ثم دعوناه إلى الاسلام فأسلم وشهد معنا العقبة ، و كان نقيبا ، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا : نسيبة بنت كعب ام عمارة . وأسماء بنت عمرو أم منيع .

قال : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساء‌كم وأبناء‌كم .

فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك عما نمنع منه أزرنا (1) فبايعنا يا رسول الله ، فنحن والله أهل الحروب ، وأهل الحلقة ، ورثناها كابرا عن كابر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرجوا إلي منكم إثنى عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم . فأخرجوا منهم إثنى عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس وهم :

1- أبوأمامة أسعد بن زرارة الخزرجي .

2- سعد بن الربيع بن عمرو الخزرجي .

3- عبدالله بن رواحة بن امرؤ القيس الخزرجي .

4- رافع بن مالك بن العجلان الخزرجي .

5- البراء بن معرور بن صخر الخزرجي .

6- عبدالله بن عمرو بن حرام الخزرجي .

7- عبادة بن الصامت بن قبس الخزرجي .

8- سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي .

9- المنذر بن عمرو بن خنيس الخزرجي .

10- أسيد بن حضير بن سماك الاوسي .

11- سعد بن خيثمة بن الحرث الاوسي .

12- رفاعة بن عبدالمنذر بن زنبر الاوسي . وقد يعد بمكانه أبوالهيثم ابن التهيان .

--------------------------------------------------------------

(1)ازرنا : يعنى نساء‌نا ، والمرأة يكنى عنها بالازار .

 

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء : أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي : يعني المسلمين . قالوا : نعم . قال العباس بن عبادة بن نضلة الانصاري : يا معشر الخزرج  هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم . قال : إنكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس ، فان كنتم ترون انكم إذا نهكت أموالكم مصيبة ، وأشرافكم قتّل استلمتموه ؟ فمن الآن ، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الاموال وقتل الاشراف فهو والله خير الدنيا والآخرة . قالوا فانا نأخذ على مصيبة الاموال قتل الاشراف ، فمالنا بذلك يا رسول الله  إن نحن وفينا ؟ قال : الجنة . قالوا : ابسط يدك فبسط يده فبايعوه . فقال له العباس بن عبادة : والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم نؤمر بذلك ولذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم .

فرجعوا إلى مضاجعهم . فلما قدموا المدينة أظهروا الاسلام بها وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك . وكان أهل بيعة العقبة الآخرة ثلاثة وسبعين رجلا و امرأتين وهم :

اسيد بن حضير النقيب * أبوالهيثم بن التيهان النقيب * سلمة بن سلامة الاشهلي  * ظهير بن رافع الخزرجي * أبوبردة بن نيار بن عمرو * نهير بن الهيثم الحارثي * سعد بن خيثمة النقيب * رفاعة بن عبدالمنذر النقيب * عبدالله بن جبير بن النعمان * معن بن عدي بن الجلد * عويم بن ساعدة الاوسي * أبوأيوب خالد الانصاري * معاذ بن الحارث الانصاري * أسعد بن زرارة النقيب * سهيل بن عتيك النجاري * أوس بن ثابت الخزرجي * أبوطلحة زيد بن سهل * قيس بن أبي صعصعة النجاري * عمرو بن غزية الخزرجي * سعد بن الربيع النقيب * خارجة بن زيد الخزرجي * عبدالله بن رواحة النقيب * بشير بن سعد الخزرجي * خلاد بن سويد الخزرجي * عقبة بن عمرو الخزرجي * زياد بن لبيد الخزرجي * فروة بن عمرو الخزرجي * خالد بن قيس الخزرجي * رافع بن مالك النقيب * ذكوان بن عبد قيس الخزرجي * عبادة بن قيس الخزرجي * الحارث بن قيس الخزرجي * البراء بن معرور النقيب

بشر بن البراء الخزرجي * سنان بن صيفي الخزرجي * الطفيل بن النعمان الخزرجي * معقل بن المنذر الخزرجي * يزيد بن المنذر الخزرجي * مسعود بن يزيد الخزرجي * الضحاك بن حارثة الخزرجي * يزيد بن خزام الخزرجي * جبار بن صخر الخزرجي * الطفيل بن مالك الخزرجي * كعب بن مالك الخزرجي * سليم بن عمرو الخزرجي * قطبة بن عامر الخزرجي * يزيد بن عامر الخزرجي * كعب بن عمرو الخزرجي * صيفي بن سواد الخزرجي * ثعلبة بن غنمة السلمي * عمرو بن غنمة السلمي * عبدالله بن أنيس السلمي * خالد بن عمرو السلمي * عبدالله بن عمر النقيب * جابر بن عبدالله السلمي * ثابت بن ثعلبة السلمي * عمير بن الحارث السلمي * خديج بن سلامة بن الفرافر * معاذ بن جبل الخزرجي * أوس بن عباد الخزرجي *

عبادة بن الصامت النقيب * غنم بن عوف الخزرجي * العباس بن عبادة الخزرجي * أبوعبدالرحمن بن الخزرجي * عمرو بن الحرث الخزرجي * رفاعة بن عمرو الخزرجي * عقبة بن وهب الجشمي * سعد بن عبادة النقيب * المنذر بن عمرو النقيب * عوف بن الحارث الانصاري * معوذ بن الحارث الانصاري * عمارة بن حزم الانصاري * عبدالله بن زيد مناة الخزرجي .

