
أكّد النّبي محمد في أحاديثه الكثيرة أنّ أركان الإيمان السّتة في الإسلام هي:
"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخِرِ وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه". أي أنَّ الإيمان باليوم الآخِرِ هو الركن الخامس من أركان الإيمان الإسلامي. واليوم الآخِر هو اليوم الذي تنتهي فيه حياة الدنيا وتبدأ الحياة في الدار الآخِرة، في الجنة أو في النار. فهو بالتالي يوم البعث والجزاء، يوم تبيَضُّ فيه وجوهُ وتسوَدُّ وجوه. ويتوقع كل مسلم مجيء هذا اليوم، فهو يوم تقرير المصير: فهل سيدخل الجنة ليتمتع بنعيمها، أم سيدخل جهنم ويتعذب بنارها؟!. لذلك فإنَّ صلوات الكثيرين من المسلمين تتركَّزُ حول هذا الموضوع، فهم يطلبون من الله دائماً أن ينجّيهم من نار جهنّم، لأنّ الخوف من جهنّم ونارها يعتبر مصدراً رئيسيّاً من مصادر توجيه السّلوك والتّربية والحياة اليوميّة لدى المسلمين. فمثلاً نجد عند المسلمين أنّ حجاب المرأة هو أحد وسائل النّجاة من النّار، حيث يصرخ دعاة الإسلام وشيوخهم في وجوه النساء مهدّدين لهنّ بقولهم: "النّار أو الحجاب". أي أنّ التّرهيب من النّار والتّرغيب في الجنّة يشكّل عموداً فقريّاً أساسيّاً، إن لم يكن الأساس الوحيد، في الدّعوة الإسلاميّة، مع أنّه لا يوجد لدى المسلم أيّة ضمانة بدخول الجنّة، فكلّ شيء بعلم الله، وعلى المسلم أن يجتهد ويطيع الله ويطبّق شريعته آملاً بالجنّة مع عدم التأكّد نهائيّاً من دخولها. وقد أشار حُجّة الإسلام الغزالي إلى هذه الحقيقة في معرض تعليقه على ما ورد في سورة مريم 71:19-72 "وإِن مِنْكُم إٍلا وارِدَها، كانَ على ربُّكَ حَتْماً مَقضيَّاً. ثُمَّ نُنَجِّي الّذينَ اتَّقوا ونَذَر الظَّالِمينَ فيها جِثِيَّا" حين كتب قائلاً: "فأنت من الورود على يقين ومن النجاة في شك. فاستشعر في قلبِكَ هولَ ذلك المورد فَعَساكَ تستعدّ للنجاةِ منهُ". أي أن كل مسلم سيدخل جهنّم بالتأكيد، ثم سينجي الله الأتقياء ويخرجهم منها ليضعهم في الجنة، والمشكلة هي أنّهُ لا يوجد أي مسلم في العالم يستطيع أن يؤكد أنَّهُ من الأَتقياء النّاجين من هول الجحيم. ومع ذلك يعتقد المسلمون أنَّ من يقاتل ويستشهد في سبيل الله سيدخل الجنّة بالتأكيد، وذلك بحسب ما جاء في سورة آل عمران 169:3-170 "ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً بَلْ أحياءٌ عند ربهم يرزقون. فرحينَ بما آتاهُمُ اللهُ من فضلِهِ ويستبشرونَ بالّذينَ لم يلحقوا بهم من خلفِهِم ألا حذف عليهم ولا هم يحزنون". فإن كان الشهيد سيدخل الجنة حقاً، فلماذا قال في سورة مريم 71:19 إن الجميع سيدخلون النّار وبدون استثناء؟ فإمّا أن القرآن يناقض نفسه، أو أن الشهداء لا يدخلون الجنّة بل سَيَرِدون إلى جهنم مثل بقية المسلمين!.
