|
الخطية والكفارة في الإسلام والمسيحية 1 - الخطية في الإسلام وردت في نصوص القرآن طائفة من الكلمات التي تعبر عن الخطية أشهرها: 1 - الذنب: وقد خصص القرآن لها 39 آية، أكثرها تداولاً ما جاء في سورة الفتح 48:1-2: ·إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. 2 - الفحشاء: وهي تستعمل بالأكثر للتعبير عن خطية الزنا، وقد نهى القرآن عنها بقوله: ·وَلَا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ - سورة الأنعام 6:151. 3 - الوزر: إذ يقول: ·أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ - سورة الشرح 94:1-3. قال الفخر الرازي في شرح هذه الآية إنّ الملاك جبريل أتى محمداً وشق صدره وأخرج قلبه وغسله ونقّاه من المعاصي، ثم ملأه علماً وإيماناً. وأخرج ابن هشام عن محمد بن إسحاق قال: إن نفراً من أصحاب محمد سألوه: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، فقال: استعرضت في بني سعد. فبينما أنا مع أخ لي، خلف بيوتنا، نرعى بَهْماً لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض، بطست من ذهب، مملوءاً ثلجاً. ثم أخذاني فشقا بطني واستخرجا قلبي، فشقّاه فاستخرجا منه علقة سوداء، فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج. ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته فوزنني بهم، فوزنتهم. ثم قال زنه بماية من أمَّته، فوزنني، فوزنتهم. ثم قال زنه بألف من أمَّته، فوزنني فوزنتهم. فقال دعه عنك، فوالله لو وزنته بأمَّته لوزنها. 4 - الضلال، كقوله: ·وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى - سورة الضحى 93:5-8. وقد فسَّر الكلبي الضلال بالكفر. 5 - الكفر، كقول القرآن للمؤمنين: ·كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ - سورة الحجرات 49:7. قال الزمخشري في تفسير هذه العبارة: أنها أمور ثلاثة: الكفر وهو نكران الله. والفسوق وهو الكذب، والعصيان وهو التمرد. 6 - الظلم، كقوله: ·وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ القَوْمَ الظَّالِمِينَ - سورة الشعراء 26:10. 7 - الإثم، كقوله: ·وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ - سورة الأنعام 6:120. 8 - الفجور، كقوله: · وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ - سورة الانفطار 82:14-16. 9 - الخطيئة، كقوله: ·وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً - سورة النساء 4:112. في هذه الآية ثلاثة أسماء للخطية: الخطية والإثم والبهتان، وقد ميز بينها الإمام الرازي بالتفسير التالي: أ - الخطية هي الصغيرة، والإثم هو الكبيرة. ب - الخطية هي الذنب القاصر على فاعلها، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير، كالظلم والقتل. ج - الخطية ما لا ينبغي فعله، سواء كان بالعمد أو بالخطأ، والإثم ما يحصل بسبب العمد. أما البهتان، فهو أن ترمي أخاك بأمر منكر وهو بريء منه. واعلم أن صاحب البهت مذموم في الدنيا أشد الذم ومعاقب في الآخرة أشد العقاب. 10 - الشر، كقوله: ·وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ - سورة الزلزلة 99:8. أخرج أبو الجعفر الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: قال أنزلت هذه السورة وأبو بكر الصديق قاعد، فبكى حين أنزلت. فقال رسول الله: ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال تبكيني هذه السورة، فقال له رسول الله: لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر الله لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر الله لهم. 11 - السيِّئة، كقوله: · وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ - سورة النمل 27:90. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية شقَّت على المؤمنين مشقَّة شديدة، فقالوا لمحمد: وأي منا لم يعمل سوءاً، فكيف الجزاء؟ فقال أن الله وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة. فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة، وتبقى له تسع حسنات. 12 - السوء، كقوله: ·مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً - سورة النساء 4:123. 