 

( نبأ الهجرة )

 

 

فلما عتت قريش على الله  عزوجل ، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة ، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه أذن الله عزوجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال فنزل قوله تعالى : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا الآية . ثم أنزل الله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، فلما أذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم في الحرب وتابعه هذا الحيّ من الانصار على الاسلام والنصرة له ولمن إتبعه ، وأوى إليهم من المسلمين ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها ، واللحوق باخوانهم من الانصار ، وقال : إن الله عزوجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها . فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة ، فهاجر بنو جحش فغلّقت دورهم هجرة تخفق أبوابها يبابا ، ليس فيها ساكن خلاء من أهلها . وكان بنو غنم بن دودان أهل اسلام قد أوعبوا إلى المدينة هجرة نساء‌هم ورجالهم ، ثم تتابع المهاجرون وفيهم :

أبوسلمة بن عبدالاسد * عامر بن ربيعة الكعبي * عبدالله بن جحش * عبد بن جحش أبوأحمد * عكاشة بن محصن * شجاع بن وهب * عقبة بن وهب * عربد بن حمير*منقذ بن نباته * سعيد بن رقيش * محرز بن نضلة * يزيد بن رقيش * قيس بن خابر * عمرو بن محصن * مالك بن عمرو * صفوان بن عمرو * ثقف بن عمرو * ربيعة بن أكثم * الزبير بن عبيدة * تمام بن عبيدة * سخبرة بن عبيدة * محمد بن عبدالله بن جحش * عمر بن الخطاب * عياش بن أبي ربيعة * زيد بن الخطاب * عمرو بن سراقة * عبدالله بن سراقه * خنيس بن حذافة * إياس بن البكير * عاقل بن البكير * عامر بن البكير * خالد بن البكير * طلحة بن عبيد الله * حمزة بن عبدالمطلب * صهيب بن سنان * زيد بن حارثة * كنار بن حصين * عبيدة بن الحارث * الطفيل بن الحارث * الحصين بن الحرث * مسطح بن أثاثة * سويبط بن سعد * طليب بن عمير * خباب مولى عتبة * عبدالرحمن بن عوف * الزبير بن عوام * أبوسبرة بن أبي رهم * مصعب بن عمير * أبوحذيفة بن عتبة * سالم مولى أبي حذيفة * عتبة بن غزوان * عثمان بن عفان * أنسة مولى رسول الله * أبوكبشة مولى رسول الله .

وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة . ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن ، إلا علي بن أبي طالب وأبوبكر بن أبي قحافة رضي الله عنهما حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه ، وما كان يعلم بخروجه صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبوبكر الصديق وآل أبي بكر ، أما علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعد مكة ، حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم ، فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فخرج ومعه أبوبكر ثم عمدا إلى غار بثور جبل بأسفل مكة فدخلاه فأقام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ومعه صاحبه .

ثم خرج بهما دليلهما عبدالله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل أسفل من عسفان (1) ثم سلك بهما على أسفل أمج (2) ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن جاز قديدا (3) ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخراّر (4) ثم سلك بهما ثنيّة (5) المرة ، ثم سلك بهما لقفا (6) ،

---------------------------------------------------

(1) بضم الاول ثم السكون : محل من مكة على مرحلتين .

(2) بفتح الهمزة والميم : بلد من اعراض المدينة .

(3) بضم الاول وفتح الدال : موضع فيه ماء بين مكة والمدينة . بها منازل خزاعه .

(4) بفتح المعجمة وتشديد الراء : موضع قرب الجحفة .

(5) ثنية المرة مخفف الراء .

(6) يقال : لقف بالتحريك وبفتح اللام وسكون الفاء . وبكسر اللام وسكون الفاء.

 

 

ثم استبطن بهما مدلجة مجاج (1) ثم سلك بهما مرجح مجاج ثم تبطّن بهما مرجح (2) من ذي العضوين-(الغضوين)- ثم بطن ذي كشر (3) ثم أخذ بهما على الجداجد (4) ثم على الاجرد (5) ثم سلك بهما ذا سلم بن بطن أعدا مدلجة تعهن (6) ثم على العبابيد (7) ثم أجازبهما الفاجة (8) ثم هبط بهما العرج (9) فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم يقال له : أوس بن حجر على جمل له يقال له : ابن الرداء . إلى المدينة وبعث معه غلاما له مسعود بن هنيدة ، ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنيّة العائر (10) عن يمين ركوبه (11) حتى هبط بهما بطن رئم (12) ثم قدم بهما قباء (13) على بني عمرو بن عوف حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل .

ولما دنوا من قباء بعثوا رجلا من أهل البادية إلى أبي أمامة وأصحابه من الانصار فثار المسلمون إلى السلاح واستقبله زهاء خمسمائة من الانصار فوافوه وهو مع أبي بكر في ظل نخلة ، ثم قالوا لهما : اركبا آمنين مطاعين . فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بقباء في دار بني عمرو بن عوف فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف بن الاثنين ويوم الثلثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده.

---------------------------------------------------------

(1) بفتح الميم وكسره بجيمين وصححه بعض بفتح الميم ثم المعجمة وآخره مهملة .

(2) بفتح الميم وسكون الراء بعدها معجمة مكسورة وآخره مهملة .

(3) بفتح الكاف وسكون الشين وآخره مهملة .

(4) بالمعجمتين والمهملتين بينهما ألف . من الآبار القديمة .

(5) اسم جبل هناك .

(6) تعهن بكسر اوله وهائه وتسكين العين وآخره نون : اسم عين ماء سمى به على ثلاثة أميال من السقيا بين مكة والمدينة ، ويقال في ضبطه غير هذا .

(7) ويقال : العبابيب ، ويقال : العثيانة .

(8) ويقال : الفاحة بالمهملة . والقاحة . مدينة على ثلاثة مراحل من المدينة .

(9) بفتح العين وسكون الراء : عقبة بين مكة والمدينة .

(10) قال محمد يحيى الدين المصرى في حاشية سيرة ابن هشام 2 : 108 : لم يذكر ياقوت العائر لا بالعين المهملة ولا بالغين المعجمة . أقول : ذكره في العين المهملة 6 ص 103 وقال : جبل بالمدينة . وفى حديث الهجرة : ثنية العائر عن يمين ركوبه . ويقال : ثنية الغائر بالغين المعجمة . اه‍ ملخصا

(11) بفتح الراء : ثنية صعبة عند العرج .

(12) بكسر الراء المهملة موضع على أربعة برد من المدينة وقيل : ثلاثة برد .