وتمتلئ معظم سور القرآن بالحديث عن اليوم الآخِرِ والجنّة وملذّاتها والنار وأهوالها. ومع أن ترتيب اليوم الآخر هو الخامس في أركان الإيمان، إلا أنَّ القرآن يضع الإيمان باليوم الآخر في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله، حيث نقرأ في سورة البقرة 62:2 "منْ آمَن باللهِ واليوم الآخرِ وعملَ صالحاً فلهم أَجرهم عندَ رَبِّهِم ولا خَوفٌ عليهِمْ ولا هُمْ يحزَنون". وهذا الترتيب منطقيٌّ جداً بحسب العقيدة الإسلامية، وذلك لأن غاية الإيمان بالله في الإسلام هي دخول الجنّةِ والتمتع بملذّتها ومشتهياتها الكثيرة. جاء في فاتحة القرآن "الحمد لله رب العالمينَ. الرّحمان الرحيم. مالِكِ يَوْمِ الدّين "(الفاتحة 2:1-4) أي أن القرآن انتقل بنا مباشرة إلى الدين بعد أن ذكر الله، دون الحديث عن بقية أركان الإيمان في الإسلام، مما يؤكد على أن اليقين باليوم الآخر يأتي ثانية عند المسلم بعد إيمانه بالله. وبذلك تكون الجنّة الهدف النهائي والوحيد للإيمان في الدين الإسلامي، فيعيش المسلم حياته خائفاً من الله ومجاهداً من أجل تطبيق شريعته على رجاء دخول جنة النّعيم.
تعريف الجنّة وأسماؤها:
الجنة في اللغة هي الروضة أو البستان الذي فيه نخيلٌ وعنب. وفي العقيدة الإسلامية: الجنة هي دار الثوب الأكبر ،أي دار النعيم الدائم في الدّار الآخرة. الجنة هي دار السعادة المطلقة التي وعد بها الله المؤمنين برسالة محمد. الجنة هي دار الخلود.
جاءت كلمة الجنة في القرآن ست وستين (66) مَرَّة بصيغة المفرد. فنقرأ مثلاً في سورة البقرة 82:2 قوله "والذّين آمنوا وعملوا الصّالحات أُلئك أصحابُ الجّنّة هم فيها خالدون" وفي سورة مريم 63:19 " تلك الجنّةُ اّلَتي نُورِث من عبادنا من كان تقيّاً" وفي النّازعات 40:79-41 "وأمّا من خافَ مقام ربَّه ونَهى النَّفس عن الهوى فإنَّ الجنّةَ هي المأوى" ومن جملة هذه الآيات وغيرها الكثير يستنتج القارئ أن الله وعد المؤمنين بجنَّةٍ سيقضون بها الأبديَّةِ معاً، ولكننا نفاجئ عندما نجد القرآن يتحدث عن جَنّاتٍ بصيغة الجمع، وليس مجرد جنةٍ واحدة، حيث وردت كلمة جَنّاتٍ تسع وستين (69) مَرَّةً في القرآن، أي أكثر من عدد مرّات ذكر الجنّة، ومن الأمثلة على ذلك قوله في البقرة 25:2 "وبشَّر الّذين آمنوا وعمِلوا الصّالحاتِ أَنَّ لهُم جنّاتٍ تجري مِن تحتِها الأَنهار" وفي سورة لقمان 8:31 "إِنَّ الَّذين آمنوا وعمِلوا الصَّالحاتِ لهُم جَنَّاتِ النَّعيم" وفي الطور17:52 إن المتّقينَ في جناتٍ ونعيم". وهكذا سيقضي المؤمنون أبديتهم موزّعين في جَنّات النّعيم.
وهذه الجّنة أو الجنّات الموعودة للمسلمين، يُطلق عليها القرآن أسماءً مختلفة توحي بالنَعيم المقيم، ونذكر من هذه الأسماء:
الحُسنى (أنظر النساء 95؛ الرعد 18؛ النحل 62؛ الكهف88؛ الأنبياء101؛ فصلت50؛ الحديد10؛ الليل 6،9).
دار السلام (الأنعام 127:6، يونس25:10).
جَنَّة عدن أو جنّاتُ عدنٍ (التوبة72؛ الرعد23؛ النحل31؛ الكهف31؛ مريم61؛ طه76؛ فاطر33؛ ص 50؛ غافر8؛ الصف12؛ البينة8؛).
جنّة نَعيم أو جَنّاتُ النَّعيم (يونس9؛ الحج56؛ الشعراء85؛ لقمان8؛ الصّافات 43؛ الواقعة12،89؛ القلم34؛ المعارج38؛).