13 - الفساد، كقوله: ·لَيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ - سورة البقرة 2:205. 14 - الفسق، كقوله: ·وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ - سورة البقرة 2:99. 15 - البهتان، كقوله: ·مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ - سورة النور 24:16. وهناك كلمات أخرى كثيرة تعبّر عن الخطية، يضيق بنا المجال لذكرها مع قرائنها كما وردت في القرآن. ولكن قبل أن أنهي الحديث عن الخطية يجب أن أذكر أن القرآن يعلم بوجود الخطية الأصلية، ويقر بأنها كانت سبباً لسقوط آدم وحواء، وذريتهما. وقد أفرد لها آيات كثيرة نكتفي بذكر أوضحها وأسهلها تناولاً على أفهامنا: ·وَقُلْنَا يَا آدَمُ ا سْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ا هْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ ْعَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ - سورة البقرة 2:35-38. اختلف علماء المسلمين في المكان الذي كان فيه آدم وحواء قبل السقوط. قال أبو قاسم البلخي، وأبو مسلم الأصفهاني إن الجنة كانت في الأرض. وفسرا الإهباط بالانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قول القرآن اهبطوا مصر. أما الجبائي فقال إن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل قوله ·اهبطا منها. ويتفق القرآن مع نص سفر التكوين، من حيث أن معصية آدم كانت أكل ثمر الشجرة التي في وسط الجنة. إلا أن العلماء اختلفوا في نوعية الشجرة، ولهم في ذلك عدة روايات مدعمة كلها بالأسانيد، منها: عن إسحاق، عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة وابن المبارك عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة. وعن ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه اليماني أنه كان يقول: هي البر، ولكن الحبة منها في الجنة ككلى البقر، ألين من الزبد وأحلى من العسل. وروي أن أبا بكر الصديق، سأل رسول الله عن الشجرة فقال: هي الشجرة المباركة السنبلة. وعن سلمة، قال حدَّثني محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، أنه حدَّث أنها الشجرة، التي كانت تحتكّ بها الملائكة للخلد. وعن ابن وقيع، قال: حدَّثني عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدَّثه، عن ابن عباس قال هي الكرمة. وعن مجاهد، وعن قتادة أنها شجرة التين. وقال الربيع ابن أنس: كانت شجرة من أكل أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. ويتفق القرآن أيضاً مع سفر التكوين في أن آدم وحواء أقدما على الأكل بغواية الشيطان، إذ يقول: ·فأزلَّهما الشيطان. وقال ابن جريج، عن ابن عباس، أنه قال في تأويل كلمة ·فأزلهما الشيطان أنه أغواهما. ولما كان آدم في نظر القرآن نبياً، والأنبياء حسب تعليم الإسلام معصومون عن الخطأ، فقد قام إشكال في حادث سقوط آدم. فقام المفسرون بمهمة الخروج من الإشكال، فقالوا: إن آدم حالما صدرت عنه تلك الزَّلّة ما كان نبياً، ثم بعد ذلك صار نبياً. ولكن هذا الرأي لم يحصل على الإجماع، فقد قال فريق من المفسرين إن آدم كان نبياً منذ البدء. وإنما وقع في زلَّته، وهو ناسٍ. ومثَّلوه بالصائم الذي يشتغل بأمر ما يستغرقه ويغلب عليه. فيسهو عن الصوم، ويأكل في أثناء ذلك السهو لا عن قصد. وجاء في إحدى الروايات إنّ حواء سقته خمراً، حتى سكر ففعل ذلك أثناء السكر. ولست أدري كيف يمكن أن يقبل مثل هذا التفسير، والقرآن يقول في الآية التالية: ·فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ - سورة البقرة 2:37. فكلمة تاب هنا تدل على أنه وقع في الخطية فعلاً باختياره، وإن يكن حاول إلقاء المسؤولية على حواء، كما يخبرنا الكتاب المقدس. وقد جاء في آراء لفيف من العلماء ما يؤكد أن آدم تعمَّد الأكل من الشجرة، فقد أخرج أبو جعفر الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، عن وهب، عن ابن زيد في تفسير: ·فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات... فقال: لقَّاهما هذه الآية: ·رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ - سورة الأعراف 7:23. وحدَّث موسى بن هرون، قال: حدَّثنا عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي، في تفسير ·فتلقى آدم من ربه كلمات قال: ·رب ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. قال: ونفخت فيَّ من روحك؟ قيل له: بلى. قال: وسبقت رحمتُك غضبَك؟ قيل له: بلى. قال: رب، هل كنتَ كتبت هذا عليّ؟ قيل له: نعم. قال: رب وإن تبتُ وأصلحت هل أنت راجعني إلى الجنة؟ قيل له: نعم. قال الله تعالى: ·ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى. وفي رواية أخرى عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي. قال حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع. قال: حدّثني من سمع عبيد بن عمير يقول: قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبتَه عليَّ، قبل أن تخلقني؟ أو شيء ابتدعتُه من قِبَل نفسي؟ قال بلى شيء كتبتُه عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبتَه عليَّ فاغفره لي. قال: فهو قول الله فتلقى آدم من ربه كلمات. ولكن هذه التفاسير كلها لا يمكنها نفي الحقيقة التي يقرها المنطق، وهي أن آدم أخطأ باختياره. وهذا ما ذهب إليه الفخر الرازي بقوله: أما الآيات التي تمسكوا بها في الأفعال فكثيرة: أولها قصة آدم عليه السلام. تمسكوا بها من سبعة أوجه: 1 - إنه كان عاصياً، والعاصي لا بد وأن يكون صاحب الكبيرة لوجهين: الأول أن النص يقتضي كونه معاقَباً لقوله تعالى: ·ومن يعصى الله ورسوله فإن له نار جهنم. الوجه الثاني أن العاصي اسم ذم، فيجب أن لا يتناول إلا صاحب الكبيرة. 2 - في التمسك بقصة آدم أنه كان غاوياً، كقول القرآن فغوى، والغي ضد الرشد. 3 - إنه تاب والتائب مذنب. والتائب هو النادم على فعل الذنب، والنادم على فعل الذنب، مخبر عن كونه فاعلاً للذنب. فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب في الكذب، وإن صدق فيه فهو المطلوب. 4 - إنه ارتكب المنهيَّ عنه، في قوله ·ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، ولا تقربا هذه الشجرة وارتكاب المنهي عنه عين الذنب. 5 - سُمي ظالماً، في قوله ·فتكونا من الظالمين. وهو سمى نفسه ظالماً في قوله: ·ربنا ظلمنا أنفسنا والظالم ملعون لقوله ·ألا لعنة الله على الظالمين. ومن استحق اللعن كان صاحب الكبيرة. 6 - اعترف بأنه لولا مغفرة الله له وإلا لكان من الخاسرين في قوله ·وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وذلك يقتضي كونه صاحب الكبيرة. 7 - إنه أُخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان، وإذلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان، وذلك يدل على كونه صاحب الكبيرة. وهناك خلاف بين العلماء، حول الكيفية، التي دخل بها الشيطان إلى الجنة وتمكن من وسوسة آدم. قال القصاص، عن وهب بن منبه والسدي وابن عباس أن الشيطان لما أراد أن يدخل الجنة منعته الخَزَنة. فأتى الحية، وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البختة، وهي كأحسن الدواب. بعدما عرض نفسه على سائر الحيوانات، فما قبله واحد منها إطلاقاً. فابتلعته الحية، وأدخلته خفية. فلما دخلت الحية الجنة، خرج إبليس من فمها واشتغل بالوسوسة. فلا جرم إن لعنت الحية وسقطت قوائمها، وصارت تمشي على بطنها، وجُعل رزقها في التراب، وصارت عدواً لبني آدم. وجاء في جامع البيان للطبري عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمرو بن عبد الرحمن بن مهرب، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لما أسكن الله آدم وذريته، ونهاه عن الشجرة. وكانت شجرة غصونها متشعبة بعضها في بعض. وكان ثمر تأكله الملائكة لخلدهم. وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته. فلما أراد إبليس أن يستذلها دخل في جوف الحية، وكان للحية أربع قوائم، كأنه بختة، من أحسن دابة خلقها الله. فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته. فجاء به إلى حواء: فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها! وأطيب طعمها وأحسن لونها!! فأكل منها آدم فبدت لهما سوءاتهما. فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم، أين أنت؟ قال أنا هنا يا رب. قال ألا تخرج؟ قال أستحي منك يا رب. قال ملعونة الأرض التي خلقت منها، لعنة تحوّل ثمرها شوكاً. قال: ولم يكن في الجنة ولا في الأرض مثله كان أفضل من الطلح والسدر، ثم قال: يا حواء أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملاً، إلا حملته كرهاً. فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك، أشرفت على الموت مراراً. وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرَّ عبدي. ملعونة أنت لعنة، تتحول قوائمك في بطنك. ولا يكون لك رزق إلا التراب. أنت عدوة بني آدم، وهم أعداؤك. حيث لقيت أحداً منهم أخذت بعقبه، وحيث لقيك شدخ رأسك. وقال آخرون من أهل الأصول: إن آدم وحواء، كانا يخرجان إلى باب الجنة، وإبليس كان يقرب الباب.. ومن هناك كان يوسوس إليهما. على أي حال، فهناك نص قرآني يحسم الموضوع في كون آدم مذنباً، وهو قوله: ·فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى - سورة طه 20:120-121. فهذه الكلمة ·غوى هي من الغواية، وقد قال الرازي في تفسيرها: الغواية والضلالة إسمان مترادفان، والغي ضد الرشد. ومثل هذا الإثم، لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه. وقال أبو إمام الباهلي... إن واقعة آدم عجيبة، لأن الله تعالى رغَّبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: ·فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى - سورة طه 20:117 و119. ورغَّبه إبليس في دوام الراحة، بقول: ·هل أدلك على شجرة الخلد وفي انتظام المعيشة بقوله: ·وملك لا يبلى فكان الشي الذي رغَّب الله به آدم هو الشي الذي رغَّبه فيه إبليس، إلا أن الله وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها. ثم أن آدم مع كمال عقله وعلمه بأن الله مولاه ومربّيه وناصره، أعلمه أن إبليس عدوه، فكيف قبل قول إبليس، مع علمه بكمال عداوته له وأعرض عن قول الله؟ في الحقيقة إن المفسرين لعاجزون عن طمس ذنب آدم، لأن القرآن طرح ذنبه بقوله: ·فعصى آدم ربه وغوى وقد أجمع المفسرون بالاستناد إلى آيات القرآن، أن العصيان ذنب، وأن العاصي اسم للذم، فلا يطلق إلا على صاحب الكبيرة. ولا معنى لصاحب الكبيرة، إلا من فعل فعلاً يعاقب عليه. 2 - الخطية في المسيحية الخطية ظاهرة في تاريخ البشر، يقرّ بها كل إنسان يفحص قلبه، أو ينظر إلى سيرة أبناء جنسه، لأن جميع بني البشر، حتى الذين لم يتلقّوا نور إعلانات السماء يشعرون بخطاياهم، ويقرون بنقصهم وعجزهم عن القيام بما كُلفوا به أدبياً. والخطية ليست هي الشر الفاضح فقط، كما يظن قسم كبير من الناس، بل هي أيضاً الانحراف عن الله، بوصفه خالقنا والهدف الوحيد لنا. وهذا الانحراف لا يكون بالنزوع إلى الشر فحسب، بل هو أيضاً الانفصال عن الخير. وقد عُرف بالاختبار أن الإنسان الطبيعي لا يستطيع أن يميز قوة الخطية وشدة فعلها في البشر، كما يميزها المؤمن الذي قامت الشريعة الإلهية لديه بعمل المؤدِّب فاقتادته إلى المسيح. والمسيح أعطاه النعمة فعرف حقيقة الخطية وأثرها في جذب الإنسان إلى حال الفساد. وتبعاً لذلك صار يشعر بالحاجة إلى معونة النعمة الإلهية، وإلى دم الكفارة لأجل تبريره. والخطية في وجهها العام هي التعدي - 1 يوحنا 3:4- على شريعة الله، بحيث تصبح جرماً بحق الله، مهما كان عذر مرتكبها، وأياً كان حجمها. دخول الخطية إلى العالم نقرأ في رسالة رومية 5:12 : ·بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الخَطِيَّةُ إِلَى العَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ المَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَا لْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الجَمِيعُ. وقول الرسول هنا يعني أن علة كون جميع الناس خطاة هو آدم أبو البشر. وقد اعتبر بولس في قوله ·بإنسان واحد أن آدم وحواء شخص واحد، كما ذكر في تكوين 5:2. ولم يذكر الرسول تجربة الحية، ولا معصية حواء أولاً، لأن غايته أن يبيّن أن آدم كان في ما فعله نائباً عن كل نسله. يقول بعض الفلاسفة إن الإنسان يولد طاهراً، وإنما إذا عاش في بيئة فاسدة تأثر بها وتسربت إليه الخطية. قد تساعد البيئة الفاسدة على نمو الخطية، ولكن الإنسان يولد وفيه مجموعة من الغرائز، التي وإن كانت لها غايات خاصة، فهي تحمل نزوات شريرة. الخطية إرث نفهم من الاختبارات أنه لا يمكن للكائن الحي أن يلد كائناً مغايراً له. فالثور لا