(13) بضم اوله : قرية على ميلين من المدينة .

 

 

وقد يقال كما في سنن أبي داود 1  ص 74 : إنه أقام في قباء أربعة عشر ليلا ، وحكى موسى بن عقبة إثنين وعشرين ليلة . وقال البخاري : بضع عشرة ليلة ، وبقباء كانت منازل الاوس والخررج ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانوناء ، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة .

قال عبدالرحمن بن عويم : حدثني رجال من قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

قالوا : لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكّفنا (1) قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال ، فاذا لم نجد ظلا دخلنا ، وذلك في أيام حارة .

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وصلى الجمعة أتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم بن عوف ، فقالوا : يا رسول الله  أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة . قال : خلوا سبيلها فانها مأمورة - يعني ناقته - فخلوا سبيلها فانطلقت ، حتى إذا وازنت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة ابن عمرو في رجال من بني بياضة فقالوا : يا رسول الله  هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة . قال : خلوا سبيلها فانها مأمورة . فخلوا سبيلها . فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة إعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة فقالوا : يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة . قال : خلوا سبيلها فانها مأمورة . فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني الحرث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبدإالله بن رواحة في رجال من بني الحرث بن الخزرج فقالوا : يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة . قال : خلوا سبيلها فانها مأمورة . فخلوا سبيلها فانطلقت ، حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار اعترضها سليط بن قيس ، وأبوسليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال من بني عدي فقالوا : يا رسول الله  هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة . قال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة . فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار

------------------------------------------------------------

(1) استشعرناه وانتظرناه .

 

 

 

بركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ مربد (1) لغلامين يتيمين من بني النجار : سهل وسهيل ابني عمرو ، فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفتت إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحلحلت (2) ورزمت (3) ووضعت جرانها (4) فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمل أبوأيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن المربد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء : هو يا رسول الله  لسهل و سهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي ، وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا .

 

راجع سيرة ابن هشام 2 ص 31 - 114 ، تاريخ الطبري 2 : 233 - 249 ، طبقات ابن سعد 1 ص 201 - 224 ، عيون الاثر 1 : 152 - 159 ، الكامل لابن الاثير 2 : 38 . 44 تاريخ ابن كثير 3 : 138 - 205 ، تاريخ ابن الفدا ج 1 : 121 - 124 ، الامتاع  للمقريزي ص 30 - 47 ، السيرة الحلبية 2 : 3 - 61 .

------------------------------------------------------------

(1) بكسر الميم وفتح الباء بينهما مهملة ساكنة أصله الموضع الذى يجفف فيه التمر .

(2) تحلحلت : تحركت . وقد يقال : تلحلحت . أي لزمت مكانها .

(3) وعند ابن الاثير : أرزمت . أي رغبت ورجعت في رغائها ،

(4) الجران ، ككتاب : قال السهيلي : أي عنقها . وقال غيره : الجران . ما يصيب الارض

من صدرها وباطن حلقها .

 

أبوبكر أسن من النبي

عن يزيد (1) بن الاصم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : أنا أكبر أو أنت ؟ قال : لا بل أنت أكبر مني وأكرم وخير مني ، وأنا أسن منك .

 

أخرجه ابن الضحاك ، وذكره أبوعمر في الاستيعاب 2 : 226 ، والمحب الطبري في الرياض النضرة 1 ص 127 ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 72 نقلا عن خليفة بن خياط ، وأحمد بن حنبل ، وابن عساكر .

--------------------------------------------------

(1) في الرياض : زيد . والصحيح : يزيد .

 

قال الاميني :

 

أو لا تعجب من أكذوبة تعد أكرومة ؟ متى تصح رواية يزيد بن الاصم عن النبي صلى الله عليه وآله ولم يدركه ، فان الرجل توفي سنة 101 / 3 / 4 وهو ابن ثلاث وسبعين سنة فولادته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله بدهر.

ثم متى كان أبوبكر أسن من النبي وقد ولد صلى الله عليه وآله في عام الفيل ، وولد أبوبكر بعد عام الفيل بثلاث سنين . وقال سعيد بن المسيب : استكمل أبوبكر بخلافته سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي وهو بسن النبي صلى الله عليه وآله ابن ثلاث وستين سنة . راجع : المعارف لابن قتيبة ص 75 فقال : إتفقوا على أن عمره ثلاث وستون سنة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسن من أبي بكر بمقدار سني خلافته . ا ه‍ . صحيح الترمذي 2 : 288 وفيه : انه صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين سنة ، سيرة ابن هشام 1 ص 205 ، تاريخ الطبري 2 : 125 وج 4 : 47 ، الاستيعاب م 1 : 335 وقال : لا يختلفون ان سنّه انتهت إلى حين وفاته ثلاثا وستين سنة إلا ما لا يصح وانه استوفى بخلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله سن رسول الله صلى الله عليه وآله.

وقال في الجزء الثاني ص 626 بعد ذكر حديث يزيد الاصم : هذا الخبر لا يعرف إلا بهذا الاسناد ، وأحسبه وهما لأن جمهور أهل العلم بالاخبار والسير والآثار يقولون : ان أبابكر استوفى بمدة خلافته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة  الكامل 1 : 185 وج 2 : 176 . اسد الغابة 3 : 223 ، مرآة الجنان 1 : 65 ، 69 ، مجمع الزوائد 9 : 60 ، عيون الاثر 1 : 43 ، الاصابة 2 : 341 ، 344 ، ألسيرة الحلبية 3 : 396 .

نعم : هذه المسائلة وقعت بينه صلى الله عليه وآله وبين سعيد بن يربوع المخزومي كما رواها البغوي وابن مندة (1) وابن يربوع توفي سنة 54 وله 120 سنة . وقيل : وزيادة أربع .

ولما كانت شيبة أبى بكر وكبر سنه هي الحجة الوحيدة على مخالفيه يوم السقفية فأيدها المغالون في فضائله بأمثال هذه المخاريق المفتعلة ، وتحريف التاريخ عن مواضعه . والله يعلم أنهم لكاذبون .