طوبى (الرّعد 29:13).
دار الآخرة (النّمل 30:16).
دار المتَّقين (النَّمل 30:16).
الفردوس (الكهف 107:18؛ المؤمنون 11:23).
جَنَّة الخُلد (الفرقان 15:25).
الغُرفَة (الفرقان 75:25).
دار المقامة (فاطر 35:35).
دار القرار (غافر 39:40).
جَنَّة عالية (الحاقة 22:69؛ الغاشية 10:88).
نجد في هذه الأسماء أن جنةَ عَدْن هو أكثر الأسماء شيوعاً للجنّة في القرآن، وهو في واقع الحياة يجسد الحلم والشوق في وجدان المسلم. ومعروفٌ أنّ "جَنَّةِ عَدْنٍ" قد ذكرت أولاٍ في الكتاب المقدس، حيث كانت مسكن آدم وحواء عندما خلقهما الله (انظر تكوين 8:2،15؛ 23:3-24). بعد ذلك يأتي اسم جنة نعيم أو جنات النعيم بالتساوي مع تكرار اسم الحُسنى، وهكذا تكون جنة عدن هي الحسنى وجنة النعيم، وقد اسْتَرْسَلَ القرآن في وصف هذا النعيم في آيات كثيرة جداً، وخصوصاً في سورَتَيْ الرَّحمان والواقِعة. أما اسم الفِرْدَوْس فلم يرد إلا مرتين في القرآن، وتعني الكلمة في اللغة الوادي الخصيب أو الرَّوضة. وقد استخدم شاعر النبي حَسّان بن ثابت هذه الكلمة في وصف الجنة عندما أنشد قائلاً:
"وأنَّ ثوابَ الله كلَّ مُوَحَّدٍ جنانٌ من الفِرْدَوْسِ فيها يُخَلَّدُ"
مع العلم أن الكلمة ليست عربيّة، كما قال ابن منظور في قاموسِهِ "لسان العرب" حيث يعترف بأن أَصل الكلمة روحي ثم عُرِّبت. وقد اختلف الرُّواة ومفسرو القرآن في تحديد دلالة كلمة الفردوس، ومما قالوه نذكر ما يلي مما أورده القرطبي في تفسيره لسورة الكهف 107:18 "جَنّات الفردوس":
قال قتاده: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأرفعها.
قال أبو إمامة الباهلي: الفردوس سُرَّة الجنة.
قال كعب: ليس في الجنان جنّة أعلى من جنّة فردوس؛ فيها الآمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر.
قال النّبي محمد في حديث رواه أبو هريرة: "...فإذا سأَلتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنّه أوسط الجنّة، وأعلى الجنّة، وفوقه عرش الرّحمان ومنه تُفجّر أنهار الجنّة". (رواه البخاري ومسلم في الصّحيحين).
قال مجاهد: الفردوس هو البستان في الرّومية. وقيل فارسيّة عُرِّبَت، وقيلَ حبشيَّة.
قال الفراء: الفردوس عربي، وهو حديقة في الجنّة.
وأورد ابن كثير في لسان العرب جميع المعاني والدّلالات السّابقة وأضاف عليها أنّ الفردوس:
قال كعب والسّدي والضّحاك: هو البستان الّذي فيه شجرُ الأعناب.
قال النّبي محمد في حديث له: الفردوس ربوة الجنَّةِ أوسطها وأحسنها.
بناء على هذه الأقوال والأوصاف والتّعاريف الّتي ذكرها رواة الحديث والمفسّرون، يحق لنا أن نطرح الأسئلة التّالية:
هل الفردوس هو الجنّة نفسها؟ أم مكان في الجنّة؟ أم جنّة قائمة بذاتها؟!
هل الفردوس سُرّةَ الجنة أم ربوة الجنة أم حديقة في الجنة؟!
هل كلمة الفردوس عربية أم روميّة أم فارسية أم حبشية؟!
هل تُفَجِّرُ أنهار الجنة من الفردوس؟ أم أن هذه الأنهار تنبع من البحار الموجودة في الجنة؟! فقد أورد ابن كثير في تفسيره لسورة محمد 15:47 حديثاً لنبي الإسلام قال فيه: "في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها بعد". ويضيف ابن كثير قائلاً عن هذا الحديث: رواه الترمذي في صفة الجنة عن محمد بن يسار عن يزيد بن هارون عن سعيد بن أبي إياس الحريري وقال حسن صحيح".