يمكن أن يلد حملاً، وكما قال المسيح: ·لَا يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَباً - متى 7:16. وهذا القانون ينطبق على الإنسان. فآدم أبو البشر، كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة. وقصاصاً له طُرد من فردوس الطهر إلى أرض لُعنت بسبب خطيته. وعلى الأرض أنجب نسلاً. وكان هذا النسل بالطبيعة مطروداً، فاقداً ميراثه بالفردوس. والكتاب المقدس يقر هذه الحقيقة، إذ يقول بفم داود: ·هَئَنَذَا بِالْإِثْمِ صُوِّرْتُ وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي - مزمور 51:5- وقال بفم بولس: ·... لَيْسَ بَارٌّ وَلَا وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحاً لَيْسَ وَلَا وَاحِدٌ - رومية 3:10-12. وقد شرح أغسطينوس تعليم الكتاب المقدس عن السقوط وإرث الخطية، فقال: 1 - خلق الله الإنسان أصلاً على صورته تعالى، في المعرفة والبر والقداسة، مختاراً خالداً. وخوّلَه سلطاناً على الخلائق مع القدرة على اختيار الخير والشر، وإثبات طبيعته الأدبية. 2 - إذ آدم تُرك لحرية إرادته، أخطأ إلى الله باختياره حين جرَّبه إبليس، فسقط من الحال التي خُلق عليها. 3 - نشأ عن معصيته ضياع الصورة الإلهية وفساد طبيعته كلها، حتى صار ميتاً روحياً، لا يميل إلى الخير الروحي وعاجزاً عنه ومضاداً له، وصار أيضاً قابلاً للموت جسدياً، وعرضة لكل سيئات هذه الحياة والموت الأبدي. 4 - الاتحاد النيابي بين آدم ونسله، هو علة ما حل بهم من نفس نتائج المعصية التي حلت عليه. فإنهم يولدون في حال الدينونة، خالين من صورة الله وفاسدين أدبياً. 5 - هذا الفساد الذاتي الموروث، هو في الحقيقة من طبيعة الخطية، غير أنه ليس من الخطية الفعلية. 6 - ضياع البر الأصلي وفساد الطبيعة، اللذين نتجا من سقوط آدم، هما عقاب لخطيته الأولى. 7 - التجديد أو الدعوة الفعالة، هو عمل الروح القدس العجيب، الذي تكون فيه النفس مفعولاً لا فاعلاً. وهو متعلق بإرادة الله وحدها. فيلزم عن ذلك أن الخلاص هو من النعمة فقط. تأثير الخطية على الإنسان قال العالم الإنكليزي هاكسلي: ·لا أعلم أن هناك دراسة انتهت إلى نتيجة تعسة للنفس كدراسة تطور الإنسانية. فمن وراء ظلام التاريخ، تبين أن الإنسان خاضع لعنصر، وُضع فيه، يسيطر عليه بقوة هائلة.. إنه فريسة واهنة عمياء لدوافع تقوده إلى الخراب، وضحية لأوهام لانهائية جعلت كيانه العقلي همّاً ثقيلاً، وأفنت جسده بالغموم والمتاعب. ومنذآلاف السنين لا يزال هو هو. يقاتل ويضطهد، ويعود ليبكي ضحاياه، ويبني قبورهم. وهل يحتاج أحد إلى هذه الشهادات الصارخة، الآتية عبر التاريخ، لكي يلمس هذه الحقيقة؟ ألا يكفي أن ينظر الإنسان إلى أعماق نفسه، ويتحسس ميوله ونزواته، ليعلم أن ناموس الخطية ساكن فيه؟ يكفي أن نلقي نظرة على المجتمع البشري لنلمس في كل إنسان هذه الحقيقة، وهي أن الجميع فسدوا ورجسوا في أفعالهم - مزمور 14:1- الجميع خلوا من صورة الله، التي كانت لآدم قبل السقوط ·كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ - إشعياء 53:6. إن وجود الخطية في حياة كل إنسان أمر لا يجهله أحد، لأن فساد الطبيعة البشرية ظاهر للحس، في عجز الإنسان عن حفظ الشريعة الأدبية والفشل، إن كانت لا تتلقى معونة الله بالروح القدس. مما يؤكد لنا خلو نفس المرء من البر الأصلي، الذي كان للإنسان الأول قبل السقوط. يكفي أن نلقي نظرة عابرة على تاريخ الجريمة عبر الأجيال، لكي نجد الدليل الحاسم على فقدان الإنسان طبيعة الصلاح، وأخذه طبيعة الفساد. وأول ما ظهرت طبيعة الفساد الموروثة، كان في الجريمة الأولى التي اقترفها قايين حين قتل أخاه هابيل. ولماذا قتله؟ أليس لأنه كان شريراً؟ ولماذا يخاصم أحدنا الآخر؟ أليس لأن طبيعة الشر متأصلة فينا؟ لماذا تحارب أمة أمة، أليس بفعل شر الأفراد حينما يتكَّتلون؟ أجرة الخطية قال الله لآدم: ·وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا، لِأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ - تكوين 2:17. ونقرأ أيضاً في حزقيال 18:20 ·اَلنَّفْسُ التِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ ونقرأ في الرسالة إلى رومية 6:23 ·لِأَنَّ أُجْرَةَ الخَطِيَّةِ هِيَ مَو |