---------------------------------------------------------

(1) الاصابة 2 : 51 .

 

إسلام أبي بكر قبل ولادة علي

عن شبابة عن فرات بن السائب قال : قلت لميمون بن مهران : أبوبكر الصديق أول ايمانا بالنبي صلى الله عليه وسلم أم علي بن أبي طالب ؟ قال : والله لقد آمن أبوبكر بالنبي صلى الله عليه وسلم زمن بحيرا الراهب ، واختلف فيما بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه ، وذلك كله قبل أن يولد علي بن أبي طالب.

وعن ربيعة بن كعب (1) قال : كان إسلام أبي بكر شبيها بالوحي من السماء وذلك أنه كان تاجرا بالشام فرأي رؤيا فقصها على بحيرا الراهب فقال له : من أين أنت؟ فقال : من مكة فقال : من أيّها ؟ قال : من قريش . قال : فأي شئ أنت : قال : تاجر . قال : إن صدّق الله رؤياك فانه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته من بعد وفاته . فأسرّ ذلك أبوبكر في نفسه حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فجاء فقال : يا محمد ما الدليل على ما تدّعي ؟ قال : الرؤيا التي رأيت بالشام فعانقه وقبل بين عينيه وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله .

 

وقال الامام النووي : كان أبوبكر أسبق الناس إسلاما ، أسلم وهو ابن عشرين سنة .

وقيل : خمس عشر سنة .

 

راجع الرياض النضرة 1 : 51 ، 54 ، اسد الغابة 1 : 168 ، تاريخ ابن كثير 9 : 319 ، الصواعق المحرقة ص 45 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 24 ، الخصايص الكبرى 1 : 29 ، نزهة المجالس 2 : 182 .

---------------------------------------------------

(1) في الخصايص الكبرى عن كعب . وهو الصحيح .

 

قال الاميني :

 

هلم معي ننظر إلى هذه المراسيل هل توجد فيها مسحة من الصدق ؟

أما رواية ابن مهران سندا :

1- فشبابة بن سوار(1)أبوعمر والمدائني قال أحمد : تركته لم أكتب عنه للارجاء وكان داعية ، وقال ابن خراش : كان أحمد لا يرضاه وهو صدوق في الحديث وقال الساجي وابن عبدالله وابن سعد والعجلي وابن عدي : انه كان يقول بالارجاء .

 

وقبل هذه كلها يظهر مما رواه أبوعلي المدائني : انه كان يبغض أهل بيت النبي صلوات الله عليهم . وضربه الله بالفالج لدعاء من دعا عليه بقوله : أللهم إن كان شبابة يبغض أهل نبيك فاضربه الساعة بالفالج . ففلج في يومه ومات . ميزان الاعتدال 1 : 440 ، تهذيب التهذيب 4 : 302 .

 

---------------------------

(1) في ميزان الاعتدال : سواد .

 

 

2- فرات بن السائب الجرري . قال البخاري : منكر الحديث وقال يحيى ابن معين : ليس بشئ ، منكر الحديث . وقال الدارقطني وغيره : متروك . وقال أحمد بن حنبل : قريب من محمد بن زياد الطحان في ميمون يتهم بما يتهم به ذاك . ومحمد بن زياد هو اليشكري أحد الكذابين الوضاعين ، ففرات عند إمام الحنابلة كذاب وضاع . وقال أبوحاتم : ضعيف الحديث ، منكر الحديث . وقال الساجي : تركوه . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال أبوأحمد الحاكم . ذاهب الحديث وقال ابن عدي : له أحاديث غير محفوظة وعن ميمون مناكير .

( ميزان الاعتدال 2 : 325 ، لسان الميزان 4 : 430 ).

3- ميمون بن مهران حسبه ما مر في رواية فرات عنه ، أضف إلى ذلك قول العجلي : انه كان يحمل على عليّ كما في تهذيب ابن حجر 10 : 391 . هب انه وثقة من وثقه ، فما قيمته وقيمة حديثه بعد تحامله على علي أميرالمؤمنين صلوات الله عليه .

 

ثم قد أتى ميمون في حديثه بأمرين: إسلام أبي بكر زمن بحيرا . وإختلافه في زواج رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة . أما اختلافه بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين خديجة فلم ينبأ عنه قط خبير . وليس من الجايز أن يكون الوسيط في قران رجل عظيم كمحمد وامرأة من بيت مجدو سؤدد ورياسة كخديجة ، شاب حدث ابن اثنتين وعشرين سنة وللزوج أعمام أشراف أعاظم كالعباس وحمزة وأبي طالب وهو بينهم وفي بيتهم ، وكان عمه أبوطالب كما يأتي يحبه حبا شديدا لا يحب أولاده مثله ، وكان لا ينام إلا إلى جنبه ، ويخرجه معه حين يخرج  وكان هو الذي كلم خديجة حتى وكلت رسول الله صلى الله عليه وآله بتجارتها ، كما في الامتاع للمقريزي ص 8 .

والذي جاء في السير والتاريخ في أمر هذاالقران ان خديجة بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ورغبت في زواجه لقرابته وأمانته وحسن خلقه وصدق حديثه ، وعرضت نفسها عليه صلى الله عليه وآله ، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لاعمامه فخرج معه عمه حمزة وفي لفظ ابن الاثير : خرج معه حمزة وأبوطالب وغيرهما من عمومته . حتى دخل على خويلد بن أسد ، أو على عمرو بن أسد عم خديجة فخطبها اليه فتزوجها عليه وآله الصلاة والسلام وخطب أبوطالب عليه السلام خطبة النكاح ، فقال :

ألحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم ، وزرع إسماعيل ، وضئضئ معد ، و عنصر مضر ، وجعلنا حضنة بيته ، وسواس حرمه ، وجعل لنا بيتا محجوجا ، وحرما آمنا ، وجعلنا الحكام على الناس ، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبدالله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا ، فان كان في المال قل ؟ فان المال ظل زايل ، و أمر حائل ، ومحمد من قد عرفتم قرابته ، وقد خطب خديجة بنت خويلد ، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي كذا ، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم ، وخطرجليل . فزوجها .