وعليه: هل يحق للمسلم، أو لغير المسلم، أن يبحث عن معنى الفردوس في مصادر غير إسلامية، مادام المسلمون مختلفين في تحديد معنى الكلمة، وخصوصاً البحث في الكتاب المقدس؟!
عدد الجنّات في القرآن:
يعلن لنا القرآن عن وجود عدد وافرٍ من الجنّاتِ التي أعدها الله للأتقياء، وليس فقط جنة واحدة، حيث استخدم كلمة "جناتٍ" في تسعٍ وستين (69) آية. ونجد في القرآن إشارة إلى عدد هذه الجنّات، حيث يقول في سورة الرحمان 46:55 "ولمن خافَ مقامَ ربِّهِ جنَّتان" ويضيف في الآية62 "وَمِن دونهما جنَّتان" مما يعني أن عدد الجنّات هو أربعة، كما هو واضح من ظاهر النَّص، ولكننا نُفاجأ فيما يقوله الرواة والمفسرون حول هذه الجنَّات الأَربعة، ومما قالوه نذكر ما يلي :
مناسبة التّنزيل: اختلفوا في مناسبة تنزيل "ولمن خاف مقام ربه جنّتان"، قال ابن شوذب وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية في أبي بكرٍ الصِّديق. ومعنى هذا القول أن هذه الجنات الأربعة هي فقط لأبي بكر الصديق، ولا يشاركه أحد فيهما. وفي رواية ثانية: قال ابن أبي حاتم عن عطية بن قيس في هذه الآية: "نزلت في الذي قال أحرقوني بالنّار لعلي أضل الله. قال تاب يوماً وليلة بعد أن تكلم بهذا فقبل الله منه وأدخله الجنة". وعليه: إن كانت هذه هي المناسبة الصحيحة لنزول الآية، فإنها تعني أنَّ هذا الشخص هو الَّذي له الجنات الأربعة، ولا تُسْتَحَقُّ لغيرِهِ.
قال ابن كثير في تفسير آية الرحمن 46:55"ولمن خاف مقام ربه جنّتان": الصحيح أنّ هذه الآية عامّة كما قاله ابن عباس وغيره. أي أن الجنات الأربعة هي لكل الأتقياء وبدون استثناء.
وقال القرطبي في تفسيره: "أي لمن خاف جنّتانِ على حِدَة، فلكلِّ خائف جَنّتان. وقيل:
جنّتانِ لجميع الخائفين. والأول أظهر". أي أن القرطبي فسّر ما جاء في القرآن بالقول أن لكل شخص يخاف الله يوجد أربع جنان. وبذلك فأن مجموع عدد الجنات هو بالملايين أو المليارات العديدة جداً حتى يحصل كل خائف لله على أربعة جنات خاصة به.
قال الفراء: "إنما هي جنة واحدة، فثنّى لرءوس الآي". وقال أبو جعفر النّحاس: قال الفراء قد تكون جنة فَتُثَنّى في الشعر، وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل: "جنّتان" ويصفها بقوله: "فيهما" فيدع الظاهر ويقول: يجوز أن تكون جنة ويحتج بالشِّعر!. وتدل هذه الأقوال التي أوردها القرطبي في تفسيره لسورة الرحمن 46:55 على أنه قد وُجد بين أوائل المسلمين من تجرّأ ووصف أسلوب القرآن بالشِّعر وقال بوجود جنَّةٍ واحدة، ولكن الأغلبية بين الرواة والمفسرين رفضوا هذا الكلام الذي اعتبروه طعناً في القرآن، وقالوا بوجود ملايين (مليارات) الجنات، بحيث تقسّم أربعة أربعة لكل مُؤمن.
تجدر الإشارة هُنا إلى الحديث للنبي محمد ذكره ابن كثير مّرَّتين في سياق تفسيره لما ورد في سورة الرحمن 46:55 "ولمن خاف مقام رَبِّه جنّتان"، حيث كتب قائلاً: "وقال ابن جرير حدَّثنا زكريا بن يحيى بن أبان المقري حدَّثنا ابن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر عن محمد بن حرملة عن عطاء بن يسار أخبرني أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوماً هذه الآية "ولمن خاف مقام ربه جنتان" فقلت وإن زنى وإن سرق؟ فقال ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلتُ وأن زنى وإن سرق؟ فقال ولمن خاف مقام ربه جنّتان فقلت وإن زنى وأن سرق يا رسول الله؟ فقال "وإن رغم أنفِ أبي الدرداء". وهكذا نجد أن النبي محمد يستخف بحياة القداسة والفضيلة والتدقيق والأخلاق العالية. بل أنه يشجع حياة الرذيلة والفساد والانحطاط في مثل هذا القول الجزاف عن دخول الزُّناة واللصوص في الجنّة. بعكس ذلك نقرأ الكلمات المجيدة في الإنجيل المقدس: "وأما الخائفون وغيرُ المؤمنين والرَّجسون والقاتلونَ والزناةُ والسَّحرةُ وعبدةُ الأوثانِ وجميع الكذبَةِ فنصيبُهُم في البحيرة المتقدةٍ بنارٍ وكبريتٍ، الذي هو الموتُ الثاني" (رؤيا 8:21).
من الذي يستحق الجنّة:
يقدم لنا القرآن ثلاثة أجوبة مختلفة على هذا السؤال المصيري:
1. لا أحد يستحق الجنة:إنّما هي فضل من الله على العالمين. ففي ثلاثةٍ وثمانين (83) آية قرآنيّة نقرأ كيف أنّ الله بفضلِهِ يرحم النّاس ويرزقهم ويدخلهم الجنّة، ومن الأمثلة على ذلك نقرأ ما جاء في النّساء 175:4 "فأَمّا الَّذين آمنوا باللهِ واعتصموا به فسيُدْخلُهُم في رحمة منه وفضلٍ ويَهْدِيهُم إِليه صُراطاً مُستقيماً" وهكذا لا يُدْخِل الله المؤمنين إلى الجنة مكافأةً لهم بل بسبب رحمته وفضلِهِ عليهم. كذلك نقرأ في سورة النور 14:24 قوله "ولولا فضلُ اللهِ عليَكمُ ورحمَتُهُ في الدُّنيا والآخرةِ لَمَسَّكم في ما أَفَضْتُم فيهِ عذابٌ عظيمٌ" فالنّجاة من العذاب تأتي من فضل الله ورحمته، وذلك لأنَّ "الله ذو الفضل العظيم" (الحديد 21:57). ويقول القرآن عن موقف النّاس من فضل الله في أكثر من موقع: "وإِنَّ ربُّك لذو فضلٍ على النّاس ولكن أَكثرهم لا يشكُرون" (النمل 73:27). وثبت في الصحيحين أنّ النبي محمد قال: "لن يُدْخِلْ أحداً منكم عملُهُ الجنَّة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحْمَةٍ منه وفضل" (رواه البخاري ومسلم).
2. يدخل الجنّة فقط الأشخاص الّذين خلقهم الله ليكونوا أهلاً لها: أي أنَّ دخول الجنّة محكوم بقضاء الله وقدره، كما يؤكّد على ذلك آيات القرآن وأحاديث نبي الإسلام. فالله هو الّذي يهدي من يشاء إلى الإيمان ويدخلهم الجنّة. بل إِنَّ الله، بحسب العقيدة الإسلاميّة، يكتب للإنسان الجنّة أو النّار حتى قبل أن يخلقه. وتوجد في القرآن آيات عديدة جداً تتعلّق بهذا الموضوع، وقد أشرنا إليها في موضوع "القضاء والقدر في الإسلام".
3. يدخلُ الجنّة كلُّ مَنْ آمن وعملِ صالحاً: يؤكّد القرآن على أنَّ المؤمنين الّذين يأتون بالأعمال الحسنةِ والصّالحة سيدخلون الجنّة. ففي عدد ضخمٍ من آيات القرآن "أكثر من مئة آية" يربط القرآن دخول الجنّة بالقيام بالأعمال الصَّالحة مثل الصّوم والصّلاة والزّكاة والحج ومساعدة الفقراء والأيتام وطاعة الوالدين وإيتاء ذي القربى والجهاد في سبيل الله والدّعوة إلى الإسلام، وغيرها من الأعمال الصَّالحة. ومن الأمثلة على هذه الآيات نقرأ:
النّساء 124:4 "ومن يعمل مِنَ الصّالحاتِ من ذكرٍ أو أنثى وهو مُؤْمِنٌ فأولئكَ يدخلونَ الجنّة ولا يظلمونَ نقيراً".