 

راجع طبقات ابن سعد 1 : 113 ، تاريخ الطبرى 2 : 127 ، أعلام الماوردي ص 114 ، الصفوة لابن الجوزي 1 : 25 الكامل لابن الاثير 2 : 15 ، تاريخ ابن كثير 2 :

294 ، تاريخ الخميس 1 : 299 ، عيون الاثر 1 : 49 ، اسد الغابة 5 : 435 ، الروض الانف 1 : 122 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 172 ، المواهب اللدنية 1 : 50 ، السيرة الحلبية 1 : 149 ، 150 ، شرح المواهب للزرقاني 1 : 200 ، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية 1 : 114 .

 

فأين مزعمة ابن مهران من هذا التاريخ الصحيح المتواتر ؟

 

وأما إسلام أبي بكر قبل ولادة علي أمير المؤمنين زمن " بحيرا " الراهب فانه مأخوذ مما أخرجه ابن مندة(1) من طريق عبدالغني بن سعيد الثقفي عن ابن عباس : إن أبابكر الصديق صحب النبي وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي ابن عشرين وهم يردون الشام في تجارة حتى إذا نزل منزلا فيه سدرة قعد في ظلها ومضى أبوبكر إلى راهب يقال له : بحيرا يسأله عن شيئ الخ.

----------------------------------------------------------------

(1) ابوعبدالله محمد بن اسحاق الاصبهانى الحافظ الرجال المتوفى 355 .

 

 

هذه الرواية ضعّفها غير واحد من الحفاظ .

قال الذهبي في ميزان الاعتدال 2 : 243 : عبدالغني ضعّفه ابن يونس . وأقرّ ضعفه ابن حجر في لسانه 4 : 45 ، وقال في الاصابة 1 : 177 : أحد الضعفاء المتروكين وذكره السيوطي في الخصايص الكبرى 1 : 86 فقال : سند ضعيف وضعفه القسطلاني في المواهب 1 : 50 ، والحلبي في السير النبوية 1 : 130.

 

وأفظع من هذا رواية أخرجها الحفاظ من طريق أبي نوح قراد عن يونس ابن أبي اسحاق عن أبيه عن أبي بكر بن أبي موسى الاشعري عن أبي موسى قال : خرج أبوطالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في اشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب - يعني بحيرا - هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت اليهم قال : فنزل وهم يحلون رحالهم ، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذا سيد العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين ، إلى أن قال .

فبايعوه وأقاموا معه عنده ، فقال الراهب : انشدكم الله أيكم وليه ؟ قالوا : أبوطالب . فلم يزل يناشده حتى رده ، وبعث معه أبوبكر بلالا ، وزوده الراهب من الكعك والزيت .

أخرجه الترمذي في صحيحه 2 : 284 فقال : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، والحاكم في المستدرك 2 : 616 ، وابونعيم في الدلائل 1 : 53 ، والبيهقي في الدلائل ، والطبري في تاريخه 2 : 195 ، وابن عساكر في تاريخه 1 : 267 ، وابن كثير في تاريخه 2 : 284 ، نقلا عن الحافظ أبي بكر الخرائطي والحفاظ المذكورين ، وابن سيد الناس في عيون الاثر 1 : 42 ، والقسطلاني في المواهب 1 : 49 .

 

- رجال الرواية :

1- أبونوح قراد عبدالرحمن بن غزوان ، قال عباس الدوري : ليس في الدنيا أحد يحدث بهذا الحديث غير قراد أبي نوح وقد سمعه منه أحمد ويحيى لغرابته و انفراده " تاريخ ابن كثير     2 : 285 ".

وقال الذهبي في الميزان 2 : 113 : كان يحفظ ، قوله مناكير ، وأنكر ماله حديث عن يونس "وذكر شطرا من الحديث " فقال :ومما يدل على انه باطل قوله: وبعث معه أبوبكر بلالا ، وبلال لم يكن خلق ، وأبوبكر كان صبيا .

وقال في تلخيص المستدرك تعليقا على تصحيحه قلت : أظنه موضوعا فبعضه باطل.

وقال ابن حجرفي التهذيب 6 : 248 : ذكره ابن حبان في الثقات وقال : كان يخطئ يتخالج في القلب منه لروايته عن الليث قصة المماليك . وقال أحمد : هذا " يعني حديث المماليك " باطل مما وضع الناس . وقال الداقطني : قال أبوبكر: أخطأ فيه قراد .

 

2- يونس بن أبي اسحاق . ضعّف أحمد حديثه عن أبيه ، وقال : حديثه عن أبيه مضطرب . وقال أبوحاتم : كان صدوقا إلا أنه لا يحتج بحديثه . وقال : أبوأحمد الحاكم ربما وهم في روايته. " تهذيب التهذيب 11 : 434 " .

 

3- أبواسحاق السبيعي . قال : ابن حبان : مدلس ، وذكره الكرابيسي في المدلسين ، وقال معن : أفسد حديث أهل الكوفة الاعمش وأبواسحاق للتدليس " تهذيب التهذيب 8 : 66 " وقال أبوحاتم : صدوق لا يحتج به : وقال ابن خراش . في حديثه لين . وقال ابن حزم في المحلّى : ضعّفه يحيى وأحمد جدّا ، وقال احمد : حديثه مضطرب " ميزان الاعتدال 3 : 339 " .

 

4- أبوبكر بن أبي موسى توفى سنة 106 ، ضعفه ابن سعد ، وقال أحمد : لم يسمع من أبيه . تهذيب التهذيب 12 ص 41 " .