طه 76:20 "جَنَّاتُ عَدْنٍ تجري من تحتها الأَنهارُ خالدينَ فيها وذلك جزاء من تزكَّى".
الفتح17:48 "ومن يُطِعِ اللهَ ورسولَهُ يُدْخِلْهُ جنَّاتٍ تجري من تحتها الأَنهارُ…".
النّازعات 40:79-41 "وأَمّا من خاف مقامَ ربِّهِ ونهى النّفسَ عن الهوى فإنَّ الجنَّة هي المأوى".
الإنفطار 13:82 "إِنَّ الأَبرار لَفي نعيمٍ".
تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ جميع علماء تفسير القرآن من المسلمين يشيرون فقط إلى الأعمال الصّالحة كالأساس الوحيد لدخول الجنّة، دون الإشارة إلى فضل الله وقضاءه وقدره، ولا غرابة في ما يعملونه أبداً وذلك للأسباب التالية:
إن القول بدخول الجنة هو فضلٌ من الله يجعل المسلمون يقتربون كثيراً من عقيدة الفداء المسيحية. ففي الإنجيل المقدس يعلمنا الله أن دخول السَّماء والحصول على الحياة الأبدية هو عطية مجانية أساسها نعمة الله الذي كفَّر عن خطايا العالم بواسطة دم المسيح الذي مات على الصليب. أي أن المسيح دفع ثمن خطايا العالم وأعطاهم الحق أن يدخلوا السَّماء باستحقاقاته هو وليس باستحقاقاتهم.
يتحاشى المسلمون أيضاً القول بأن دخول السَّماء يعتمد على قضاء الله وقدره، مع أن القدر هو الركن السادس في إيمان المسلمين، لأن ذلك يناقض تعاليم القرآن الكثيرة عن دخول السَّماء بناءً على الأعمال الصالحة وزيادة عدد الحسناتِ على عدد السَّيئات. ولذلك يكتفي علماء المسلمين في التنَّبير على الحسنات والأعمال الصالحة لدخول الجنّةِ. وهذا ما عمله الغزالي وسيد قطب والطبري والشيخ محمود جوده وسعيد حوى وغيرهم العشرات، بل المئات من الكُتّاب المسلمين.
وصف الجنّة في الإسلام:
أّطنبَ القرآن في آياته، ونبي الإسلام في أحاديثه، في وصف جمال الجنّة ونعيمها بشكل حِسِّي خالص ومشوّقٍ جداً، لدرجةٍ تساعد الإنسان على أّن يتخيّل نفسه في الجنّة يستمتع بأنهارها وثمارها ويتلذّذُ بنسائها وغلمانها. ولم يكتف المحدِّثين وعلماء التّفسير والرّواة بالتَّفاصيل الكثيرة جداً في القرآن والحديث، بل زادوا في تفاسيرهم شروحات كثيرة في وصف الجنّةِ مما يرغِّبُ الإنسان بقوَّةٍ في الاجتهاد والسِّعي المتواصل ليكون من سكانها ويتلذّذ بخيراتها. وهكذا تَرْخَصُ الحياة الدنيا في عيون الكثيرين أمام الصورة الجذّابة والمغرية لدار النّعيم، لدرجة أنَّ عدداً متزايداً من الشباب المسلمين لديهم الاستعداد للموت والشهادة، لأن أجرهم عند الله عظيماً: حيث وفرة الخمر والَّلبن والعسل وماء الكوثر والحوريات والغلمان وغيرها من الخيرات الجزيلة التي لا حصر لها.
والغريب في الأمر كله، أن الدِّقة في ذكر هذه الأوصاف، والتفاصيل الكثيرة عن جمال وروعة الجنة وموجوداتها في القرآن والسُّنة تتناقض بشكلٍ صارخٍ ومباشر مع حديث قُدُسِيٍّ معروفٍ رواه أبو هريرة عن النبي محمد قال فيه: "قال الله: أعددتُ لعابدي الصّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، فاقْرَأوا أن شئتُم: (فلا تعلَمُ نفسٌ مّا أخْفِيَ لَهُم من قُرَّةِ أعْيُنٍ". ويفيد هذا الحديث أن ما أعده الله لعباده الصّالحين لا يمكن وصفه، حيث لم تَرَهُ عيونهم، ولم تسمع عنه آذانهم ولا خطر على قلوبهم. ومع ذلك فأن الصفات الحسيّة الكثيرة التي ذكرها القرآن، جعلت المسلمين يسمعون بما أعده الله لهم، وجعلت عقولهم وقلوبهم تفكر وتشتهي هذه الخيرات والملذّات، بحيث يستحيل عدم تصور هذا النعيم عند السّماع به أو القراءة عنه. ويجب الإشارة هنا إلى حقيقة معروفه وهي أن هذا الحديث النبوي مأخوذٌ أصلاً من الإنجيل المقدس، فقد ورد في رسالة كورنثوس الأولى 9:2 قول الوحي المقدس: "ما لم تَرَ عينٌ، ولم تَسْمَعْ أذنٌ، ولم يخطر على بال إنسانٍ: ما أعَدَّهُ اللهُ للَّذين يحبّونَهُ". وعند مقارنة ما قاله الله في الإنجيل المقدس عن أمجاد السَّماء الروحية لا يقارَن أبداً بملذات جنة القرآن الجسدية: جنة الطعام والشراب والجنس بلا انقطاع.
أشرنا إلى حقيقة إسهاب القرآن والنبي محمد في وصف الجنة، ونذكر من هذه الصفات ما يلي:
1. خُلود الجنَّة:
تكرّر ذكر خلود الجنّة في خمسين آية موزعة على أربعة وثلاثين سورة في القرآن، فالجنة ستبقى إلى ما شاء الله، وخلود الجنة إلى أبد الدهور يعني خلود من فيها، وقد تكررت عبارة "وهم فيها خالدون" و "خالدين فيها" و "خالدين فيها أبداً" و "أصحاب الجنة خالدون فيها" 36 مرّة. (راجع: البقرة 25:2،85؛ آل عمران 15:3، 107، 136، 198؛ النساء 13:، 57، 122؛المائدة 85:5، 119؛ والأعراف4:7؛ والتوبة22:9،72،89،100؛ ويونس 26:10؛ وهود 23:11،108؛ وإبراهيم 23:14؛ والكهف 108:18؛ وطه 76:20؛ والمؤمنون 11:23؛ والفرقان 16:25،76؛ والعنكبوت 58:29؛ ولقمان9:31؛ والزمر 73:39؛ والزخرف 71:43؛ والأحقاف 14:46؛ والفتح 5:48؛ والحديد 12:57؛ والمجادلة 22:58؛ والتغابن 9:64؛ والطلاق 11:65؛ والبينة 8:98). إِنَّ خلود الصّالحين في الجنّة يعني "وما هم منها بِمُخْرَجون" (الحجر 48:15) وذلك لأنَّ: الآخرة هي دار القرار" (غافر 39:40) حيث لا يموتوا أبداً "أَفَما نحنُ بِمَيِّتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذّبين" (الصّافات 58:37-59) و"لا يذوقونَ فيها الموت إلّى الموتَةَ الأولى ووقّاهم عذاب الجحيم" (الدّخان 56:44) أي أنَّ المسلمين الصّالحين "فيما اشتهت أنفسهم خالدون" (الأنبياء 102:21) والّذي تشتهيه أنفسهم "ما له من نفاذ" (سورة ص 54:38) بل هو "نعيم مقيم" (التوبة 21:9) حيث أنَّ "جنّة الخلد الّتي وُعِدَ المتَّقونَ كانت لهم جزاءً ومصيراً" (الفرقان 15:25).