 

5- أبوموسى الاشعري المتوفى سنة 42 / 50 - 51 - 53 وهو ابن 63 سنة بلاخلاف أجده وقد وقعت الواقعة بعد عام الفيل بتسع سنين أو اثني عشر عاما قبل ولادة أبي موسى الاشعري 17 - 22 - 23 - 25 عاما ، فان كان أبوموسى هوالشاهد للقصة قبل مولده فحبذا ؟ وإن كان يرويها عمن شاهدها فمن هو ؟ حتى ننظر في حاله . هذا شأن الرواية سندا .

أهذه كلها تخفى على مثل الترمذي ومن بعده من الحفاظ فيحكمون فيها بالحسن ؟ أو بالصحة كما فعله ابن حجر والحلبي ؟ أنا لا أدري  .نعم : الحب يعمي أو يصم .

 

وأما متن الرواية فهو يكفي في تكذيبها إذ سفر أبي طالب عليه السلام إلى الشام و أخذه معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان وقد مضى من عمره صلى الله عليه وآله سلم تسع سنين على ما قاله أبو جعفر الطبري والسهيلي وغيرهما ، أو اثنى عشر عاما على ما قاله آخرون (1) وكان

-----------------------------------------------------

(1) طبقات ابن سعد 1 : 102 ، تاريخ الطبرى 2 : 195 ، تاريخ ابن عساكر 1 : 2 ، 269 ، تاريخ ابن كثير 2 : 285 ، الروض الانف : 1 : 118 ، امتاع المقريزى ص 8 ، عيون الاثر 1 : 43 ، شرح المواهب للزرقانى 1 : 196 .

 

أبوبكر يوم ذاك إبن ست أو تسع سنين : فأين كان هو ؟ وماذا كان يصنع بالشام ؟ وأي اختيار كان له بين شيوخ قريش ؟ ولم تكن تنعقد نطفة بلال يوم ذاك أخذا بقول من قال : انه توفي سنة 25 وله بضع وستون سنة (1) أو انه ولد في تلكم السنين أخذا بقول إبن الجوزي في الصفوة 1 ص 174 من أنه مات سنة عشرين وهو ابن بضع وستين سنة . كأن أبوبكر ولد وهو شيخ وبلال عتيقه ، وكان معه من أول يومه ، وكان من يوم ولد له الحل والعقد .

 

ثم أي بيعة كانت يوم ذاك ؟ وما معنى قول أبي موسى الاشعري : فبايعوه و أقاموا معه عنده ؟ وأي ايمان واسلام على زعم رواة هذه الافيكة ، وكان قبل البعثة باحدى وثلاثين سنة ، أو ثمانية وعشرين عاما ، أو إثنين وعشرين ، أو سبعة عشرة سنة على زعم النووي ؟ ولم تكن للنبي صلى الله عليه وآله يومئذ دعوة ، ولا كلف أحدا بالايمان به ، فلا يقال لمن عرف شيئا من إرهاصات النبوة انه أسلم يوم عرف وإلا لكان " بحيرا " الراهب و " نسطور " وأمثالهما من الرهبان والكهنة أقدم إسلاما من أبي بكر ، وكم هنالك اناس عرفوا أمر الرسالة قبلها وبشروا بها ثم بعد البعثة عاندوا وحسدوا ، فمنهم من مات مشركا ، ومنهم من أدركته الهداية بعد حين كما يأتي في كعب الاحبار بعيد هذا .

و كيف أثبت ذلك اليوم ايمانا لابي بكر وصار بذلك أقدم الناس إسلاما ولم يثبت لابي طالب لا ذاك ولا غيره ؟ وأبوموسى لم يستثن أبا طالب من اولئك الذين بايعوا يوم ذاك نظراء أبي بكر وبلال الخيالي .

قال الحافظ الدمياطي : في هذا الحديث وهمان : الاول : قوله : فبايعوه وأقاموا معه . والثاني : قوله : وبعث معه أبوبكر بلالا . ولم يكونا معه ،ولم يكن بلال أسلم ولا ملكه أبوبكر ، بل كان أبوبكر حينئذ لم يبلغ عشرسنين ، ولم يملك أبوبكر بلالا إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة وكذا ضعفه الذهبي

(2) وقال الزركشي في الاجابة ص 50 : هذا من الاوهام الظاهرة لان بلالا إنما اشتراه أبوبكر بعد مبعث النبي صلى الله عليه واله وسلم وبعد أن أسلم بلال وعذبه قومه ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام مع عمه أبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة سنة وشهران وأيام . ولعل بلالا لم يكن بعد ولد . ا ه‍ .

-----------------------------------------------------------------

(1) تهذيب التهذيب 1 : 503 .

(2) حياة الحيوان للدميرى 2 : 275 ، تاريخ الخميس 1 : 292 .

 

وقال ابن كثير في تاريخه 2 : 285 : إن قوله : وبعث أبوبكر معه بلالا إن كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك اثنتى عشرة سنة فقد كان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة ، وعمر بلال أقل من ذلك ، فأين كان أبوبكر إذ ذلك ؟ ثم أين كان بلال ، كلاهما غريب ، أللهم إلا أن يقال : إن هذا كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرا ، إمّا بأن يكون سفره بعد هذا أو إن كان القول بأن عمره كان إذ ذاك اثنتي عشرة سنة غير محفوظ فانه إنما ذكره مقيدا بهذا الواقدي ، وحكى السهيلي عن بعضهم انه كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك تسع سنين والله أعلم .

 

قال الاميني :

 

إن ابن كثير غض البصر عما في الرواية من خرافة البيعة كأن لم يكن شيئا مذكورا . ثم أتى في تصحيح بعث أبي بكر بلالا بما لا يخفى على فساده ، إذ لم يزد سفر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الشام مع أبي طالب عليه السلام على المرة الواحدة ، و كون عمره صلى الله عليه وآله وسلم اثنى عشر عاما محفوظ عند ابن سعد وابن جرير وابن عساكر و ابن الجوزي ، ولم ينحصر بالواقدي كما حسبه . وقد سافر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الشام مرة ثانية سنة خمس وعشرين من عام الفيل مع ميسرة غلام السيدة خديجة سلام الله عليها وليس هناك أي ذكر من " بحيرا " وإنما فيه قضية " نسطور " الراهب . (1) وقال ابن سيد الناس في عيون الاثر 1 : 43 مثل مقالة الدمياطي المذكورة وكذلك الحلبي في السيرة النبوية 1 ص 129 ، والحديث أخرجه ابن الجوزي في صفة الصفوة 1 : 21 ، من طريق داود بن الحصين وليس فيه أثر من الوهمين ولا ذكر من أبي بكر .