كون الحياة على هذه الأرض فانية، وحياة الجنّة خالدة، يدفع الإنسان إلى التسّاؤل: لماذا يشرّع القرآن للمسلمين أن يشتهوا ويتلذّذوا بموجودات هذه الحياة الفانية إِن كانت الجنَّة وملذّاتها الباقية أَبداً في انتظارهم؟. فالقرآن يدعو المسلمين أن يأكلوا ويشربوا ما شاء لهم من الطيّبات، وإلى تعدّد الزوجات، حيث لا روحيات ولا قداسة في الإسلام، بل نكاح واستمتاع لدرجة اعتبر فيها النّبيُّ محمد الزّواج نصف الدّين؟!. وشتَّان ما بين حياة العفّة والقناعة والقداسة، من حياة الشبع من الجنس والبنون والمال والطّعام؟!!.
2. أبواب الجنَّة:
جاء في سورة الزّمر 73:39 قوله: "وسيق الّذين اتَّقوا رَبَّهُم إِلى الجنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاءُوها وفُتِحَت أبوابها وقالَ لَهُم خَزَنّتُها سلامٌ عليكم طِبتُم فادخُلوها خالدين". قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية أنَّ عدد أبواب الجنّة ثمانية، وقد استدلّ على ذلك من الأحاديث الصّحيحة الّتي ذكرها البخاري ومسلم وأحمد، حيث يستشهد بجملة من هذه الأحاديث، ومنها: (قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من أنفق زوجين من ماله في سبيل اللهِ تعالى دعي من أبواب الجنّة كلها. وللجنّة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعيَ من باب الصّلاة، ومن دعيَ من باب الصّدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الرّيان". فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ما على أحدٍ من ضرورةٍ دُعيَ من أيّها دعيَ فهل يُدعى أحد منها كلِّها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: "نعم وأرجو أن تكون منهم"). وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء") وذلك لأن مفتاح الجنة كما قال النبي محمد هو: "لا إله إلا الله". وذكر ابن كثير سعة أبواب الجنّة مستشهداً بأحاديث النّبي محمد الّذي قال: "إِنَّ ما بينَ مصراعين في الجنّة مسيرة أربعين سنةً".
نجد هنا أنَّ أبواب الجنّة هي ثمانية، وإنّها أبواب واسعة جداً بحيث يحتاج الإنسان إلى مسيرة أربعين سنة ليصل ما بين مصراعي الباب الواحد، وإنَّ النّاس يدخلون من الأبواب بحسب أعمالهم، فالإنسان المعروف بكثرة صلاته، يدخل من باب الصّلاة، والمتصدّق من باب الصدقة. ولكنّ النّبي قال أيضاً أنَّ المؤمن قد يدخل من جميع الأبواب الثمانية، ولم يوضِّح كيف يتم ذلك، فهل سيدخل من الباب الأول، ثم يخرج منه ويعود ويدخل من الباب الثّاني، وهكذا حتى يدخل من جميع الأبواب؟! وإن كانت هذه هي الحال، فما الحكمة من الدّخول والخروج؟ ثم عاد النّبي وقال أنَّ الّذي ينطق الشّهادتين يدخل من الباب الّذي يريده، وهذا يعني أنَّ حرّاس الأبواب من الملائكة لن يدعوه للدّخول من باب معيّن، بل يكون الاختيار له، فهل يمكن أن يكون هذا؟! وللجّواب على هذا السّؤال نقرأ في سورة ص 49:38-50 "وإِنَّ للمتَّقين لَحُسْنَ مآبٍ جنَّاتٌ عدنٍ مفتَّحةًَ لهم الأبواب". فأبواب الجنَّة مفتوحة في وجه الأتقياء يدخلونها كما يريدون.
والقول بوجود أبواب للجنّة ليست أصيلة في قرآن المسلمين، بل لدينا مراجع كثيرة في الكتاب المقدّس عن أبواب السّماء حيث سيسكن الله مع النّاس، ويخبرنا الله في وحيه أنَّ أبواب السّماء تبلغ اثنا عشر باباً وأنَّهُ "لن يدخلها شيءٌ دنسِ ولا ما يصنعُ رًجساً وكذباً، إِلا المكتوبين في سفر حياة الحمل" (رؤ 12:21-27).
3. درجات الجنّة ومنازلها:
جاء في سورة النساء 95:4-96 قوله: "فَضّل اللهُ المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجَةًً وكُلاً وعد الله الحُسنى وفضّل اللهُ المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. درجات منه ومغ&