-----------------------------------------------------------------

(1) تاريخ ابن عساكر 1 : 267 ، 272 ، دلائل النبوة لابي نعيم 1 : 54 ، الصفوة لابن الجوزى 1 : 24 ، تاريخ ابن الفدا ج 1 : 114 ، الاجابة للزركشي ص 50 ، تاريخ الخميس 1 . 262 .

 

 

- نظرة في حديث كعب :

وأما رواية كعب فاني لم أجدها في أصل من اصول الحديث ، ولم أرلها سندا قط ، وفي ذكر كعب وهو كعب الاحبار من رجال سندها كفاية ، وحسبنا في كعب ما أخرجه البخاري من حديث الزهري عن حميد بن عبدالرحمن انه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الاحبار فقال : إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب(1) .

وقال ابن أبي الحديد في شرحه 1 ص 362 : روى جماعة من أهل السير : ان عليا كان يقول في كعب الاحبار : إنه الكذاب وكان كعب منحرفا عن علي عليه السلام .

وأخرج ابن أبي خيثمة باسناد حسّنه ابن حجر عن قتادة قال : بلغ حذيفة ان كعبا يقول : إن السماء تدور على قطب كالرحى . فقال : كذب كعب إن الله يقول : إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا (2) .

على ان كعبا لو كان يصدّق نفسه فيما أخبره من الارهاصات والبشائر لما كان يبقى على دين اليهود طيلة حياة النبي صلى الله عليه وآله وما كان يأخر إسلامه إلى عهد عمر بن الخطاب ،  ولما كان يتعلل عندما سئل عما منعه عن إسلامه في العهد النبوي بقوله : إن أبي كان كتب لي كتابا من التوراة فقال : اعمل بهذا . وختم على ساير كتبه وأخذ عليّ بحقّ الوالد علي الولد أن لا أفض الختم عنها ، فلما رأيت ظهور الاسلام قلت : لعل أبي غيّب عني علما ففتحتها فاذا صفة محمد وامته فجئت الآن مسلما (3) وكان له يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنان وثمانون عاما(4) وأثر الكذب لايح في جل ما جاء به كعب وحسبه ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه 5 ص 260 من حديث ذي قربات الذي حكم الحفاظ بعدم صحته ، وما جاء به السيوطي في الخصايص الكبرى 1 : 31 من حديث إخباره عمر وعثمان : بانهما مذكوران بالخلافة في التوراة ، وفيها ان عثمان يقتل مظلوما ، ومع هذه كلها لم يعلم صدور هذه البشارة منه في أيام إسلامه ولعله كان قبله فلا يقبل قوله ولا يصدق في حديثه .

------------------------------------------------------------------------------

(1) تهذيب التهذيب 8 ص 439 ، الاصابة 3 ص 316 .

(2) الاصابة : 3 : 316 .

(3) الاصابة 3 : 316 .

(4) راجع الاصابة ، اسد الغابة ، تهذيب التهذيب .

 

 

على ان الاحلام إن صحت وصدقت فلم لم يحدث أبوبكر أحدا من الصحابة بما أخبره " بحيرا " من البشارة في نفسه من أنه يكون وزيرا وخليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يدور حديثه في دور النبي صلى الله عليه وآله على ألسنتهم ، وتخبت إليه أفؤدتهم ، وتزهر بمذاكرته أنديتهم ؟ أوانه حدث بها لكن الصحابة ضربوا عنها صفحا فلم تنه إلى المحدثين ، ولا انتهت إلى أحد من أرباب الصحاح والمسانيد حتى انتهت النوبة إلى الغلاة في الفضائل من المتأخرين فأرسلوها إرسال المسلم تجاه الحقائق الراهنة .

ولو كان أبوبكر أول من أسلم بتلكم التقاريب فأين كان هو إلى منتهى سبع سنين من البعثة التي يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها : لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين لانا كنا نصلي على ان الاحلام إن صحت وصدقت فلم لم يحدث أبوبكر أحدا من الصحابة أحد يصلي غيرنا ؟

وفي أولية أمير المؤمنين في الاسلام أحاديث صحيحة عنه صلى الله عليه وآله وعن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قدمناها في الجزء الثالث من كتاب الغدير ، وأسلفنا هناك ما يربو على ستين حديثا من الصحابة والتابعين في أن عليا أول الناس إسلاما وأول من صلى وآمن من ذكر .

و قد مرت هناك صحيحة الطبري ان أبابكر أسلم بعد أكثر من خمسين رجلا ، ولو كان أبوبكر أول من أسلم وقد آمن به صلى الله عليه وآله قبل ولادة علي عليه السلام فأين كان هو يوم قال العباس لعبدالله بن مسعود : ما على وجه الارض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاءالثلاثة : محمد وعلي وخديجة ؟ ( تاريخ ابن عساكر 1 : 318 ) فلا يحق آنئذ لاي مغال في الفضائل أن يدع تلكم الصحاح عن النبي الاعظم و وصيه الاقدس والصحابة الاولين والتابعين لهم باحسان ، ويأخذ تجاهها برواية كعب ، و إن هو إلا كعب ليس إلا ، ولا يثبت الحق بالكعاب. ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، ولا تتبع أهوائهم وأحذرهم أن يفتنوك .

 

أبوبكر أسن أصحاب النبي

أخرج ابن سعد والبزار بسند حسن عن أنس قال : كان أسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أبوبكر الصديق وسهيل بن عمرو بن بيضاء  . وأخرجه أبوعمر في الاستيعاب 1 ص 576 ، وابن الاثير في اسد الغابة 2 ص 370 .

وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9 ص 60 فقال : رواه البزار واسناده حسن ، و رواه ابن حجر في الاصابة 2 ص 85 . وفيه : سهل بدل سهيل وهو أخوه . أوهو هو و السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 73 نقلا عن ابن سعد والبزار .

 

قال الاميني :

 

كنا نعتقد أن المغالاة يمكن أن تقع في النفسيات التى لا تدرك بالحواس الظاهرة كالعلم والتقوى وأمثالهما ، وأما الغلو في المشهودات فلم يدع المنطق له مساغا فسرعان ما يظهر فيه كذب الغالي ، ويفتضح به المائن حتى أوففنا السير على أمثال هذه الاقاويل ، فرأينا الرجل يقول بملا فيه : إن أبابكر أسن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله و هو يجد في معاجم الصحابة كثيرين هم أسن منه بكثير وإليك أسماء امة منهم :

1- أماناة بن قيس بن شيبان الكندي . أسلم وقد عاش دهرا ، ويقال : أنه عاش ثلاثمائة وعشرين سنة كما في الاصابة 1 : 63 .

2- أمد بن أبد الحضرمي . أدرك هاشم بن عبد مناف وامية بن عبد شمس و يقال : إنه كان في عهد معاوية له ثلاثمائة سنة . صب 1 : 63 .

3- أنس بن مدرك أبوسفيان الخثعمي . قتل مع علي كان سيد خثعم في الجاهلية عاش مائة وأربعا وخمسين سنة . صب 1 : 73 .

4- أوس بن حارثة الطائي والد خرام صاحب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عاش مائتي سنة ، وأكثر هذه المدة من أيام الجاهلية . صب 1 : 82 .

5- ثور - ثوب - بن تلدة . أنشد له الكلبي :

                          وإن امرأ قد عاش تسعين حجة                         إلى مائـتـيـن كـلـما هـو ذاهـب

قال : ولا أدري ما عاش بعد ما أنشد هذا لمعاوية . وقد يقال . إنه كان له يوم بدر عشرون ومائة عاما . صب 1 : 205 .

6- الجعد بن قيس المرادي . أسلم ، وكان قد بلغ مائة سنة . صب 1 : 235 .

7- حسان بن ثابت الانصاري . عاش في الجاهلية ستين وفي الاسلام ستين عاما صب1: 326.

8- حكيم بن حرام الاسدي ابن أخي خديجة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولد قبل عام الفيل بثلاثة وعشرين سنة ، وتوفي وهو ابن عشرين ومائة سنة . صب 1 : 349 .

9- حمزة بن عبدالمطلب عم النبي الاعظم ولد قبله صلى الله عليه وآله بسنتين أو بأربع صب 1 : 353 .

10- حنيفة بن جبير بن بكرالتميمي . أدرك أحفاده النبي صلى الله عليه وآله ولهم صحبة وكانوا يوم ذاك ذا لحى كما في الاصابة 1 : 359 .

11- حويطب بن عبدالعزى بن أبي قيس العامري المتوفى سنة 54 له مائة وعشرين عاما . صب 1 : 364 .

12- حيدة بن معاوية العامري . مات وهو عمّ ألف رجل وامرأة وأدرك عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وآله وكان بالغا مبلغ الرجال . صب 1 : 365 .

13- خنابة بن كعب العبسي . كان له على عهد معاوية بن أبي سفيان مائة و أربعون سنة وله قوله في الاصابة 1 : 463 :

                                    حويت من الغايات تسعين حجة              وخمسين حتى قيل : أنت المقزّع

14- خويلد بن مرة الهذلي أبوخراش ، أدرك الاسلام شيخا كبيرا . صب 1 : 465 .

15- ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب بن هاشم أبوأروى الهاشمي . كان أسن من عمه العباس الآتي ذكره . صب 1 : 506 .

16- سعيد بن يربوع القرشي المخزومي المتوفى 54 وله 120 / 24 عاما . صب 2 : 52 .

17- سلمة السلمي ، أقبل إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم وأسلم وهو شيخ كبير.

18- سلمان أبوعبدالله الفارسي مات سنة 32 / 3 / 6 روى أبوالشيخ عن العباس بن

يزيد انه قال : أهل العلم يقولون : عاش سلمان ثلثمائة وخمسين سنة ، فأما مائتان وخمسون فلا يشكون فيها . صب 2 : 62 .

19- ابوسفيان القرشي الاموي . كان أسن من أبي بكر باثنى عشر عاما وعدة أشهر. صب    2: 179 .

20- صرمة بن أنس ابوقيس الاوسي . أدرك الاسلام فأسلم وهو شيخ كبير عاش نحوا من مائة وعشرين عاما وهو القائل كما في الاصابة 2 : 183 .

                                       بدالي أني عشت تسعين حجة                      وعشرا وما بعدها لى ثمانيا

                                       فلم ألفهـا لما مضت وعـدتـها                      يحسبها في الدهـر إلا لياليـا

21- صرمة بن مالك الانصاري ، أدرك الاسلام فأسلم وهو شيخ كبير . صب 2 : 183 .

22- طارق بن المرقع الكناني ، كان في حجة الوداع شيخا كبيرا . 2 : 221 .

23- الطفيل بن زيد الحارثي ، هو الذي أخبر عمر بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهلية ، وكان يوم ذاك قد أتت عليه مائة وستون سنة . صب 2 : 224 .

24- عاصم بن عدي العجلاني توفي سنة خمس وأربعين وله مائة وعشرون سنة. صب 2 :246 .

25- العباس بن عبدالمطلب عم النبي الاعظم ، ولد قبل رسول الله بسنتين أو ثلاث صب      2 : 271 .

26- عبدالله بن الحارث بن امية ، أدرك الاسلام وهو شيخ كبير . صب 2 : 291 .

27- عدي بن حاتم الطائي ، مات ب